الفصل 2 / 25

قصة حب

أصداء الماضي، وبذور المستقبل

بقلم مريم الحسن

كانت "نور" تجلس في قاعة المحاضرات، تحيط بها وجوهٌ شابةٌ تتوهج بالحماس والفضول. رائحة الكتب الجديدة، وصوت الأقلام وهي تخط على الأوراق، كلها كانت تثير فيها شعوراً بالانتماء. كانت طالبةً في كلية الشريعة، شغوفةً بدراسة الدين، ساعيةً لفهم أعمق لآياته وأحكامه.

"قال الله تعالى: 'إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ' (فاطر: 28). هذه الآية الكريمة تبين لنا مكانة العلم، وخاصةً العلم الشرعي، فهو ليس مجرد معرفةٍ نظرية، بل هو خشيةٌ صادقة، ورهبةٌ قلبيةٌ تمنع العبد من معصية خالقه." كانت أستاذة مادة التفسير، الدكتورة "فاطمة"، تلقي كلماتها بحكمةٍ وعذوبة، تاركةً أثراً عميقاً في نفوس الطالبات.

نور، كعادتها، كانت تستمع بانتباهٍ شديد، تدون ملاحظاتٍ دقيقة، وتطرح أسئلةً عميقة. لم تكن مجرد طالبةٍ تسعى للنجاح، بل كانت باحثةً عن الحقيقة، عن المعنى الأسمى لوجودها. كانت ترى في العلم الشرعي بوصلةً تمنح الحياة اتجاهاً، وسراجاً ينير دروب الحياة.

بعد انتهاء المحاضرة، تجمعت حولها زميلاتها، تتناقشن حول ما سمعن. كانت نور غالباً ما تكون محور النقاش، بعمق فهمها، وبأسلوبها الهادئ في طرح الأفكار.

"ما رأيك يا نور؟ هل تعتقدين أن العلم وحده يكفي لتحقيق الخشية؟" سألتها زميلتها "مريم"، وهي فتاةٌ مرحةٌ لكنها شغوفةٌ أيضاً.

ابتسمت نور ابتسامةً خفيفة. "لا يا مريم، العلم هو البداية، لكنه ليس النهاية. الخشية تأتي من نورٍ يلقيه الله في القلب، نورٌ يزداد بصدق العمل، وبتطبيق ما نتعلمه. المعرفة بدون عملٍ كالشجرة التي لا تثمر، جميلةٌ في عين الناظر، لكنها لا تقدم فائدة."

"لكن هناك من يتعلم ويتعلم، ويظل قلبه قاسياً." علقت "سارة"، وهي فتاةٌ هادئةٌ تميل إلى التحفظ.

"بالتأكيد، فالشيطان لا يزال يزين لنا الباطل، والتحديات كثيرة. لكن الإيمان الحقيقي هو ما يصقل القلوب، ويجعلها تقاوم. الإيمان ليس مجرد اعتقاد، بل هو حياة، هو سلوك، هو استقامة." كانت نور تتحدث بجدية، لكن بأسلوبٍ يدعو إلى التأمل.

كانت نور تنتمي إلى أسرةٍ متوسطة الحال، لكنها كانت غنيةً بالقيم والمبادئ. والدها، المهندس "حسن"، رجلٌ يعمل بجدٍ وإتقان، ويربي أبناءه على الأخلاق الحميدة. والدتها، "أمينة"، سيدةٌ فاضلةٌ، لطيفةٌ، تحيط عائلتها بدفءٍ وحنان.

كانت نور الابنة الكبرى، ولديها شقيقان أصغر منها. كانت قد نشأت على حب الكتاب، وعلى احترام السنة النبوية. كانت تحلم بأن تكون داعيةً إلى الله، وأن تنفع المجتمع بعلمها، وأن تنشر الوعي بأهمية القيم الإسلامية في زمنٍ كثرت فيه الفتن.

في أحد الأيام، وبينما كانت عائدةً من الجامعة، مرت بجوار حديقةٍ عامة. لفت انتباهها رجلٌ مسنٌّ، يجلس وحيداً على مقعدٍ، ينظر إلى السماء بحزنٍ عميق. كان يبدو عليه الضيق، والوحدة.

لم تستطع نور أن تتجاهله. توقفت، وترددت للحظة، ثم اقتربت منه. "السلام عليكم يا عمي." قالت بصوتٍ هادئ.

التفت الرجل إليها، وقد بدا على وجهه مفاجأةٌ وخجل. "وعليكم السلام يا ابنتي."

"هل تسمح لي بالجلوس بجانبك؟" سألت نور بلطف.

أومأ الرجل برأسه، فسحبت نفسها بحذرٍ وجلست بجانبه. بدأت بالحديث معه بشكلٍ عام، عن الطقس، وعن جمال الحديقة. كان الرجل يستجيب بكلماتٍ مقتضبة، وكان شعور الحزن لا يزال يخيّم عليه.

"هل أنت بخير يا عمي؟" سألت نور بعد فترةٍ من الصمت، وشعرت بأنها تجاوزت حدود اللباقة، لكن قلبها لم يحتمل رؤيته هكذا.

ابتسم الرجل ابتسامةً باهتة. "الحياة يا ابنتي، قاسيةٌ أحياناً. تمر علينا أيامٌ لا نجد فيها من نحدثه، ولا نجد من يفهمننا."

"والله يا عمي، كلنا نمر بلحظاتٍ نشعر فيها بالوحدة والضيق. لكن الأمل بالله لا ينقطع. وما يعيننا هو أن نجد من نثق به، ومن يحمل لنا كلمةً طيبة."

"أين أجد هذا الرجل؟" سأل الرجل بعينين زائغتين.

"في كل مكان يا عمي. في قلب أخيك، في قلب جارك، وفي قلب غرباءٍ يشعرون ببعضٍ من ألمك. أنا نفسي، أشعر بما تشعر به. والدتي، هي التي علمتني معنى الاحتواء. كانت دائماً تقول لي: 'نور، كن لأخيك وعابرك كالأرض التي تحتضن الجميع، لا تفرق بين زرعٍ وآخر.'"

تأثر الرجل بكلمات نور. نظر إليها مليئاً بالدهشة والتقدير. "لقد أثلجتِ صدري يا ابنتي. لم أكن أتوقع أن أجد هذه الكلمات الطيبة من شابةٍ مثلك."

"هذا فضل الله يا عمي. إن الله يضع في القلوب سكينةً، ويجعلنا سبباً لفرحة الآخرين. هل لي أن أعرف اسمك؟"

"اسمي أحمد." قال الرجل، وبدأت ملامح وجهه تتغير قليلاً.

"تشرفت بمعرفتك يا عمي أحمد. أنا نور. هل لك أن تخبرني ما الذي يزعجك؟ ربما أستطيع أن أساعدك، ولو بكلمةٍ طيبة."

صمت أحمد للحظة، كأنه يزن ما سيقول. ثم قال بصوتٍ متردد: "لقد فقدتُ زوجتي منذ سنوات. وأشعر بأنني لم أتجاوز ذلك بعد. أبنائي كبروا، ولهم حياتهم الخاصة. أشعر بالوحدة، وبأنني لم أعد ذا قيمة."

تعاطفت نور مع أحمد بشدة. "فقدان الأحبة أمرٌ جلل، ويعلم الله كم هو مؤلم. لكن الأهم هو أن نتذكر الجميل، وأن نستمر في حياتنا. زوجتك، بالتأكيد، كانت تحب لكِ الحياة، وتحب لكِ أن تكون سعيداً. ربما تستطيع أن تجد نشاطاً يعيد إليك البهجة؟ هل أنت من محبي القراءة؟ أو ربما تستطيع أن تساهم في عملٍ تطوعي؟"

"أنا أحب القراءة، لكنني لم أعد أجد متعةً فيها." قال أحمد، وتنهد. "أما العمل التطوعي، فقد فكرت فيه، لكنني لا أعرف من أين أبدأ."

"لدي صديقةٌ، والدتها تدير داراً للأيتام، وتقوم بالكثير من الأنشطة التطوعية. ربما تستطيع أن تتواصل معها. هم بحاجةٍ دائماً إلى أيادٍ طيبة، وإلى قلوبٍ حنونة."

شعرت نور بأنها تقدم لشخصٍ غريبٍ شيئاً ثميناً، شيئاً قد يغير حياته. لم تكن تفكر في شيءٍ إلا في أن تنشر الخير، وأن تزرع بذور الأمل حيثما وجدت.

"بارك الله فيكِ يا ابنتي. لقد أعدتِ إليَّ الأمل. سأفكر في كلامك." قال أحمد، وبدت على وجهه ابتسامةٌ صادقةٌ هذه المرة.

"بارك الله فيك أيضاً يا عمي. وسأدعو الله دائماً أن يرزقك السعادة والراحة."

وقفت نور، وودعت أحمد. بينما كانت تسير، شعرت بشعورٍ غريبٍ بالرضا. كانت تدرك أن رحلة البحث عن السعادة، وعن المعنى، هي رحلةٌ مشتركة. وأن كل كلمةٍ طيبة، وكل لمسةٍ حانية، يمكن أن تكون مفتاحاً يفتح أبواباً مغلقة.

كانت هذه اللحظة، لقاءها بأحمد، بمثابة رسالةٍ لها. رسالةٌ تقول لها: "إن الخير الذي تبذلينه، يعود إليكِ بأشكالٍ مختلفة." كانت تدرك أنها ليست الوحيدة التي تحتاج إلى الأمل، وأن العالم مليءٌ بالأرواح التي تبحث عن بصيصٍ من النور.

نظرت إلى السماء، وشعرت بأنها أقرب إلى الله. كانت تتمنى أن يمنحها القوة، وأن يجعلها دائماً سبباً في نشر الخير، وأن يوفقها في تحقيق أحلامها.

فكرت في مشروعها، في دار الأيتام. شعرت بأنها تخطو خطوةً أخرى نحو تحقيق هذا الحلم. ربما تستطيع أن تجمع بين شغفها بالعلم، وبين رغبتها في خدمة المجتمع.

"اللهم إني أسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، وعملاً متقبلاً." تمتمت بها، وهي تستشعر بركة الدعاء، وبأن المستقبل يحمل في طياته الكثير.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%