قلبي في يديك
لمعةُ الأملِ في عيني الغريب
بقلم ليلى الأحمد
تسللت نسماتُ الهواءِ الباردةُ عبر شقوقِ الخيمةِ المهترئة، حاملةً معها رائحةَ الرملِ الجافِ وعبقَ البخورِ الخفيفِ الذي كان يتصاعدُ من موقدِ أم إبراهيم. في داخلِ الخيمةِ، كانَ الضوءُ الخافتُ المنبعثُ من مصباحٍ زيتيٍ مُعلقٍ في السقف، يرسمُ ظلالاً راقصةً على الجدرانِ القماشية. كانت نورةُ تجلسُ بجوارِ الرجلِ الغريب، وهي تُراقبُ أنفاسه المتقطعة، وعينيها لا تفارقان وجهه الشاحب.
لم تكن تعرفُ شيئاً عن هويته، أو عن سببِ وجوده وحيداً في هذا المكانِ النائي. كانت كلُ معلومةٍ لديهِ شبهُ معدومة، أو مُبهمة. كلما سألتهُ عن اسمه، كانَ يُشيرُ إلى صدره بصعوبة، أو يُغمضُ عينيهِ بتعب. كانَ واضحاً أنهُ فقدَ جزءاً كبيراً من ذاكرته، أو أن الصدمةَ قد أثرتْ فيهِ بعمق.
"هل تشعرُ بتحسن؟" سألت نورةُ بصوتٍ هادئ، محاولةً عدمَ إثارةِ قلقه.
أومأَ الرجلُ برأسهِ بصعوبة، ثم حاولَ أن يبتسمَ لها. كانت تلكَ الابتسامةُ خافتةً، لكنها كانت تحملُ معها شيئاً من الامتنانِ الصادق. في تلكَ اللحظة، رأت نورةُ لمعةً خافتةً في عينيه، لمعةَ أملٍ جديدة، وكأنها تقولُ لها: "شكراً لكِ."
كانت أم إبراهيم، والدتها، تتحركُ بخفةٍ وهدوء، مُعدةً لهُ بعضَ الأعشابِ المغليةِ وماءٍ دافئ. كانت سيدةً في عقودها السادسة، لكنها كانت تتمتعُ بصحةٍ جيدةٍ وقوةٍ في عزيمتها. كانت تعرفُ كيفَ تتعاملُ معَ المصابين، وكيفَ تُقدمُ لهمُ الراحةَ والدفء.
"لا تقلقي يا ابنتي، لقد رأيتُ ما هوَ أصعبُ من هذا." قالت أم إبراهيم لنورة، وهي تُقدمُ للرجلِ كوباً من الماءِ الدافئ. "الأهمُ الآنَ هوَ أن يرتاحَ ويستعيدَ قوته."
نظرَ الرجلُ إليها بعينينِ واسعتين، وشكرها بصمتٍ. كانَ وجهه ينمُ عنِ الرجولةِ والأناقة، على الرغمِ منَ الإرهاقِ الظاهر. كانَ شعرُه داكناً، وعيناهُ واسعتان، وحاجباهُ كثيفان. كانت ملامحهُ تحملُ أصالةَ العربِ، وقوةَ البادية.
"هل تتذكرُ أي شيءٍ عن نفسك؟" سألت نورةُ مرةً أخرى، وهي تُحاولُ أن تُنبهَ ذاكرته.
فتحَ عينيهِ ببطء، وركزَ بصرهُ عليها. بدا وكأن شيئاً ما قد استيقظَ في داخله. هزَ رأسهُ ببطء، ثم رفعَ يدهُ وأشارَ إلى جبينهِ، وكأنهُ يُعاني من صداعٍ شديد.
"لا عليكَ، لا تُجهدْ نفسك." قالت نورةُ مُطمئنةً إياه. "عندما تشعرُ بالقوة، ستتذكرُ كلَ شيء."
ثم، حدثَ ما لم يكنْ في الحسبان. فتحَ الرجلُ فمهُ، ونطقَ بكلمةٍ واحدةٍ بصوتٍ خافتٍ ومبحوح: "مالك."
توقفت نورةُ عن التنفسِ للحظة. "مالك؟" كررتْ بصوتٍ متفاجئ.
أومأَ الرجلُ برأسهِ مرةً أخرى. "مالك."
شعرتْ نورةُ ببرودةٍ تسري في عروقها. مالك. كانَ الاسمُ مألوفاً، ولكنهُ كانَ مألوفاً بطريقةٍ مُقلقة. لم تستطعْ أن تُحددَ مصدرَ هذا الإحساس.
"مالك..." كررتْ أم إبراهيم، وهي تُفكرُ بصوتٍ عالٍ. "اسمٌ جميلٌ وحسن."
في تلكَ اللحظة، استدارَ مالكُ بصرهُ نحو النافذةِ الصغيرةِ في الخيمة، حيثُ كانَ القمرُ يلقي بضوئه الفضي. بدا وكأنهُ يبحثُ عن شيءٍ في السماء، أو ربما في ذكرياتٍ غائبة.
"كانَ هناكَ... مكانٌ ما..." قالَ بصوتٍ أضعف، ثم سكت.
"مكانٌ ما؟" شجعتهُ نورةُ. "تذكر؟"
أغمضَ عينيهِ، وبدا وكأنهُ يحاولُ استدعاءَ صورةٍ ضبابية. "شجرٌ... ماءٌ... صوتُ أغنيةٍ..."
كانت كلماتهُ مُبعثرة، وغيرَ مكتملة. بدا وكأنهُ يعيشُ في عالمٍ منَ الأحلامِ والرؤى.
"هذا جيدٌ يا مالك." قالت نورةُ، وهي تُحاولُ أن تُبقي صوتها هادئاً. "كلُ شيءٍ سيعودُ إلى طبيعته."
بعدَ قليل، غلبهُ النعاسُ، واستسلمَ للنوم. كانت أنفاسه أهدأ، ووجهه أصبحَ أقلَ شحوباً. تركتْ نورةُ وأم إبراهيم الخيمةَ بهدوء، تاركينَ مالكاً ليغفو.
في الخارج، كانت الصحراءُ لا تزالُ تحتضنُ الصمتَ والظلام. كانت النجومُ تلمعُ في السماءِ كآلافِ العيونِ التي ترقبُ كلَ شيء.
"هل أنتِ متأكدةٌ من هذا الاسم؟" سألت نورةُ والدتها، وهي تُراقبُ أفقَ الظلام.
"اسمٌ جميلٌ يا ابنتي، ولكن... هناكَ شيءٌ في عينيهِ يُقلقني." أجابت أم إبراهيم، وهي تُشعلُ ناراً صغيرةً خارجَ الخيمة. "لمَ كانَ وحدهُ في الصحراءِ هكذا؟"
"هذا ما يدورُ في رأسي أيضاً." قالت نورةُ، وهي تُراقبُ اللهبَ المتراقص. "لماذا رجلٌ مثلهُ، يبدو أنهُ منَ الطبقةِ الراقية، يكونُ في هذا الوضع؟"
"قد يكونُ قد تعرضَ لحادثٍ، أو لشيءٍ أسوأ." قالت أم إبراهيم، وهي تُمسكُ بذراعِ ابنتها. "لكنَ اللهَ وحدهُ يعلمُ الحقيقة. ما علينا إلا أن نُساعده، وأن ندعو لهُ بالشفاء."
نظرتْ نورةُ إلى السماءِ مرةً أخرى. شعرتْ بأن هذهِ الليلةَ لم تكنْ مجردَ ليلةٍ عادية. لقد دخلَ إلى حياتها شخصٌ غريب، يحملُ اسماً مألوفاً، ويحملُ ألغازاً لا تُعد. هل كانَ هذا الرجلُ قضاءً وقدر؟ أم أنهُ كانَ مجردَ عابرٍ في طريقها؟
كانت تعلمُ أنها ستُكرسُ وقتها للاهتمامِ بهِ، ومساعدتهِ على استعادةِ صحتهِ وذاكرته. ولكن، ما الذي سيحدثُ عندما يستعيدُ كلَ شيء؟ هل سيختفي من حياتها كما ظهرَ فجأة؟ أم أن هناكَ شيئاً أكبرَ من مجردِ مساعدةِ إنسانٍ غريق؟
فكرتْ في والدهِ، الشيخَ إبراهيم. لو علِمَ بما حدث، لكانَ قد قالَ لها: "البابُ مفتوحٌ للضيفِ، والقلبُ رحبٌ للمحتاج." كانت تعلمُ أن أباها سيُشجعها على فعلِ الخير، ولكنها كانت تشعرُ بأن هذا الرجلَ يحملُ معه شيئاً ثقيلاً، شيئاً قد يُغيرُ مسارَ حياتها، ومسارَ حياةِ عائلتها.
"أعتقدُ أنني سأذهبُ لأرى إن كانَ يحتاجُ شيئاً." قالت نورةُ، وهي تُنهي حديثها معَ والدتها.
"بالتأكيد يا ابنتي." أجابت أم إبراهيم، وهي تُراقبُ وجهَ ابنتها الذي كانَ يتأملُ في الظلام. "لا تبتعدي كثيراً."
عادتْ نورةُ إلى الخيمة، وسارتْ بخطواتٍ هادئة. كانت تنظرُ إلى مالكٍ وهوَ نائم، وتُفكرُ في الألغازِ التي تُحيطُ به. كانَ هناكَ شيءٌ في هدوئه، وفي ضعفه، يجذبها. كانَ هناكَ شيءٌ في عينيهِ، حينَ نظرَ إليها، جعلها تشعرُ بأنها يجبُ أن تفهمَ قصته.
هل كانَ هذا الرجلُ هوَ القدرُ الذي ينتظرها؟ هل كانت هذهِ الليلةَ بدايةً لحكايةِ حبٍ طاهر، أم أنها كانت مجردَ بدايةٍ لمشكلةٍ أكبر؟ كانت كلُ الأسئلةِ تدورُ في رأسها، لكنْ لم يكنْ لديها جوابٌ واحدٌ مؤكد.
نظرتْ مرةً أخرى إلى القمرِ الساطع، الذي كانَ يُلقي بضوئه على هذهِ الليلةِ الهادئة. شعرتْ بأنها تقفُ على حافةِ عالمٍ جديد، عالمٍ سيُعرفُ فيهِ قلبها معنى الأملِ، ومعنى الخوف، ومعنى حبٍ قد ينبثقُ من قلبِ الصحراءِ في ليلٍ قمري.