الفصل 7 / 25

قلبي في يديك

كسرٌ في المرايا

بقلم ليلى الأحمد

كانت رائحة القهوة العربية تفوح في أرجاء المجلس، تتنافس مع عبق بخور العود الذي اعتادت فاطمة الزهراء أن تبخره في الصباح، علّها تجلب معها بعض البهجة والسكينة. لكن اليوم، لم تفلح الروائح في إزالة الغيمة الداكنة التي استقرت في نفس الأم. سليم جالسٌ قبالتها، يحتسي قهوته ببطء، وصمتٌ ثقيلٌ يلفهما، صمتٌ يحمل في طياته آلاف الكلمات التي لم تُقال.

"كيف كان اجتماعك؟" سألت فاطمة الزهراء، محاولةً أن تكسر هذا الجليد.

"كان جيداً، الحمد لله." أجاب سليم، وعيناه مثبتتان على فنجانه. لم يرفع بصره، وكأنما خشيةً من أن يرى في عينيها ما يربكه.

"هل كل شيء على ما يرام في العمل؟" تابعت الأم، وهي تلاحظ ارتجافةً خفيفة في يد ابنها وهو يمسك الفنجان.

"نعم، كل شيء على ما يرام." قال سليم، وارتفع صوته قليلاً، وكأنه يحاول أن يقنع نفسه أكثر مما يقنعها.

شعرت فاطمة الزهراء ببعض اليأس. كانت تعلم أن ابنها يخبئ شيئاً، وربما كان يخفي شيئاً كبيراً. تذكرت العلبة المعدنية التي وجدتها في غرفته. استجمعت شجاعتها، وقررت أن تواجهه.

"سليم،" بدأت بصوتٍ هادئ، لكنه يحمل نبرةً من العزم، "هل يمكن أن أتحدث معك بصراحة؟"

رفع سليم بصره أخيراً، وبدا في عينيه مزيجٌ من الاستغراب والقلق. "تفضلي يا أمي."

"أنا قلقةٌ عليك يا بني." قالت فاطمة الزهراء، واقتربت منها الدموع. "أشعر أن هناك شيئاً يثقل صدرك، أشعر أنك لست على طبيعتك. منذ فترةٍ وأنت تتغير، وتبتعد. بالأمس، وجدت في غرفتك هذه."

مدت يدها، وأخرجت من جيب ثوبها العلبة المعدنية. وضعتها على الطاولة بينهما. ارتسم على وجه سليم ظلٌ من الذهول، ثم غضبٌ مكبوت.

"من أين لكِ هذه؟" سأل بصوتٍ خشن، وكأنه قد تعرض لهجوم.

"وجدتها في درج غرفتك، يا بني." أجابت الأم، ولم ترفع صوتها، بل استمرت في مخاطبته بهدوء. "أنا لا أعرف ما بداخلها، ولا أريد أن أعرف. لكنني أعرف أنك تخفي أمراً ما، وأن هذا الأمر يؤذيك. أنا أمك، وسأظل أمك. أريد أن أساعدك."

نظر سليم إلى العلبة، ثم إلى أمه. بدا وكأنه في صراعٍ داخلي. أفكاره تتطاير، مشاعره تتضارب.

"لا يوجد شيء يا أمي." قال أخيراً، لكن صوته بدا ضعيفاً.

"هذا غير صحيح يا سليم." ردت فاطمة الزهراء بحزم. "أنا لست غبية. رأيت التعب في عينيك، ورأيت الشرود في تفكيرك. رأيت كيف تتجنب الناس، كيف تتجنبني. هل تعتقد أن هذا سيسعد ليلى لو كانت موجودة؟"

عندما ذكر اسم ليلى، تشنج جسد سليم. لم يكن يتوقع هذه الضربة. لقد كان يتجنب ذكرها، يتجنب التفكير فيها.

"لا تتحدثي عنها." قال بصوتٍ يكاد يكون مسموعاً، وارتسم على وجهه ظلٌ من الألم العميق.

"لماذا يا بني؟ هل لأنها تذكرك بما أنت عليه الآن؟ هل لأنها تذكرك بما كنت عليه؟" تابعت الأم، ولاحظت بأن سليم بدأ يتعرق. "أنا أعلم أنك مرت بأيامٍ صعبة بعد رحيلها. أعلم أنك شعرت بالوحدة. لكن هذا ليس حلاً يا سليم."

"ما هو الحل إذاً؟" سأل سليم بسخرية، وقد بدت السخرية واضحة في نبرة صوته. "هل تريدين مني أن أتحول إلى رجلٍ آخر؟ هل تريدين مني أن أنسى؟"

"لا، يا بني. لا أريد منك أن تنسى. أريد منك أن تتذكر. أن تتذكر من أنت. أن تتذكر قيمك. أن تتذكر دينك. أن تتذكر أن الله معك، وأنني معك."

"الكلام سهل يا أمي." قال سليم، وقد علت وجهه مسحةٌ من الضعف. "الواقع أصعب. أنتِ لا تفهمين."

"ربما لا أفهم كل شيء، يا بني. لكنني أفهم أن الإنسان قد يخطئ، وقد يضعف. لكن الأهم هو أن يعرف بخطئه، وأن يسعى للإصلاح. سليم، هل أنت تتعاطى شيئاً؟"

توقف سليم عن التنفس للحظة. نظر إلى والدته، ثم إلى العلبة. بدا وكأن المرايا حوله قد تحطمت، وكشفت عن حقيقته القاسية.

"لا." أجاب سليم، لكن الإجابة لم تكن مقنعة.

"سليم، أرجوك." توسلت الأم، وارتفعت نبرة صوتها قليلاً. "قولي لي الحقيقة. لن أخاف منك. سأساعدك. سنواجه هذا معاً."

نزلت دمعةٌ حارة من عين سليم، تلتها أخرى. وبدأ جسده يرتجف. لم يعد قادراً على المقاومة. لقد انهار الحاجز الذي بناه حول نفسه.

"نعم يا أمي." اعترف بصوتٍ مكسور. "نعم... لقد... لقد أدمنت."

كانت الكلمة كالصاعقة. "إدمان؟" تكررت الكلمة على لسان فاطمة الزهراء، وكأنها لم تستوعبها.

"نعم." قال سليم، وانهارت قواه. "لقد بدأت بعد رحيل ليلى. كنت أريد أن أنسى. أن أشعر بشيءٍ آخر. وأصبحت... أصبحت أعتمد عليه."

شعرت فاطمة الزهراء بقلبها ينقبض. لقد انحرف ابنها عن الطريق. لقد وقع في فخٍ كبير. لكن في وسط كل هذا الألم، كان هناك بصيصٌ من الأمل. لقد اعترف. لقد كسر حاجز الصمت.

"لا بأس يا بني." قالت الأم، ومدت يدها لتمسح دموعه. "هذه بداية الطريق. سنخرج من هذا. سنخرج منه معاً."

نظر سليم إلى والدته، ورأى في عينيها حباً لا متناهياً، رأى فيها قوةً لم يرها في نفسه. لقد كانت تلك المواجهة مؤلمة، مؤلمةً جداً. لكنها كانت ضرورية. لقد كسر ذلك حاجزاً، وشقّ طريقاً نحو الشفاء. ولكن الثمن كان غالياً، وظل السؤال يراوده: هل سيتمكن من الخروج من هذه العتمة؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%