قلبي في يديك
خيوطُ الماضي المتشابكة
بقلم ليلى الأحمد
مرتْ أيامٌ وليالٍ، تحولتْ فيها الأيامُ الخمسةُ إلى أسبوعٍ كامل. استعادَ مالكٌ جزءاً من قوته، لكن ذاكرتهُ بقيتْ سحابةً رماديةً تُغطي معظمَ تفاصيلِ حياته. كانَ يتناولُ طعامهُ بتقدير، ويتحدثُ معَ نورةُ وأم إبراهيم بكلماتٍ قليلة، تحملُ عمقاً وصدقاً. كانَ أثرهُ قد بدأَ يتغلغلُ في هدوءِ حياةِ نورة، مُحدثاً فيها اضطراباً لطيفاً، كنسيمٍ عليلٍ يُحركُ أغصانَ النخل.
كانت نورةُ تُخصصُ جزءاً كبيراً من وقتها للاعتناءِ به، تُحضرُ لهُ الأعشابَ الطبيعية، وتُحدثهُ عن قصصِ الصحراءِ وأشعارِ العرب. كانت تشعرُ بأنها تكتشفُ جوانبَ جديدةً في شخصيتها، جوانبَ لم تكنْ تعرفُ بوجودها من قبل. كانت تُدركُ أن مساعدتها لمالكٍ لم تعدْ مجردَ واجبٍ إنساني، بل أصبحتْ شيئاً أعمق، شيئاً يمسُ شغافَ قلبها.
في أحدِ الأيام، بينما كانا يجلسانِ تحتَ ظلِ شجرةِ سدرٍ قريبةٍ من الخيمة، كانَ مالكُ يتأملُ في حباتِ الرملِ التي تتطايرُ معَ النسيم. بدا وكأن شيئاً ما قد استقرَ في ذهنه.
"نورة..." قالَ بصوتٍ هادئ، مُنقطِعاً صمتَ الظهيرة.
رفعتْ نورةُ رأسها إليهِ، ونظرتْ إليهِ بفضول. "نعم يا مالك؟"
"أتذكرُ... ضحكةَ طفلةٍ صغيرة." قالَ، وعيناهُ تحدقانِ في الأفق. "ضحكةٌ نقية، كصوتِ جرسٍ صغير."
شعرتْ نورةُ بقلبها يخفقُ بقوة. هل كانت هذهِ مجردَ رؤيا عابرة، أم أنها كانت بدايةً لاستعادةِ ذكرياتٍ حقيقية؟
"ضحكةُ طفلة؟" سألتْ بتشجيع. "هل تتذكرُ شكلها؟ أو اسمها؟"
هزَ مالكُ رأسهُ ببطء. "لا. ولكن، شعرتُ بفرحٍ غامرٍ حينَ سمعتها. كأنها... قطعةٌ من روحي."
كانت نورةُ تُراقبُ تعابيرَ وجهه، ورأتْ فيها صراعاً عميقاً بينَ محاولةِ التذكرِ والأسى على ما فُقد. كانت تتمنى لو تستطيعُ أن تُساعده أكثر، أن تُعيدَ إليهِ كلَ ما فقده.
"لا تحزن يا مالك." قالتْ، ومدتْ يدها لتُربتَ على ذراعهِ بلطف. "كلُ شيءٍ يعودُ معَ الوقت. وربما... تكونُ هذهِ الضحكةُ هيَ المفتاح."
عندما لمستْ يدهُ، شعرَ مالكُ بدفءٍ غريب. رفعَ بصرهُ إليها، ورأى في عينيها بريقاً منَ الحنانِ والدعم. لأولِ مرةٍ منذُ أن وُجدَ هنا، شعرَ بأنهُ ليسَ وحيداً حقاً.
"شكراً لكِ يا نورة." قالَ، وابتسامةٌ خافتةٌ ارتسمتْ على شفتيه.
في تلكَ الليلة، وبينما كانت نورةُ تُساعدُ والدتها في ترتيبِ أغراضِ الخيمة، انتبهتْ إلى قطعةِ قماشٍ قديمةٍ كانتْ معلقةً في زاويةٍ ما. كانت قطعةَ قماشٍ مزينةً بتطريزٍ دقيقٍ على شكلِ زهرةٍ لم ترها من قبل.
"ما هذهِ يا أمي؟" سألتْ، وأشارتْ إلى القطعةِ القماشية.
نظرتْ أم إبراهيم إلى المكانِ الذي أشارتْ إليهِ نورة، ثم قالتْ بحنين: "هذهِ... كانتْ منَ الأشياءِ القليلةِ التي وجدناها معَ الرجلِ الغريب."
اقتربتْ نورةُ وتفحصتْ القطعةَ القماشيةَ عن كثب. كانَ التطريزُ دقيقاً ومتقناً، ويحملُ ألواناً زاهيةً على الرغمِ منَ القدم. شعرتْ بأنها رأتها من قبل، ولكن أين؟
"هل أنتِ متأكدةٌ يا أمي؟" سألتْ، وقلبها ينبضُ بقلقٍ متزايد. "لمَ لم تُخبريني بهذا من قبل؟"
"لمَ لم تُخبريني؟" كررتْ أم إبراهيم، وهي تُفكر. "لقد كانتْ كلها في حالةٍ سيئة. وهذهِ القطعةُ... بالكادْ بقيتْ سليمة." ثم تنهدتْ وقالتْ: "يبدو أنني نسيتُ أمرها. لمَ أكنْ أعرفُ أنها تحملُ أهميةً خاصة."
أخذتْ نورةُ القطعةَ القماشيةَ بينَ يديها، وبدأتْ تُحركُ أصابعها عليها. كانت تشعرُ بأنها تقتربُ منَ الحقيقة، منَ الحقيقةِ التي ربما كانتْ مخفيةً في هذا التطريزِ البسيط.
"هذهِ الزهرة... أينَ رأيتها من قبل؟" قالتْ لنفسها بصوتٍ مسموع.
فجأةً، تذكرتْ. تذكرتْ قصةً قديمةً سمعتها من جدتها، قصةً عن زهرةٍ نادرةٍ تنمو في واحةٍ بعيدة، زهرةٍ يُقالُ إنها تحملُ معها بركةً وسعادة. كانت تلكَ الزهرةُ تُسمى "زهرةُ الأمل".
"زهرةُ الأمل!" صرختْ نورةُ، وارتسمتْ علاماتُ الدهشةِ على وجهها.
نظرتْ إليها أم إبراهيم بتعجب. "ما الأمرُ يا ابنتي؟"
"هذهِ الزهرة... هيَ زهرةُ الأمل!" قالتْ نورةُ، وهي تُمسكُ بالقطعةِ القماشيةِ بقوة. "تذكرتها الآن! جدتي كانتْ تُحدثني عنها!"
شعرتْ نورةُ بأنها تقفُ على عتبةِ بابٍ سري، بابٍ سيُفتحُ ليكشفَ عن ماضٍ غامضٍ ربما يُغيرُ كلَ شيء. بدأتْ تُفكرُ في احتمالاتٍ لا حصرَ لها. هل كانَ مالكُ قد جاءَ من تلكَ الواحةِ البعيدة؟ هل كانتْ هذهِ الزهرةُ رمزاً لشيءٍ عظيم؟
"هذا يعني..." قالتْ، وهي تُحاولُ ترتيبَ أفكارها. "ربما لا يكونُ اسمهُ مالك. ربما يكونُ اسمهُ مرتبطاً بهذهِ الزهرة."
"هذا ممكنٌ جداً يا ابنتي." قالتْ أم إبراهيم، وهي تُراقبُ وجهَ ابنتها المليءَ بالحماس. "الماضي غالباً ما يكونُ مُعقداً."
بدأتْ نورةُ تُفكرُ في كيفيةِ استجوابِ مالكٍ بطريقةٍ غيرِ مباشرة، دونَ أن تُثيرَ قلقهُ أو تُرهقه. أرادتْ أن تعرفَ المزيدَ عن خلفيته، وعن أهله، وعن أسبابِ فقدانهِ لذاكرته.
"يجبُ أن أسألهُ عن هذهِ الزهرة." قالتْ نورةُ بقرار. "ربما تكونُ هذهِ هيَ البدايةُ الحقيقيةُ لاستعادةِ ذكرياته."
ارتسمتْ على وجهِ أم إبراهيم علاماتُ القلقِ والفضول. كانت تعرفُ أن ابنتهُ قد انغمستْ في هذهِ القصةِ تماماً، وأنها لن تستسلمَ حتى تعرفَ الحقيقة.
"كوني حذرةً يا ابنتي." قالتْ أم إبراهيم. "الماضي يحملُ أحياناً أسراراً مؤلمة."
"أعلمُ يا أمي." قالتْ نورةُ، وهي تُمسكُ بقطعةِ القماشِ المزينةِ بزهرةِ الأمل. "ولكن، لا يمكنني التراجع. أشعرُ بأن هذهِ الزهرةَ هيَ مفتاحُ كلِ شيء."
نظرتْ إلى الخيمةِ التي كانَ مالكٌ يستريحُ فيها، وشعرتْ بأنها تقتربُ أكثرَ فأكثرَ منَ الكشفِ عنِ الحقيقة. كانت خيوطُ الماضي المتشابكةُ تُشكلُ شبكةً غامضة، وكانت نورةُ على وشكِ أن تُصبحَ جزءاً لا يتجزأ منها.