قصة حب
اعترافات متتالية وصدمة مدوية
بقلم مريم الحسن
ارتسم على وجه أم خالد علامات الألم والتعب. جلست أمام ابنها، وحولها صمت ثقيل، لم يقطعه سوى صوت الساعة العتيقة في ركن الغرفة. كانت ليلى تجلس بجوار خالد، تمسك بيده، تشعر بنبضاته المتسارعة، وبثقل الكلمات التي ستخرج. "يا خالد،" بدأت أم خالد، وصوتها يرتجف قليلًا. "الأمر الذي سأخبرك به… سيكون صعبًا جدًا. وأنا لم أخفِ عنك شيئًا عن قصد، بل كنت أحاول حمايتك." "أعلم يا أمّي." قال خالد بهدوء، لكن عينيه كانتا تحملان تصميمًا لا يلين. "ولكنني الآن بحاجة إلى معرفة الحقيقة كاملة." "والدك… لم يكن مجرد رجل أعمال ناجح." بدأت أم خالد، وهي تنظر إلى صورة زوجها المعلقة على الحائط. "كان يحمل عبئًا كبيرًا. كان لديه ديون، ديون تفوق قدرته على السداد. ولم تكن هذه الديون مجرد ديون تجارية عادية." "ماذا تقصدين؟" سأل خالد. "لقد تورط في شراكات… لم تكن صحيحة. في عالم الأعمال، هناك من يستغل ضعف الآخرين. وكان هناك شخص… استغل والده. شخص لديه نفوذ كبير، ولا يرحم." "ومن هو هذا الشخص؟" سأل خالد. "لن أذكر اسمه الآن." قالت أم خالد. "لكن ما حدث هو أن والدك، في محاولته لسداد هذه الديون، قام بـ… بتوقيع أوراق لم يكن يجب عليه توقيعها. أوراق كانت ستورطه أكثر، وتكشف عن تفاصيل فساد. وكان ذلك سيؤثر على سمعة العائلة بأكملها، وعلى مستقبلنا." "وما علاقة سارة بهذا؟" سأل خالد. "سارة… سارة كانت تعرف كل شيء. والدها كان يعمل مع هذا الشخص. وكانت سارة على علم بكل ما كان يحدث. عندما اكتشف والدك خطورة الموقف، حاول أن يتراجع. لكن هذا الشخص لم يسمح له بذلك. وفي تلك الليلة، ليلة الحادث… لم يكن مجرد حادث." تسمرت ليلى في مكانها. لم يكن مجرد حادث؟ "لقد… لقد تم تدبيره." قالت أم خالد، والدموع تنهمر على خديها. "ليوقف والدك عن الكلام. ليصمت إلى الأبد. لم يكن يريدونه أن يكشف عن فساده. ولذلك، قاموا بـ… ببعض الترتيبات." شعر خالد ببرودة تسري في جسده. والده لم يمت في حادث. لقد قُتل. "ولكن… سارة؟" سأل خالد بصوت خافت. "كيف عرفت؟" "سارة… كانت تعلم بخطة هذا الشخص. هي نفسها، كانت تعيش في خوف منه. عندما علمت بما فعله بوالدك، شعرت بمسؤولية هائلة. هي نفسها تعرضت لضغوط شديدة من هذا الشخص. وكان يخبرها بأنه يملك دليلًا ضدها، دليلًا قد يورطها. دليلًا على… على بعض الأمور التي قامت بها لمساعدته في الماضي." "أمور قامت بها؟" سأل خالد، وشعر بغضب شد. "هل تقصدين أنها كانت متواطئة معه؟" "لم تكن متواطئة عن طيب خاطر يا خالد." قالت أم خالد. "لقد أجبرت. كانت تخاف على نفسها، وعلى عائلتها. ولكنها في نفس الوقت… شعرت بالذنب تجاه ما حدث لوالدك. وهي منذ ذلك اليوم… تحمل هذا العبء. عبء الصمت، وعبء المعرفة." "ولماذا لم تخبريني؟" سأل خالد، وصوته بدأ يرتفع. "لماذا سمحتِ لي أن أعيش كل هذه السنوات وأنا جاهل بالحقيقة؟" "خفت عليك يا خالد." قالت أم خالد. "خفت من ردة فعلك. خفت أن تدفع الثمن. ولم أرَ طريقة لتجاوز هذا الأمر دون أن يؤذي أحدًا." "لم تؤذيني؟" قال خالد بسخرية. "لقد أذيتني جميعًا! هل تظنين أن هذا الصمت كان حماية؟ إنه كان سجنًا!" "أعلم يا بني." قالت أم خالد وهي تبكي. "وأنا أعتذر. لكن سارة… هي من تحملت أكبر عبء. هي التي عاشت في خوف مستمر. وهي التي حاولت أن تنبهكِ بطريقتها الخاصة، عندما تحدثت معكِ. ربما شعرت بأن الوقت قد حان للكشف عن الحقيقة." "وهي الآن تختفي؟" سأل خالد. "لماذا؟" "لأن هذا الشخص… لا يزال موجودًا. ولا يزال لديه نفوذ. إذا كشفت سارة كل شيء، فقد يعرض نفسها للخطر. وقد يعرضكِ أنتِ للخطر أيضًا." "أنا لست طفلًا يا أمّي." قال خالد بحزم. "ولا يمكنني أن أعيش في ظل الخوف. لقد مات والدي بسبب هذا الرجل. ولا يمكنني أن أسمح له بالاستمرار في تدمير حياتنا." "لكن كيف سنواجهه؟" سألت أم خالد بيأس. "إنه قوي جدًا." "سنواجهه بالقوة. وسنواجهه بالحقيقة." قال خالد، ونظر إلى ليلى. "ليلى، أنتِ معقل قوتي. هل ستكونين معي؟" نظرت ليلى إلى خالد، ورأت في عينيه عزيمة لا تتزعزع. شعرت بأنها أمام لحظة مصيرية. "نعم يا خالد." قالت بحزم. "معك. دائمًا." كانت الكلمات تتردد في الغرفة. الصدمة كانت مدوية. وفاة والد خالد لم تكن حادثًا، بل كانت جريمة. وسارة، التي بدت غامضة، كانت ضحية أخرى، وربما شاهدة على جريمة. وشعر خالد بأن عالمه قد انهار، لكن في وسط هذا الدمار، وجد إيمانًا متجددًا بالحقيقة، وبقوة الحب الذي يشاركه مع ليلى.