قلبي في يديك
خيوطٌ متشابكة
بقلم ليلى الأحمد
في صباح اليوم التالي، وبعد المواجهة العاصفة بين سليم ووالدته، كان الجو في المنزل مختلفاً. لم تعد هناك تلك الابتسامات المصطنعة، ولا تلك النظرات المتهربة. كان هناك حزنٌ عميق، لكنه حزنٌ يحمل في طياته بدايةً جديدة. جلست فاطمة الزهراء مع سليم لوقتٍ طويل، تتحدثان بصراحةٍ مؤلمة، تتشاركان تفاصيل رحلته نحو الإدمان، وتستكشفان جذوره. كانت الأم، بقلبها الكبير وصبرها الذي لا ينضب، تحاول أن تشعل في ابنها شعلة الأمل، وأن ترسخ فيه رغبة التغيير.
"يا بني،" قالت فاطمة الزهراء، وهي تمسك بيد سليم، "إن ما حدث ليس نهاية المطاف. بل هو بدايةٌ للتوبة، بدايةٌ للعودة إلى الله. إن الله غفورٌ رحيم، ويحب عباده إذا رجعوا إليه."
"لكن كيف يا أمي؟" سأل سليم، وصوته لا يزال يحمل آثار الألم. "أشعر بأنني فقدت كل شيء. فقدت نفسي، وفقدت احترامي. كيف سأستطيع أن أعيش؟"
"بالإيمان، يا بني. بالدعاء. بالصبر. وسنبحث عن المساعدة. هناك أناسٌ متخصصون يمكنهم أن يساعدوك في التغلب على هذا. المهم هو أنك قررت، وأنني سأكون معك خطوة بخطوة."
كانت كلماتها كبلسمٍ لروحه المتعبة. شعر بأن هناك من يؤمن به، من يثق به، حتى وهو في هذه الحالة.
بينما كان سليم وفاطمة الزهراء في بداية رحلة الشفاء، كانت هناك خطوطٌ أخرى تتشابك في قصة حياتهما. فقد وصل خبرٌ إلى فاطمة الزهراء من أحد أقاربها البعيدين بأن هناك شاباً يرغب في التقدم لخطبتها. كان هذا الشاب، يدعى خالد، يعمل في مجال الهندسة، ويعيش في مدينةٍ أخرى، وكان قد سمع عن عائلة سليم وعن سيرة فاطمة الزهراء الطيبة.
شعرت فاطمة الزهراء ببعض الارتباك. هي لم تفكر في الزواج منذ وفاة زوجها. كانت حياتها كلها مكرسة لتربية سليم. لكنها تعلم أن الزواج رزق، وأن الإسلام يشجع عليه. ولكن كيف ستشرح لسليم هذا الأمر في ظل ما يمر به؟
قررت أن تتحدث مع خالته، السيدة زينب، وهي سيدةٌ حكيمةٌ ورزينة، لطالما كانت ملاذها في أوقات الشدة.
"يا زينب،" قالت فاطمة الزهراء عبر الهاتف، "أنا في حيرةٍ من أمري. وصلني خبرٌ عن شابٍ يريد التقدم لي. أنا لا أعرف ماذا أفعل."
"وما الذي يجعلك في حيرة يا فاطمة؟" سألت زينب بصوتها الهادئ. "إذا كان الشاب مناسباً، فالدين يدعونا إلى إعمار البيوت."
"لكن سليم... هو في وضعٍ صعب الآن. أخبرته بالحقيقة، وهو يحاول أن يتعافى. لا أعرف كيف سيتقبل هذا."
"يا عزيزتي، كل ابنٍ يفرح لرؤية أمه سعيدة. وإذا كان هذا الشاب صالحاً، فسيضيف إلى حياتكما استقراراً وسعادة. لا تدعي حزن الماضي يعيق مستقبلكم."
أعطتها نصائحها، وبدأت فاطمة الزهراء تشعر ببعض الارتياح. قررت أن تطلب من ذلك الشاب، خالد، أن يزورهم، ليتحدثا بشكلٍ مباشر.
من ناحية أخرى، كان سليم، في ظل محاولاته للتغلب على إدمانه، بدأ يستعيد بعضاً من توازنه. كان يمارس الرياضة، يقرأ القرآن، ويجلس في المسجد. بدأ يشعر بقوةٍ داخليةٍ تتنامى فيه، قوةٌ كانت مستترةً من قبل.
وذات يوم، وبينما كان في المسجد، رأى وجهاً مألوفاً. كان حسن، صديق طفولته، الذي كان قد فقد الاتصال به منذ فترة. لقد نما حسن، وأصبح رجلاً صالحاً، يدعو إلى الخير، ويشارك في الأعمال التطوعية.
"سليم؟ هل هذا أنت؟" سأل حسن بدهشة، وهو يقترب منه.
"حسن! سبحان الله! كيف حالك؟" أجاب سليم، وقد غمرته سعادةٌ غريبة.
جلس الصديقان يتحدثان، وبدأ سليم يروي لحسن ما مر به. تفاجأ حسن، لكنه لم يحكم على سليم. بل استمع إليه بكل اهتمام، ثم قال: "يا سليم، إن الله يحب التوابين. وأنا معك. يمكننا أن نفعل الكثير معاً."
اقترح حسن على سليم أن ينضم إلى مجموعة دعمٍ للمتعافين، مجموعةٍ ينظمها المسجد. شعر سليم ببعض التردد، لكنه تذكر وعده لوالدته، وتذكر الأمل الذي بدأ يتسلل إلى قلبه.
"حسناً،" قال سليم، "سأفكر في الأمر."
في تلك الأثناء، كان خالد، الشاب الذي تقدم لخطبة فاطمة الزهراء، قد وصل إلى المدينة. طلب أن يلتقي بسليم أولاً، قبل أن يلتقي بفاطمة الزهراء. أراد أن يعرف المزيد عن وضعه، وأن يتأكد من أنه مستعدٌ لتقبل وجوده في حياتهم.
التقى خالد وسليم في مقهى هادئ. تحدثا بصراحة. شرح خالد لسليم أنه يفهم تماماً الوضع، وأنه يريد أن يكون سنداً لهما.
"يا سليم،" قال خالد، "أنا لا أريد أن أحل محل والدتك، ولا أريد أن أكون بديلاً عن والدك. أريد فقط أن أكون جزءاً من هذه العائلة، وأن أساهم في سعادتها. وأنا على أتم الاستعداد لمساعدتك في رحلة شفائك."
شعر سليم بالارتياح. لقد رأى في عين خالد صدقاً ونقاءً. شعر بأن هذا الرجل قد يكون بالفعل إضافةً جيدة لحياتهم.
وبينما كانت الأمور تبدو وكأنها تتجه نحو التحسن، كانت هناك مفاجأةٌ تنتظر الجميع. فقد تلقت فاطمة الزهراء اتصالاً من أحد أصدقاء والدها القدامى، يبلغها بأن هناك مستنداتٍ قديمة تتعلق بتركة والدها قد ظهرت، وأنها تحتاج إلى العودة إلى منزل العائلة القديم لفرزها. كان هذا المنزل، الذي ورثته عن والدها، يقع في قريةٍ نائية، وقد تركته منذ سنواتٍ طويلة.
شعر سليم ببعض القلق. هل سيكون هذا السفر مفيداً لهم؟ أم أنه قد يعيد إليه بعض الذكريات المؤلمة؟ لكن والدته بدت متحمسةً للفكرة. كانت ترى في هذه الرحلة فرصةً لتغيير الجو، وللبدء من جديد.
لقد بدأت خيوط القصة تتشابك، بعضها يحمل الأمل، وبعضها يحمل التحدي. رحلة سليم نحو التعافي، علاقة فاطمة الزهراء بخالد، ومستندات التركة الغامضة، كلها عناصر بدأت تتضافر لتشكل مستقبلاً لا يمكن التنبؤ به.