قلبي في يديك
حبلٌ مشدودٌ فوق هوة
بقلم ليلى الأحمد
تستيقظ فاطمة الزهراء مع أول خيوط الفجر، تملأ أذنيها أصوات العصافير التي تبدأ بترديد ألحانها الصباحية، تلك الألحان التي طالما استمدت منها الطمأنينة. لكن اليوم، كان صوت العصافير أضعف من ضجيج القلق الذي يعلو في صدرها. منذ يوم أمس، وهي تشعر بثقلٍ غريب، بثقلٍ لا تستطيع تفسيره. كانت تراقب سليم، ابنها الوحيد، بعين الأم التي تعرف أدق تفاصيل ابنها، بعينٍ لا تخطئ، بعينٍ استشعرت منذ فترة تغيراً خفياً، تغيراً لم تستطع أن تحدد مصدره.
كانت تعرف أن سليم رجلٌ قوي، وأن لديه من المسؤولية ما يكفي ليجعله قادراً على تحمل أعباء الحياة. لكنها كانت ترى في عينيه لمعاناً غريباً، لم يكن لمعان القوة، بل لمعانٌ أشبه بالهزيمة المبطنة، هزيمةٌ يتخفى ورائها. كانت قد حاولت مراراً أن تتحدث إليه، أن تستكشف ما يعتريه، لكنه كان ينسحب دائماً، يتذرع بضغوط العمل، بمتطلبات الحياة.
تذكرت آخر لقاء لها مع ليلى، قبل أن ترحل. كانت ليلى تبدو شاحبة، وعيناها مليئتان بالدموع. قالت لها حينها: "يا خالة، سليم يبدو مختلفاً. لا أعرف ما به، لكنني أشعر أنه يخفي شيئاً." لم تفهم فاطمة الزهراء حينها عمق كلمات ليلى، كانت تظن أن الأمر مجرد اضطراب عاطفي طبيعي بسبب طبيعة العلاقة بينهما. لكن اليوم، تضاعف قلقها.
بعد أن أدت صلاة الفجر، وبدأت تحضّر فطور أبنائها، لم تجد سليم في غرفته. كان ذلك غريباً، فابنها نادراً ما يتأخر عن وجبة الفطور. بحثت عنه في أرجاء المنزل، وعندما لم تجده، تسللت إليها فكرةٌ مخيفة. هل يمكن أن يكون قد خرج في وقت مبكر جداً؟
طرقت باب غرفته، فاستقبلها صمتٌ مطبق. قررت أن تدخل. كان ضوء الصباح الخافت يتسلل من النافذة، يلقي بظلاله على الغرفة المرتبة. لم يكن هناك شيءٌ يوحي بوجود سليم. لكنها لاحظت شيئاً غريباً. كان هناك شيءٌ مفقود من على رف الكتب، شيءٌ كانت تعرف أنه ثمين بالنسبة لسليم. لم تتذكر بالضبط ما هو، لكنها شعرت أن هناك فراغاً.
وبينما كانت تتفحص الغرفة بعينيها، وقع بصرها على درجٍ صغيرٍ مفتوحٍ قليلاً. اقتربت منه، وبدافعٍ من الفضول، فتحته بالكامل. كانت المفاجأة أكبر من أن تحتمل. وجدت أمامه عُلبةً معدنيةً صغيرة، وقد بدت فارغة. لم تكن تعرف ما بداخلها، لكنها شعرت بأنها ليست من الأشياء التي يحب ابنها أن يراها الآخرون.
تغلبت عليها رجفةٌ خفيفة. هل يمكن أن يكون سليم قد وقع في شيءٍ سيء؟ هل يمكن أن يكون يتعاطى شيئاً؟ هذا التساؤل كان بمثابة صاعقةٍ نزلت عليها. هي التي ربت سليم على القيم والأخلاق، هي التي علّمته أن يخشى الله، كيف يمكن أن يصل إلى هذا الحال؟
تساقطت الدموع من عينيها بصمت. كانت تعلم أن ليلى كانت آخر من رأى سليم قبل ذهابه إلى الخارج في الأيام الأخيرة، قبل أن يتغير بشكلٍ ملحوظ. تذكرت كلماتها: "لا أعرف ما به، لكنني أشعر أنه يخفي شيئاً." كانت ليلى على حق.
حاولت أن تجمع شتات نفسها. لا يجب أن تستسلم لليأس. يجب أن تجد طريقة لمساعدة ابنها. تذكرت كيف كانت جدة سليم، أمها، قويةً وصلبةً في مواجهة المحن. كانت تقول دائماً: "الأم هي السند، هي الدعم، هي المنارة التي ترشد أبناءها في ظلام الحياة."
خرجت من الغرفة، وهي تحمل تلك العلبة المعدنية. شعرت بثقلها، ليس فقط بثقلها المادي، بل بثقل المسؤولية التي أصبحت تقع على عاتقها. أغلقت الباب بهدوء، وكأنها تخشى أن تزعج روح ابنها.
جلست في مجلسها، وفكرةٌ واحدة تدور في رأسها: كيف ستواجه سليم؟ كيف ستصل إليه؟ هي تعلم أن المواجهة المباشرة قد تدفعه للابتعاد أكثر. يجب أن تكون حذرة، يجب أن تكون ذكية.
تذكرت قصةً قرأتها عن أثر الدعاء المستجاب، وعن قوة الصبر. كانت تعلم أن الطريق سيكون طويلاً وشاقاً، لكنها كانت على استعدادٍ لمواجهة كل شيء من أجل ابنها.
اتصلت ببعض النساء الصالحات من جيرانها، نساءٌ يعرفن بحكمتهن وصلاحهن. شرحت لهن الوضع بإيجاز، وطلبت منهن الدعاء. شعرت بأن دعواتهن الصادقة تخفف من وطأة الهم الذي يعتري قلبها.
وبينما هي جالكة، سمعت صوت المفتاح في الباب. عرفت أنه سليم. تغلبت عليها رجفةٌ أخرى، رجفةٌ مختلطة بالأمل والخوف.
دفع سليم الباب ودخل، كان يبدو منهكاً، وكأنه لم يذق طعم النوم. تبادل النظرات مع والدته. لم تكن نظرة سليم تحمل أي شيء واضح، كانت نظرةٌ غامضة، كأنما يحاول أن يقيم حاجزاً بينه وبين العالم.
"صباح الخير يا أمي." قال صوته، كان خالياً من أي تعبير.
"صباح النور يا بني." ردت فاطمة الزهراء، حاولت أن تبدو طبيعية، أن تخفي قلقها. "هل نمت جيداً؟"
"نعم، الحمد لله." أجاب سليم، واتجه نحو المطبخ.
لم تستطع فاطمة الزهراء أن تسمح لهذه الفرصة بالضياع. "سليم، هل يمكن أن نتحدث قليلاً بعد الفطور؟ لدي أمرٌ مهم أريد أن أتحدث فيه معك."
نظر إليها سليم، وارتسم على وجهه ظلٌ خفي من الانزعاج. "ليس لدي وقت اليوم يا أمي. لدي اجتماعٌ مهم في العمل."
شعر قلب فاطمة الزهراء بالانقباض. كان هذا أسلوبه المعتاد للتهرب. "إنها مسألةٌ تخصنا نحن، تخص حياتنا."
تردد سليم قليلاً، ثم قال: "حسناً، بعد الفطور. لكن لوقتٍ قصير."
جلست فاطمة الزهراء، وقلبها يخفق بسرعة. كان هذا هو التحدي الأول. كيف ستواجه ابنها؟ كيف ستنتزع منه الحقيقة؟ لقد أصبح سليم في دوامة، وفي يدها وحدها تكمن القدرة على إنقاذه، ولكن فقط إذا استطاعت أن تمسك به قبل أن يغرق تماماً.