قصة حب
على أعتاب فجر جديد
بقلم مريم الحسن
كانت الشمس ترسل خيوطها الأولى، ذهبية اللون، لتشق عباب الظلام المتبقي من الليل. استيقظت "ليلى" على هذا المنظر المهيب، لا بفعل منبهٍ صوتيٍّ، بل بنبضٍ داخليٍّ اعتاد أن يسبق ضوء النهار. لم يكن هذا السباق مع الشمس مجرد عادةٍ يومية، بل كان هروباً. هروباً من صمتٍ يئنُّ تحت وطأة الذكريات، ومن جدرانٍ أصبحت أكثر اتساعاً وبرودةً مع رحيل من ملأها بالأمس.
نهضت من فراشها، وارتدت ثوبَ نومٍ حريريٍّ بلون السماء الصافية، ومرَّت أصابعها المرتعشة على الوسادة الفارغة بجانبها. تنهدت، تنهيدةٌ طويلةٌ حملت معها بقايا حلمٍ جميل، سرعان ما تبددت أمام واقعٍ لا تزال تتأقلم معه. نزلت الدرج بخطواتٍ وئيدة، وكل درجةٍ كانت تذكرها بخطواتٍ أخرى، لم تكن وحدها.
في المطبخ، أضاءت مصباحاً خافتاً، وزينت الأرضية الرخامية بظلالٍ رمادية. بدأت بإعداد قهوتها الصباحية، ذات الرائحة النفاذة التي كانت تعيد إليها بعضاً من حيويتها. كانت تعشق هذا الهدوء الذي يسبق صخب الحياة، هذا الوقت الذي تتكلم فيه الأفكار بحريةٍ وتتسابق فيه المشاعر.
"تذكري يا ليلى، أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها." تمتمت بها لنفسها، كأنها تلقي تعويذةً على روحها المتعبة. كانت الكلمات قوية، صادقة، لكن تطبيقها كان الأصعب. كيف تتسع روحٌ شعرت بأنها انكمشت على نفسها، كيف تتسع لملء فراغٍ كان يوماً ممتلئاً بالحياة، بالحب، بالأمان؟
رفعت وجهها لتنظر من النافذة. رأى بستاناً واسعاً، تزينت أزهاره بندى الصباح. كانت الشجرة الوحيدة في وسط البستان، شجرة التين العتيقة، تقف شامخةً، كأنها شاهدةٌ على كل ما مرّ. كانت تلك الشجرة جزءاً من حديقةٍ نسجت ذكرياتها مع "أحمد"، زوجها الراحل. كل غصنٍ، كل ورقة، كان يحمل بصمته، همساته، ضحكاته.
"لقد تركتني وحدي لأواجه كل هذا؟" سألت الشجرة بصوتٍ مبحوح، وهي تشعر بدموعٍ تتجمع في عينيها. لم تجب الشجرة، بل ظلّت واقفةً، صامتةً، كأنها تقول: "نحن هنا، لم نرحل."
كانت هذه الصباحات الباكرة هي متنفسها الوحيد. كانت تمنحها القوة لمواجهة ما سيأتي. كانت تستجمع شتات نفسها، وتبني درعاً واقياً من الهشاشة. كان عليها أن تكون قوية، لأجل نفسها، ولأجل مستقبلٍ ينتظرها، مستقبلٌ لم تعد ترسمه بوجوده، بل برغم غيابه.
بعد أن شربت قهوتها، اتجهت إلى غرفة المكتبة. كانت تلك الغرفة ملاذها الثاني. جدرانها المكسوة بالكتب العتيقة، وأريكتها الجلدية المريحة، ورائحة الورق القديم، كلها كانت تبعث فيها شعوراً بالألفة والسكينة. كانت تمضي ساعاتٍ طويلةً هنا، تقرأ، تفكر، تكتب. كانت الكتابة سلاحها، ووسيلتها للتعبير عما يعجز لسانها عن قوله.
فتحت دفتراً قديماً، كانت قد بدأته قبل سنوات، لكنها لم تكمله. كانت مدوناتها الشخصية، خططها، أحلامها، وحتى آلامها. وضعت القلم على الصفحة الأولى، لكنها ترددت. ماذا تكتب الآن؟ أي كلمةٍ تستطيع أن تلخص رحلةً بدأت بنبضٍ متسارعٍ نحو الحياة، وانتهت بقلبٍ يتألم بصمت؟
"لقد كان يوماً مشمساً، مثل اليوم." بدأت تكتب، بخطٍ جميلٍ ومنمق، لكنه كان يتخلله بعض الاهتزاز. "كنتِ في حديقتنا، تحت شجرة التين، تقرأين كتاباً. ضحكتُ لكِ، وقلتِ لي: 'أحمد، هذا الكتاب مدهش، يجعلني أشعر وكأنني أعيش بين صفحاته.' ابتسمتُ لكِ، وقلتُ: 'وأنتِ يا حبيبتي، تجعلين حياتي كلها كتاباً مدهشاً.' أخذتِ يدي، ووضعنا أصابعنا على قلب الشجرة، كأننا نقسم لها بأن حبنا سيبقى خالداً."
توقفت عن الكتابة، وأغمضت عينيها. كانت ترى المشهد بوضوح، كأنه حدث بالأمس. كانت تتذكر دفء يده، ونظرة عينيه التي كانت تضيء عالمها. شعرت بضيقٍ في صدرها، ورغبةٍ عارمةٍ في البكاء، لكنها كتمتها.
"لكن الحياة، يا أحمد، لا ترحم. تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن." واصلت الكتابة، وعادت لتصف حلمها الذي لم يتحقق بعد. كانت تخطط لمشروعٍ جديد، مشروعٍ يعيد إليها إحساسها بالهدف، مشروعٌ يبتعد بها عن دائرة الأحزان. كانت تفكر في إنشاء دارٍ للأيتام، مكانٍ يحتضن الأرواح الصغيرة التي فقدت أحباءها، مكانٍ يشعرهم بأنهم ليسوا وحدهم.
"أعلم أن هذا المشروع سيكلفني الكثير، مادياً ومعنوياً. لكني سأفعله، لأجلك، ولأجل كل روحٍ تحتاج إلى يدٍ حانية. سأجعله مكاناً يملؤه الحب، الإيمان، والأمل. سأجعله بدايةً جديدة، ليس لي فقط، بل لهم أيضاً."
كانت كلماتها تتدفق كالسيل، تعبر عن شغفٍ كبير، وعن تصميمٍ لا يتزعزع. شعرت بأنها تتنفس بعمقٍ أكبر، وأن ثقلاً قد زال عن كاهلها. لم يكن هذا مجرد حلم، بل كان وعداً. وعدٌ قطعته على نفسها، ووعدٌ ستسعى جاهدةً لتحقيقه.
عندما رفعت رأسها، لاحظت أن الشمس قد ارتفعت، وأن أشعتها الذهبية قد اخترقت نوافذ المكتبة، لتنير الغرفة بنورٍ دافئ. شعرت بشيءٍ من الطمأنينة، بشيءٍ من الرجاء. ربما لم يكن الأمر مستحيلاً. ربما تستطيع أن تبدأ من جديد، أن تبني شيئاً جميلاً من رماد الماضي.
نظرت إلى صورةٍ لأحمد، كانت موضوعةً على المكتب. كانت ابتسامته المعهودة تزين وجهه. "سنفعلها يا أحمد، سنبني هذا المكان. وستكون روحك حاضرةً في كل زاويةٍ منه."
أغلقت الدفتر، ووضعت القلم جانباً. شعرت بقوةٍ لم تكن تتوقعها. كانت مستعدةً لمواجهة اليوم، بكل تحدياته. لم تعد تخاف من الفراغ، بل أصبحت ترى فيه مساحةً للإبداع، مساحةً لبناء ما هو أجمل.
استقامت ووقفت أمام النافذة مرةً أخرى. كانت الشمس الآن تملأ السماء، والطيور تغرد في البستان. شعرت بأنها جزءٌ من هذا الكون الواسع، جزءٌ من دورة الحياة التي لا تتوقف.
"حان الوقت لأبدأ." قالت لنفسها، بابتسامةٍ خفيفةٍ ارتسمت على شفتيها. كان هذا هو فجرها الجديد، فجرٌ لم يكن ليأتي إلا بعد ليلٍ طويل.