قصة حب
همسات في أروقة التاريخ
بقلم مريم الحسن
كانت "ليلى" تقف أمام خزانة كتبٍ ضخمة، تنبعث منها رائحة الورق القديم والغبار. كانت هذه هي مكتبة جدها، الدكتور "عبد الرحمن"، المؤرخ المعروف، والذي ترك وراءه كنزاً من المخطوطات والكتب النادرة. كان المكان يعج بالذكريات، وبقصصٍ صامتةٍ ترويها جدران المكتبة العتيقة.
كانت ليلى قد ورثت عن جدها حبها للتاريخ، وشغفها بالقصص القديمة. لكنها الآن، كانت تبحث عن شيءٍ آخر، عن إجاباتٍ لأسئلةٍ تدور في رأسها، عن دليلٍ يساعدها على تجاوز محنتها.
"جدّي العزيز، أين تركت لي مفتاح السعادة؟" همست وهي تمرر أصابعها على أغطية الكتب. كانت تشعر بالضياع، وبالحاجة إلى يدٍ ترشدها.
جلست على كرسيٍّ جلديٍّ متهالك، وأخرجت دفتراً قديماً من أحد الأدراج. كان دفتراً كان جدها يستخدمه لتسجيل ملاحظاته، وخاطراته. كانت ليلى تعلم أن في هذا الدفتر قد تجد شيئاً يساعدها.
بدأت تقرأ. كانت كلمات جدها مليئةً بالحكمة، وبالرؤى العميقة. كان يتحدث عن أهمية الصبر، عن قوة الإيمان، وعن أن الله لا يبتلي عبده إلا ليقربه منه، أو ليطهره من ذنوبه.
"يا ليلى، الدنيا قنطرةٌ، فلتعبروها ولا تبنو فيها. أعظم ما يملكه الإنسان هو قلبه، فاجعليه قلباً يذكر الله، وقلباً يحب الخير." قرأت هذه الجملة، وشعرت بأنها موجهةٌ لها مباشرةً.
"لكن كيف أجد هذا القلب، يا جدّي؟ كيف أجد السعادة وأنا أشعر بأن شيئاً ثميناً قد انتُزع مني؟" سألت الكتاب بصوتٍ خافت.
واصلت القراءة. وجدت بين الصفحات، قصاصةً ورقيةً قديمة، كانت تحمل بخط جدها: "إذا أردتِ أن تبدئي من جديد، انظري إلى ما تحبين، وما تفرحين به. ابحثي عن عملٍ يمنحكِ الإحساس بالهدف، وعن أناسٍ يشاطرونكِ هذا الهدف. السعادة تكمن في العطاء، وفي الإحساس بأنكِ تحدثين فرقاً في هذا العالم."
توقفت ليلى عن القراءة، وأغمضت عينيها. كانت كلمات جدها تتردد في أذنيها. "عملٌ يمنحكِ الإحساس بالهدف." كانت تفكر في مشروعها، في دار الأيتام. كانت هذه الفكرة قد بدأت تتشكل في ذهنها قبل رحيل أحمد، لكنها الآن، بدأت تأخذ شكلاً أكثر وضوحاً، وأكثر إلحاحاً.
"هل هذا هو هدفي يا جدّي؟ هل هذا هو ما قصدته؟" سألت بصوتٍ متردد.
فتحت عينيها، ونظرت حولها في المكتبة. كانت ترى الكتب، المخطوطات، وكلها تتحدث عن حضارةٍ عريقة، عن تاريخٍ مجيد. شعرت بأنها جزءٌ من هذا التاريخ، وأنها تحمل على عاتقها مسؤوليةً.
"نحن نسير على دروبٍ رسمها من سبقنا. ودورنا أن نترك بصمةً، أن نزرع ما ينفع الأجيال القادمة." كانت هذه فكرةً كانت ترددها دائماً.
نهضت من مكانها، واتجهت نحو مكتبٍ خشبيٍّ قديم. كان جدها يكتب عليه الكثير من أبحاثه. فتحت أحد أدراجه، ووجدت فيه قلماً ذهبياً، وقارورة حبرٍ سوداء. كانت هذه أدوات جدها التي كان يكتب بها.
"سأستخدمها، يا جدّي." قالت وهي تأخذها. "سأستخدمها لأكتب قصةً جديدة، قصةً تبعث على الأمل، قصةً تبني المستقبل."
بدأت تكتب في دفترها الخاص، ولكن هذه المرة، لم تكتب عن أحزانها، بل عن رؤيتها لمشروع دار الأيتام. كتبت عن أهدافها، عن الخطوات التي يجب أن تتخذها، وعن الأشخاص الذين قد يساعدونها.
"سيكون مكاناً يملؤه الدفء، والحنان، والتعليم. سيكون ملاذاً للأرواح الصغيرة التي تحتاج إلى الحب. سنعلمهم القرآن، والسنة، والأخلاق. سنغرس فيهم حب الوطن، وحب الإنسانية."
كانت كلماتها تتدفق بحماسٍ وشغف. شعرت بأنها تتجاوز حدود حزنها، وأنها تجد في هذا المشروع منفذاً لأحلامها، وطريقاً لتكريم ذكرى زوجها.
"سأجعله مكاناً يذكرنا دائماً بأن الأمل موجود، وأن العطاء هو أجمل ما يمكن أن نقدمه."
في خضم كتابتها، رن هاتفها. كانت والدتها.
"مرحباً يا حبيبتي. كيف حالك؟"
"بخير يا أمي، الحمد لله. كنتُ في مكتبة جدي."
"بارك الله فيكِ. أردتُ أن أسألكِ، هل لازلتِ تفكرين في فكرة دار الأيتام؟"
"نعم يا أمي، بل بدأتُ أعمل على وضع الخطط. إنها فكرةٌ تتغلغل في قلبي يوماً بعد يوم."
"هذا رائع يا ليلى. لقد تحدثتُ مع خالتي، السيدة "أمينة"، وهي تدير مركزاً نسائياً كبيراً. قالت إنها مستعدةٌ لمساعدتكِ في أي شيءٍ تحتاجينه، سواءٌ كان ذلك في الجانب التنظيمي، أو في حشد الدعم."
ارتسمت ابتسامةٌ واسعةٌ على وجه ليلى. "حقاً يا أمي؟ هذا خبرٌ يسعدني كثيراً."
"بالطبع يا حبيبتي. نحن معكِ. نحن كلنا معكِ. يجب أن نرى منكِ القوة، وأن نرى منكِ البناء."
"إن شاء الله يا أمي. سأبدأ قريباً."
بعد أن أنهت المكالمة، شعرت ليلى بأنها ليست وحدها. كان دعم عائلتها، وشغفها المتزايد بالمشروع، كلها عوامل تبعث فيها الأمل.
نظرت مرةً أخرى إلى صورة جدها، كانت معلقةً على الحائط. "لقد كنتَ على حق يا جدّي. السعادة تكمن في العطاء، وفي الإحساس بأنك تحدث فرقاً."
أغلقت دفترها، وجمعت أدوات جدها. شعرت بأنها قد استمدت القوة، والوضوح. كانت مستعدةً لبدء رحلتها، رحلة بناءٍ جديد، ورحلةٍ تبعث على الأمل.
كانت أوراق التاريخ، وذكريات الماضي، هي التي أعطتها البوصلة، والآن، كانت هي من ستقود السفينة.