الفصل 20 / 25

قصة حب

أغوار الماضي وصخب الحاضر

بقلم مريم الحسن

تتابعت الأيام، حاملة معها همساً متزايداً من الماضي. في قصر "آل جابر"، حيث تتجسد الفخامة المتوارثة، كانت "سعاد"، والدة عمر، تعيش قلقاً خفياً. كانت على علم ببعض الترتيبات القديمة التي كانت والدتها، جدة عمر، قد عقدتها، ولكن تفاصيلها كانت مشوشة في ذاكرتها، لا سيما تلك المتعلقة بالوعد الذي أشارت إليه ريحانة.

في أحد الأيام، جلست سعاد مع عمر في مكتب والده الكبير. كانت الغرفة تعبق برائحة الجلود القديمة والورق العتيق، شاهداً على قرون من التاريخ العائلي.

"عمر، يا بني، والدتكِ… والدة ريحانة… تحدثت معي اليوم. وأخبرتني ببعض الهمسات التي سمعتها من جدتك. يبدو أن هناك… وعداً قديماً يتعلق بزواج محدد."

تأمل عمر وجه والدته، يبحث عن إجابات. "وما هو هذا الوعد، أمي؟"

تنهدت سعاد. "جدتكِ… كانت امرأة قوية، ورؤيتها كانت تتجاوز حدود الزمان والمكان. كانت تريد توطيد علاقات العائلة ببعض العائلات الأخرى، وبناء تحالفات استراتيجية. ولكن… لم أفهم بالضبط كل التفاصيل. أذكر أنها كانت تتحدث عن فتاة معينة، فتاة لا نعرف عنها الكثير. ولكن، يبدو أن هذا الوعد لم يُلغَ."

"ولكن… لماذا لم تخبرني جدتي بهذا الأمر؟" تساءل عمر.

"ربما لأنها كانت تعتقد أن الأمر أصبح من الماضي. أو ربما… ربما كانت تترك الأمر لي ولكم لتقرروا. جدتي كانت تفعل ما تراه مناسباً لمصلحة العائلة. وكانت مصلحة العائلة دائماً في مقدمة اهتماماتها."

"ولكن، كيف يمكن أن يكون هذا الوعد متعلقاً بنا؟" سأل عمر، وعقله يدور في دوامة من الأسئلة.

"لا أعرف يا بني. ولكن، إذا كانت جدتكِ… جدة ريحانة… قد ألمحت بهذا، فربما هناك شيء أكبر يحدث. ربما هناك من يريد تفعيل هذا الوعد."

كان عمر يشعر ببرودة تتسلل إلى قلبه. هل يمكن أن يكون هذا الوعد هو العقبة التي حاولت جدته إزالتها من طريقه؟ هل يمكن أن يكون هناك شخص آخر يسعى لتحقيق ذلك الوعد، حتى لو كان ذلك على حساب سعادة جيل بأكمله؟

في مكان آخر، كانت ليلى تواجه صراعاً داخلياً أكبر. كانت تزداد يقيناً بأن علاقتها ببدر لم تكن كما يجب أن تكون. في إحدى الأمسيات، بعد لقاء متوتر مع بدر، عادت إلى غرفتها وهي تشعر بالضيق.

"ريحانة، هل أنتِ مستيقظة؟" اتصلت بريحانة.

"نعم ليلى، ما الأمر؟ تبدين قلقة."

"أنا كذلك. لا أعرف ماذا أفعل، ريحانة. أشعر أنني أغرق. بدر… بدر لا يفهميني. إنه يعاملني كأميرة جميلة، ولكن ليس كشريكة في الحياة. لا نتحدث عن أحلامنا، عن مخاوفنا، عن مستقبلنا… إلا من خلال زواجه التقليدي."

"ولكن، بدر شاب طيب. ربما يحتاج فقط إلى بعض الوقت."

"لا يا ريحانة. هذا ليس طيباً. هذا… بارد. إنه بارد جداً. أشعر أنني أعيش قصة حب وهمية، مصممة لإرضاء الآخرين، وليس لي. لا أريد هذا. لا أريد أن أتزوج من رجل لا أستطيع مشاركته أعمق أفكاري، ولا أستطيع أن أكون على طبيعتي معه."

"ولكن، والدتكِ… والدتكِ سعاد، قد وافقت على الخطبة. والجميع يعتقد أنكما ستتزوجان قريباً."

"أعلم. ولكن، ما قيمة الزواج إذا كان مبنياً على أساس غير سليم؟ ما قيمة أن أكون زوجة نبيل، إذا كنتُ لن أكون زوجة سعيدة؟"

توقفت ريحانة للحظة. كانت تفهم تماماً ما تشعر به أختها. كانت تتذكر أيامها مع عمر، وكيف أن كل كلمة، كل نظرة، كل لمسة كانت تحمل معنى عميقاً، وكانت تعكس حباً صادقاً، لا مجرد توافق عائلي.

"ليلى، أنتِ قوية. وأنتِ ذكية. عليكِ أن تتحدثي مع بدر بصراحة. وأن تتحدثي مع والدتكِ. قد يكون الأمر صعباً، ولكن، سعادتكِ أهم من أي شيء آخر."

"ولكن… ماذا لو لم يفهموا؟ ماذا لو اعتبروا هذا… عصياناً؟"

"لا تخافي. حبنا لأهلنا لا يعني أن نتخلى عن سعادتنا. عليكِ أن تقولي ما في قلبكِ، يا ليلى."

في الوقت نفسه، كان عمر قد بدأ تحركاته. سافر إلى المدينة القديمة، إلى الأماكن التي كانت جدته تقضي فيها معظم وقتها، حيث كانت تحتفظ ببعض المقتنيات الشخصية. بحث في صناديقها القديمة، في مذكراتها، في رسائلها. كانت الغرفة تعبق برائحة الزمن، وتخفي بين طياتها أسراراً دفينة.

وجد عمر دفتراً صغيراً، جلديّاً، كتب على غلافه حرف "ن" بخط متعرج. فتحه بحذر. كانت الصفحات مليئة بخط يد جدته، تتحدث عن مخاوفها، عن طموحاتها، وعن الترتيبات التي كانت تسعى لإتمامها.

"الوعد… يجب أن يوفى. عائلة 'الحموي' لن تنسى. يجب أن نضمن مستقبلنا. الزواج بين 'نور' وابن 'آل جابر' هو المفتاح."

"نور؟" همس عمر. "من هي نور؟"

تابع القراءة. "هذه الفتاة، نور، هي الأمل الوحيد. إنها ابنة 'كامل الحموي'، وعلينا أن نضمن زواجها من عمر، ابن سعاد. هذا الزواج سيجمع أقوى عائلتين في المنطقة، ويضمن لنا النفوذ الذي نستحقه."

"نور… كأنني سمعت هذا الاسم من قبل… نعم، ريحانة ذكرت اسم 'نور' كاسم الفتاة المعنية. ولكن، هي… هي ابنة عم بعيد. لم تُذكر كثيراً."

كان عمر يشعر بأن عقله يختلط. هل جدته هي نفسها التي عقدت هذا الوعد؟ هل هي نفسها التي رتبت لقاءه مع ريحانة؟ هل كان كل هذا مجرد لعبة كبيرة، ولعبة مصير؟

"ولكن، ماذا حدث لـ 'كامل الحموي'؟ وأين ابنته 'نور'؟"

وجد عمر رسالة أخرى، تتحدث عن أن "كامل الحموي" قد واجه صعوبات مالية، وأن عائلته قد تفرقت. وأن 'نور' قد اختفت عن الأنظار، ولم يعد يعرف أحد عنها شيئاً.

"إذاً، الوعد لا يزال قائماً. وجدتي كانت تسعى لتفعيله. ولكن، لماذا لم تفعل شيئاً؟ ولماذا تركت الأمر لـ… لـ… لـ…؟"

وفجأة، تذكر شيئاً. تذكر كلمات جدته عندما تحدثت عن زواج عمر. كانت تقول: "عمر ابني، يجب أن يكون زواجه مباركاً. زواجاً يجمع شمل العائلتين، ويوطد الروابط."

هل كانت تقصد هذا الوعد؟ هل كانت تحاول إقناع سعاد، والدة عمر، بأن زواجه من ريحانة هو تفعيل لهذا الوعد؟

"لا… هذا مستحيل. جدتي لم تكن لتكذب. وجدتي ريحانة لم تكن لتكذب."

شعر عمر بأن الألغاز تتشابك، وأن أغوار الماضي قد فتحت أبوابها. كانت الحقيقة تظهر ببطء، مخيفة، ومربكة. أدرك أن هذا الوعد القديم، الذي كان يظن أنه مجرد أسطورة، أصبح واقعاً، واقعاً قد يهدد حبه لريحانة.

في هذه اللحظة، كان عليه أن يقرر. هل سيواجه هذه الحقيقة؟ هل سيكشف عن الأسرار المدفونة؟ أم سيترك الأمور تتفاقم، وتصبح لعبه في أيدي آخرين؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%