قلبي في يديك
أسرار تتكشف تحت سماء غائمة
بقلم ليلى الأحمد
كان الهواء في مجلس العم صالح ثقيلًا، لا يكسره سوى صوت عقارب الساعة المعلقة على الجدار، تلك التي بدا أنها تتسارع في دقاتها مع تسارع نبضات قلب منى. جلست قبالته، تتلمس طرف عباءتها بأصابع مرتعشة، فيما كانت عيناها تتنقلان بين وجهه الهادئ ظاهريًا، وبين صورة العم أحمد التي احتلت مساحة بارزة على الرف الخشبي. كان الصمت يطول، يلدغ أذنيها كلسع البرد، كل لحظة تمر وكأنها دهر. أخيراً، وبعد أن بدا وكأن كلماته قد اختنقت في حلقه، رفع العم صالح عينيه إليها.
"منى يا ابنتي،" بدأ بصوت فيه بحة لم تعهدها فيه من قبل، "الحياة تموج بأمور قد لا تبدو واضحة للوهلة الأولى. هناك حقائق مدفونة، وأسباب تكمن في أعماق قد لا ندركها إلا حين تدفعنا الظروف."
تنهدت منى، وشعرت بأن روحها تختنق. "أنا مستعدة لسماع أي شيء يا عمي. لقد فقدت أبي، وما عاد يخيفني شيء سوى الغموض الذي يحيط بحياته في أيامه الأخيرة."
"والدك، رحمه الله، كان رجلًا ذا مبادئ، لكنه كان أيضًا يحمل على عاتقه أعباءً ثقيلة،" قال العم صالح، وبدأت عيناه تتوهجان بوهج غريب، مزيج من الأسى والحزم. "كانت هناك صفقة تجارية كبيرة، صفقة كان يعول عليها الكثير. صفقة تعلقت بها آمال أسر بأكملها، ليس فقط آمالنا هنا."
ارتعش جسد منى. "صفقة؟ أبي لم يذكر لي أي صفقة بهذا الحجم. كان دائمًا يتحدث عن مشاريعه الصغيرة، عن توسعه التدريجي."
"وهنا يكمن بيت القصيد يا منى،" أجاب العم صالح، يمسك بيدها برفق. "والدك كان يؤمن بالستر، كان يحب أن يرى النجاح يأتيه هادئًا، دون ضجيج. لكن هذه الصفقة... كانت مختلفة. كان فيها شريك، شريك له طموحات لا حدود لها، وشخصية لا تعرف الرحمة."
شدت منى قبضتها على طرف عباءتها. "شريك؟ من هو؟"
"اسمه فؤاد،" قال العم صالح، لفظ الاسم وكأنه طعم مر. "فؤاد عبد العزيز. رجل الأعمال الذي يبدو من الخارج وكأنه عملاق طيب، لكنه في الحقيقة... في الحقيقة هو ثعلب ماكر. والدك كان يحاول جاهداً إبقاء الصفقة في نصابها الصحيح، كان يحاول أن يحميها من جشع فؤاد."
شعرت منى بأن الأرض تميد بها. فؤاد عبد العزيز! الرجل الذي سمعت عنه في قصص النجاح، الرجل الذي يمثل قدوة للكثيرين. أكان هذا هو الرجل الذي يتحدث عنه عمها؟
"والدي... هل كان في خلاف معه؟" سألت بصوت خافت، يكاد لا يُسمع.
"لم يكن خلافًا عاديًا،" قال العم صالح. "كان صراعًا على المبادئ، صراعًا على القيم. والدك كان يرفض بعض الطرق التي كان فؤاد يسلكها لتحقيق أهدافه. كان والدك يرى في تلك الطرق انحرافًا عن الطريق الصحيح، عن ما يرضي الله."
ازدادت الرعشة في جسد منى. "وماذا حدث؟"
"الأمور تدهورت بسرعة،" أجاب العم صالح، وقد غطت السحب رمادية لوجه. "لقد حوصر والدك. تعرض لضغوط شديدة، ضغوط لم أكن أدرك حجمها إلا بعد فوات الأوان. كان فؤاد يهدده، يهدده بخسارة كل شيء. لكن والدك لم يركع. ظل صامدًا، متمسكًا بمواقفه."
"ثم... ثم جاءت تلك الليلة،" تابع العم صالح، وعيناه تنظران إلى بعيد، وكأنه يستحضر المشهد. "لقد أتتني مكالمة. والدك كان في طريقه للقائي. كان متوترًا، قال لي إنه لديه ما سيكشفه لي، ما سيغير كل شيء. لكنه لم يصل."
ابتلعت منى ريقها بصعوبة. "ولم يصل... هل تعرض لحادث؟"
"لا يا ابنتي، لم يكن حادثًا عاديًا،" قال العم صالح، وقد انحنى قليلاً، واضعًا رأسه بين يديه. "التقرير الرسمي قال إنها سكتة قلبية مفاجئة. لكنني... لكنني لم أكن مقتنعًا. هناك شيء ما كان ينقص في تلك القصة. شعرت بذلك في قلبي."
رفعت منى يدها ووضعتها على يد عمها، تحاول أن تبث فيه بعض السكينة. "وما الذي يجعلك تشك الآن يا عمي؟"
"لقد استلمت رسالة،" قال العم صالح، رافعًا رأسه مرة أخرى، وهذه المرة كانت نظراته حادة كالنصل. "رسالة وصلتني بعد وفاته بأيام. رسالة بخط والدك. كان فيها يحذرني من فؤاد، كان يقول إنه يملك أدلة تثبت تورط فؤاد في ممارسات غير قانونية، وأنه كان ينوي كشف كل شيء. لكنه كان يخشى على حياته، وكان يقول إنه لن يترك هذه الأدلة تضيع."
"أدلة؟" همست منى، وقلبها يدق بعنف.
"نعم، أدلة،" أكد العم صالح. "والدك كان ذكيًا، وكان يحتاط. لقد أودع هذه الأدلة في مكان آمن، مكان لا يعرفه إلا هو... وأنا الآن، أظن أنني عرفت أين."
نظر العم صالح إلى منى، وفي عينيه بريق من الأمل والقلق. "الرسالة تضمنت إشارة غامضة، إشارة إلى مكان قديم، مكان يحمل ذكرى عزيزة لكم... تذكرين ذلك الكتاب الذي كان والدك دائمًا يقرأ فيه؟ الكتاب الذي كان يحمل صور شجرة النخيل الكبيرة في بيت جدتكم؟"
تتسع عينا منى. ذلك الكتاب! كتاب الصور القديمة، الذي كان أبي يحتفظ به ككنز. كان أبي يقضي ساعات في تصفحه، يسترجع ذكريات الماضي.
"نعم، أتذكره جيدًا،" قالت منى، وشعرت بأن خيطًا رفيعًا من الأمل بدأ يتشكل في الظلام.
"أظن أن الأدلة مدفونة فيه،" قال العم صالح، وشيء من الارتياح بدا على وجهه. "لكن هذا يعني أننا يجب أن نتحرك بسرعة. فؤاد، إذا كان قد عرف أن والدك كان يملك شيئًا ضده، فقد يكون الآن يبحث عن هذه الأدلة. لا يمكننا أن نسمح له بأن يحصل عليها. لا يمكننا أن ندع اسم والدك يُلطخ، ولا أن تضيع حقوقه."
شعرت منى بثقل المسؤولية يهبط على كتفيها. لم تعد القضية مجرد حزن على فقدان الأب، بل أصبحت معركة لحماية إرثه، لكشف الحقيقة. نظرت إلى صورة والدها، وشعرت بأن عينيه تنظران إليها، تنتظران منها أن تكون قوية، أن تكون شجاعة.
"ماذا علينا أن نفعل يا عمي؟" سألت، وقد استجمعت كل قواها.
"يجب أن نذهب إلى بيت جدتك،" قال العم صالح بحزم. "يجب أن نجد ذلك الكتاب. ثم، يجب أن نجد طريقة لمواجهة فؤاد. لم يعد هناك وقت للتردد، ولا مكان للتراجع. الحقيقة يجب أن ترى النور، مهما كان الثمن."
نهض العم صالح، وامتدت يده نحو منى. "أنا معك في كل خطوة. والدك كان أخي، وأنتِ ابنتي. سننتقم له، وبطريقتنا الخاصة. بطريقتنا الحلال."
أخذت منى يد عمها، وشعرت بتيار من القوة يسري في عروقها. كانت السماء تمطر في الخارج، وصوت قطرات المطر على الزجاج بدا وكأنه قرع طبول معركة قادمة. معركة ستقودها الحقيقة، وستنتصر بها المبادئ.