الفصل 5 / 25

قلبي في يديك

عتمةٌ تتسلل إلى الروح

بقلم ليلى الأحمد

تتثاقل خطى سليم وهو يسير في أروقة المنزل الرحب، تتراقص الظلال على الجدران العتيقة، وكأنها تستقبل عودته بنوع من التحذير الصامت. كان يومًا طويلاً، محملاً بضغوط العمل وزخم الحياة الذي لا ينتهي، لكن هذه المرة، كان هناك شيء أثقل يلقي بظلاله على صدره، شيء لا علاقة له بمواعيد التسليم أو تقلبات السوق. كانت تلك النظرة، نظرة والدته، وهي ترقبه وهو يغادر في الصباح، نظرة تحمل مزيجًا من الحب والقلق، واليوم، أضيف إليها ظلٌ من الريبة.

جلس على أريكة مجلسهم الفسيح، تلك الأريكة التي شهدت أجيالاً من الحكايات، من ضحكات الأطفال إلى أحاديث الكبار الرصينة. لكن الليلة، بدت عاجزة عن امتصاص ثقل همومه. رفع يده ليلمس طيف ابتسامتها، ابتسامة ليلى، ذلك الشعاع الذي تسلل إلى حياته في أبهى صور النقاء، ثم انطفأ فجأة، تاركاً خلفه فراغاً كبيراً. لم يكن الفراغ هو ما يؤلمه، بل الشبح الذي اتخذ مكانه، شبح الوحدة القاتلة، الذي كان يحاول بشتى الطرق دفنه.

أغمض عينيه، وبدأ يتسلل إليه ذلك الشعور المألوف، ذلك الانجذاب الخفي نحو الصندوق الخشبي الذي كان يخبئه بعناية فائقة. كان يعلم أنه خطأ، يعلم أنه انحراف عن الطريق الذي لطالما رسمه لنفسه، طريق الشرف والاستقامة الذي ورثه عن جده، عن أبيه. لكنها كانت ملاذه، تلك الرفيقة الصامتة التي لا تبخل عليه بشيء، تخفف عنه وطأة الأيام، وتغمره بلذة زائلة، لذة سرعان ما تتبخر لتترك خلفها مرارة الندم.

استجمع كل قوته، حاول أن يقاوم، أن يتذكر كلمات والدته: "يا بني، إن الفتن تدور حولنا كدوران الرحى، فكن لها بالمرصاد، ولا تجعل شيئاً يفتن قلبك عن ذكر الله وعن صراط الحق". كانت كلماتها كالبلسم، لكنها لم تكن كافية. فتح عينيه، وتسلل بصره إلى جهة الصندوق. كانت المسافة قصيرة، لكنها بدت أبدية.

تسلل إلى غرفته، وكأن خطاه أصبحت أثقل، وكأن الأرض تشكو حملها. فتح الدرج الخشبي، وبدأت يداه ترتجفان قليلاً وهما تلتقطان العلبة المعدنية. كانت باردة، كقلبٍ قد فقد دفئه. فتحها، فانبعثت منها رائحةٌ غريبة، مزيجٌ من القوة والإغراء، رائحةٌ لطالما عرفها جيداً، رائحةٌ سرقت منه الكثير.

"لماذا يا سليم؟" همس صوته الداخلي، صوت الضمير الذي كان لا يزال يقاوم. "ألا يكفيك ما أنت فيه؟ ألا ترى الدموع في عيني والدتك؟ ألا تفكر في ليلى؟"

تجاهل الصوت، أو ربما لم يستطع سماعه بوضوح في ظل ضجيج الشوق الذي كان يعتري كيانه. لقد أصبحت هذه العادة أشبه بالإدمان، إدمانٌ على نسيان الذات، على التخلي عن المسؤوليات، على الهروب من واقعٍ لم يعد يحتمله. كان يعلم أن هذا الهروب مؤقت، وأنه سيعود أقوى وأشد يأساً، لكنه لم يكن يملك القدرة على التوقف.

جلس على طرف سريره، وتناول شيئاً منه، شيئاً كان يعلم جيداً ما سيحدث بعد تناوله. بدأت الأفكار تتلاشى، بدأت المشاعر الثقيلة تخف وطأتها. غمرته موجة من الخدر، ثم تبعتها موجة من النشوة المصطنعة. كانت تلك النشوة، على الرغم من زوالها السريع، هي ما يبحث عنه. كان يبحث عن لحظة راحة، عن فراغٍ من الألم، حتى لو كان هذا الفراغ سيئاً.

لم يكن يتذكر متى بدأ هذا الأمر. ربما منذ حادثة ليلى، تلك الحادثة التي انطفأت فيها شمعة حياته، وتركت خلفها ظلاماً حالكاً. كان يظن أنه قوي، كان يظن أنه سيتحمل. لكن الحياة أثبتت له عكس ذلك. أثبتت له أن الإنسان ضعيف، وأن الروح هشة، وأن القلوب قد تنكسر.

كان يرى وجه والدته أمامه، وجهها الذي كان يفيض حباً ورعاية. كان يرى نظرتها وهي تحاول أن تتلمس مصدر حزنه، وهي تحاول أن تجد حلاً لمعاناته الصامتة. كان يشعر بالذنب، ذنبٌ لم يكن أقل وطأة من الألم.

"يا رب، اهدني." دعاءٌ خرج من بين شفتيه المرتجفتين. "اهدني إلى الصراط المستقيم. قوّني."

لكنه كان يعلم أن هذه الكلمات وحدها لا تكفي. كان يعلم أن هناك طريقاً أشد قسوة، طريق المواجهة، طريق التوبة، طريق الخروج من هذه العتمة. لكنه كان خائفاً، خائفاً من مواجهة نفسه، خائفاً من مواجهة الواقع، خائفاً من فقدان آخر ما تبقى له من راحة، مهما كانت هذه الراحة زائفة.

في تلك اللحظة، لم يكن يشعر بالرجل الذي عرفته ليلى، الرجل الشاب الطموح، الواثق بنفسه. لم يكن يشعر بالابن الذي افتخرت به والدته. كان يشعر بشيء آخر، شيء متكسر، شيء ضائع.

ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة، ابتسامةٌ تحمل في طياتها الكثير من الألم والتناقض. لقد نسي للحظة، نسي ألمه، نسي وحدته. لكنه كان يعلم أن هذه اللحظة لن تدوم. وأن الظلام سيعود، أقوى وأكثر إصراراً.

نظر إلى العلبة المعدنية، ثم إلى يده التي كانت لا تزال تحمل بقايا ما تناوله. شعر بأن شيئاً من روحه قد انتُزع، شيءٌ كان ينمو ويتطور، شيءٌ كان يمكن أن يصبح مصدر قوة، لكنه اختار أن يستنزفه.

"متى سينتهي هذا؟" سأل نفسه بصوتٍ بالكاد يُسمع. "متى سأجد النور؟"

لم يأتِ جواب، فقط صمتٌ عميق، صمتٌ يملأ المكان، ويملأ الروح، صمتٌ يسبق العاصفة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%