قلبي في يديك
عبير الماضي في بيت الجدة
بقلم ليلى الأحمد
كانت الرحلة إلى بيت الجدة رحلة عبر الزمن، كل منعطف في الطريق كان يعيد إلى ذاكرة منى ألف ذكرى. السيارات تمر مسرعة، والمباني الحديثة تبرز كأشجار غريبة في غابة عتيقة. لكن كلما اقتربا من الحي القديم، بدأت معالم الماضي تفرض نفسها. البيوت المتلاصقة، الأزقة الضيقة، رائحة الياسمين التي كانت تفوح من شرفات البيوت. كان الهواء يحمل عبقًا لم تشمه من سنين.
عندما توقفت السيارة أمام البيت الأثري، توقفت قلوب منى وعمها صالح في آن واحد. بدا البيت شامخًا، حزينًا في وقفته، كأنه يحمل على جدرانه حكايات الأزمان. باب خشبي عتيق، نقش عليه بخط عربي جميل اسم عائلة الأب، وكأنه ختم على عهد.
"ها نحن ذا،" قال العم صالح، بصوت فيه رجفة خفيفة. "بيت الذكريات."
فتحت منى باب السيارة، ونزلت بخطوات مترددة. شعرت بأنها تدخل عالماً آخر، عالماً يختلف عن صخب المدينة. كانت الأرضية الحجرية باردة تحت قدميها، والجدران المزينة برسومات وزخارف تقليدية بدت وكأنها تتنفس. كان المكان يشع هدوءًا، هدوءًا لا يكسره إلا صوت خطواتهم.
"الجدة،" نادت منى بصوت مرتفع، لكن لا رد. "أين أنتِ يا جدتي؟"
"ربما في غرفتها،" قال العم صالح، يمسح غبارًا خفيفًا عن طاولة جانبية. "دعيني أذهب وأتفقدها. أنتِ ابحثي عن الكتاب، ربما تعرفين أين كان يحتفظ به والدك."
ذهبت منى إلى حيث كانت غرفة والدها. الغرفة التي كانت ملاذها في طفولتها، حيث كانت تستمع إلى قصصه، وحيث كانت تشم رائحة كتبه. كل شيء كان في مكانه. المكتب الخشبي الكبير، الكتب المرصوصة على الرفوف، اللوحات التي رسمها. شعرت بأن روح والدها لا تزال تسكن المكان.
بدأت تبحث عن الكتاب. تلمست الكتب واحدًا تلو الآخر، كل كتاب يحمل قصة، يحمل ذكرى. تذكرت كيف كان والدها يشير إلى كتاب معين، ويقول: "هذا الكتاب يحمل أسرار عائلتنا، أسرار ماضٍ سنكتشفه يومًا ما." هل كان يقصد هذا الكتاب؟
كانت تبحث بحذر، بأمل، وببعض القلق. كيف سيبدو الكتاب؟ هل سيكون واضحًا؟ هل سيسهل العثور على ما يبحثون عنه؟
بينما كانت غارقة في البحث، سمعت صوت العم صالح يناديها من الخارج. "منى! جدتك تريدك."
ذهبت إلى حيث كانت تجلس الجدة. كانت امرأة كبيرة السن، وجهها محفور بتجاعيد الزمن، لكن عينيها كانتا لا تزالان تلمعان بذكاء وفطنة. كانت تحتضن كتابًا قديمًا، غلافه مزين برسومات زاهية.
"هذا هو؟" سألت الجدة، وهي تمد الكتاب نحو منى.
تسارعت نبضات قلب منى. لقد عثرت عليه. "نعم يا جدتي، هذا هو!"
"أبوكِ كان يحب هذا الكتاب كثيرًا،" قالت الجدة، وابتسامة حزينة ترتسم على شفتيها. "كان دائمًا يقول إنه يحمل ذكريات جميلة. لم أكن أعرف أنه يحمل شيئًا آخر."
أخذت منى الكتاب بيدين مرتعشتين. كان ثقيلًا، غلافه بالجلد القديم، رائحته تفوح بعطر التاريخ. جلست بجوار الجدة، والعم صالح بجانبها. فتحت الكتاب بحذر.
كان مليئًا بالصور الفوتوغرافية القديمة. صور لوالدها طفلاً، صور للعائلة في مناسبات مختلفة، صور لبيت الجدة في صورته القديمة. كل صورة كانت تروي قصة.
"انظري هنا،" قال العم صالح، مشيرًا إلى صورة لشجرة نخيل عملاقة. "هذه هي الشجرة التي كان والدك يتحدث عنها. كان يقول إنه كان يلعب تحتها عندما كان صغيرًا."
ثم، وسط الصور، لاحظت منى شيئًا غريبًا. كانت هناك بعض الأوراق الصغيرة، مخبأة بعناية بين صفحات الصور. كانت تبدو كأنها ملاحظات مكتوبة بخط اليد.
"هذه... هذه ليست صورًا،" قالت منى، وبدأت في سحب الأوراق بلطف.
كانت أوراقًا صغيرة، عليها كتابات بخط والدها. ملاحظات، تواريخ، أسماء، وبعض الرموز الغامضة. كانت أشبه بشفرة.
"ما هذا؟" سأل العم صالح، وهو يتفحص الأوراق.
"هذه ربما هي الأدلة،" قالت منى، وهي تشعر بنشوة غريبة. "أبي كان ذكيًا حقًا. لقد خبأها في هذا الكتاب، في مكان لم يكن أحد ليتوقعه."
بدأت منى في قراءة الملاحظات. كانت هناك أرقام، تواريخ، أسماء لشركات، وبعض العبارات التي تبدو كأكواد.
"انظري هنا،" قالت منى، مشيرة إلى ورقة معينة. "هذا التاريخ... هذا هو تاريخ توقيع الصفقة الكبرى. وهنا، هذه الأسماء... هذه أسماء شركات وهمية، وبعض الشركات الحقيقية التي كانت تتعامل معها."
"وهذا،" قال العم صالح، وهو يشير إلى ورقة أخرى. "هذه الأرقام... تبدو كأرقام حسابات بنكية."
أخذت منى نفسًا عميقًا. كانت الأدلة تتكشف أمامها، كل ورقة تحمل معلومة جديدة، كل عبارة تفتح بابًا لفهم أعمق.
"كان أبي يحاول أن يجمع كل شيء،" قالت منى. "كان يعرف أن فؤاد يلعب لعبة قذرة، وكان يريد أن يجمع كل الأدلة قبل أن يواجهه."
"ولكنه لم يتمكن من ذلك،" قال العم صالح بحزن. "لكنه ترك لنا هذه الرسالة، هذه الطريق لنكشف الحقيقة."
جلسوا لساعات، يقرأون الملاحظات، يحللون الرموز. كلما تعمقوا أكثر، كلما أدركوا حجم الخيانة التي كان والد منى يتعرض لها. كانت هناك أسماء لوسطاء، لإيصالات، ولطرق تهريب غير مشروعة. كل شيء كان يشير إلى أن فؤاد كان يمارس أنشطة مشبوهة، وأن والد منى كان يحاول إيقافه.
"هذه ليست مجرد صفقة تجارية،" قال العم صالح، وهو يهز رأسه بالأسى. "هذه جريمة منظمة. وكان والدك على وشك كشفها."
"وهذا يعني أن فؤاد كان يعرف أن أبي على وشك كشفه،" قالت منى، وشعرت بالبرد يسري في عروقها. "وهذا قد يعني... أنه هو من... "
لم تكمل منى جملتها، لكن الصمت الذي تلاها كان أبلغ من أي كلام. لقد أدركوا الحقيقة المرة. والدها لم يمت بسكتة قلبية، بل ربما تم قتله.
"يجب أن نجد طريقة لمواجهة فؤاد،" قال العم صالح، بصوت أصبح أكثر صلابة. "يجب أن نستخدم هذه الأدلة. ولكن بحذر. فؤاد رجل خطير، ولديه نفوذ كبير."
نظرت منى إلى الكتاب، إلى الأوراق المبعثرة. لم يعد هذا مجرد كتاب صور، بل أصبح سلاحًا. سلاحًا بيدهما، لإنصاف والدها، ولإحقاق الحق.
"علينا أن نخطط جيدًا،" قالت منى، وقد بدأت عيناها تتوهجان بعزم. "لا يمكننا أن ندع هذه الأدلة تضيع. ولا يمكننا أن ندع روح أبي ترتاح وهي مظلومة."
جلست الجدة بصمت، تستمع إلى الحديث، وتتأمل صورة ابنها في الكتاب. كان وجهها يعكس مزيجًا من الحزن والقوة. لقد فقدت ابنها، لكنها لم تفقد الأمل في أن الحق سيعود.
"ابني كان دائمًا قويًا،" قالت الجدة بصوت خافت. "لم يكن ليسمح لأحد بأن يظلمه. والآن، أنتم معه. ابحثوا عن الحقيقة، وحاربوها بكل ما أوتيتم من قوة."
شعرت منى بمسؤولية جارفة. لقد فتح عمها لها الباب، وأعطاها المفتاح، والآن عليها أن تكمل الطريق. الطريق الذي سيقودها إلى مواجهة الحقيقة، ومواجهة العدو.