الفصل 4 / 25

قصة حب

متاهة المشاعر، ووشوشات القدر

بقلم مريم الحسن

في أحد أيام الشتاء الباردة، وبينما كانت "نور" منهمكةً في دراستها، تلقت اتصالاً هاتفياً غريباً. كان المتحدث رجلاً، عرف عن نفسه بأنه "أحمد"، وهو رجلٌ مسنٌّ، يبدو عليه الضيق.

"عفواً يا آنسة نور، هل تذكرينني؟" سأل الرجل بصوتٍ خافت.

"نعم يا عمي أحمد. أتذكرك. كيف حالك؟" أجابت نور، وقد شعرت بأنها تعود بالزمن إلى الوراء، إلى تلك الحديقة، وإلى تلك الكلمات الطيبة.

"حالتي ليست بالبديعة يا ابنتي. لقد ذهبتُ إلى المركز النسائي الذي ذكرتِه لي، وتحدثتُ إلى السيدة أمينة. لقد كانت لطيفةً جداً، ووعدتني بالمساعدة. لكنني… أحتاج إلى شيءٍ آخر."

"ماذا تحتاج يا عمي؟" سألت نور، وبدأ القلق يتسلل إلى قلبها.

"أحتاج إلى… إلى من يفهمني. أنا أشعر بالوحدة، وبالضياع. لقد مررتُ بالكثير في حياتي، وبقيتُ وحيداً. هل يمكنني أن أتحدث معكِ مرةً أخرى؟ ربما في مكانٍ هادئ؟"

ترددت نور. كانت تدرك أن مساعدة الناس أمرٌ طيب، وأنها تسعى لذلك دائماً. لكنها شعرت بأن هذا الطلب يتجاوز حدود الصداقة المعتادة.

"يا عمي أحمد، أنا سعيدةٌ بأنني أستطيع أن أساعدك. لكنني طالبةٌ، ووقتي محدود. كما أنني… لا أرغب في أن أبدو غير لائقة."

"أفهم يا ابنتي. أفهم. لكنني… لا أملك أحداً آخر. هل تسمحين لي برؤيتكِ لو لدقائق؟ ربما في مكانٍ عام، كحديقةٍ أخرى؟"

كان صوت أحمد مليئاً باليأس، وكان يشعر بأنها الوحيدة التي قد تفهم مشاعره. لم تستطع نور أن ترفض. شعرت بأن واجبها كمسلمةٍ هو أن تكون رحيمةً، وأن تساعد المحتاج.

"حسناً يا عمي أحمد. يمكننا أن نلتقي غداً بعد صلاة العصر، في الحديقة القريبة من جامعتي. لكن… لن تكون لقاءاتٍ متكررة."

"شكراً لكِ يا ابنتي. شكراً جزيلاً. سأكون هناك."

في اليوم التالي، التقت نور بأحمد في الحديقة. كان يبدو أكثر هدوءاً، لكن الحزن لا يزال يخيم على عينيه. بدأ يتحدث عن حياته، عن زوجته التي أحبها، وعن أبنائه الذين ابتعدوا.

"لقد شعرتُ بأنني فقدتُ كل شيء، يا نور. فقدتُ زوجتي، فقدتُ ابني الذي هاجر، وفقدتُ نفسي. أصبحتُ مجرد شبحٍ يمشي على الأرض."

كانت نور تستمع بصبرٍ وتعاطف. حاولت أن تقدم له بعض النصائح، أن تذكره بأن الله رحيمٌ، وأن الحياة لا تستحق أن تضيع في الحزن.

"يا عمي أحمد، إن الله معك. وإن كانت الدنيا قد أخذت منك، فهي لم تأخذ منك روحك، ولم تأخذ منك إيمانك. هل حاولت أن تبحث عن شيءٍ جديدٍ يملأ وقتك؟ شيءٌ يشعرك بأن لك قيمة؟"

"لقد حاولتُ، يا نور. لكنني لا أجد ما يشبه ما كان. لقد كنتُ مهندساً ناجحاً، ورجل أعمالٍ معروفاً. والآن… لا أملك شيئاً."

"لكن لديكَ خبرتك يا عمي. لديكَ حكمتك. ربما تستطيع أن تستفيد من خبرتك في مساعدة الآخرين؟ ربما تستطيع أن تقدم استشاراتٍ مجانيةً للشباب الذين يبدؤون أعمالهم؟"

فكر أحمد في كلام نور. بدت الفكرة غريبةً عليه، لكنها كانت تحمل في طياتها بصيصاً من الأمل.

"لا أعرف يا نور. لا أعرف إن كنتُ قادراً على ذلك."

"بالتأكيد أنت قادر يا عمي. لقد عشتَ الكثير، وتعلمتَ الكثير. ما عليك إلا أن تثق بنفسك، وأن تطلب العون من الله."

استمرت نور في زيارتها لأحمد، ليس بشكلٍ متكرر، ولكن كلما شعرت بأنه بحاجةٍ إليها. كانت تقدم له الدعم المعنوي، وتذكره دائماً بأن هناك من يحبّه، وأن الحياة لا تزال تحمل له الكثير.

من جهةٍ أخرى، كانت "ليلى" قد بدأت في وضع اللبنات الأولى لمشروعها. كانت تجتمع بالسيدة أمينة، خالته، لوضع الخطط التنظيمية. كانت سارة، زميلة نور، قد عرضت عليها المساعدة في الجانب المادي، من خلال جمع التبرعات.

"نحن بحاجةٍ إلى مكانٍ مناسب، وإلى تراخيص. الأمر ليس سهلاً، لكننا سنبذل قصارى جهدنا." قالت ليلى للسيدة أمينة، وهي تشعر بشغفٍ متزايد.

"أعلم يا حبيبتي. لكن العزيمة هي المفتاح. وأنا أرى فيكِ هذه العزيمة." ردت السيدة أمينة بابتسامةٍ مشجعة.

كانت ليلى تشعر بأنها تقترب من هدفها، لكنها كانت تعلم أيضاً أن الطريق لن يكون مفروشاً بالورود. كانت هناك تحدياتٌ كبيرة، وكان هناك أيضاً شعورٌ بالوحدة، والحنين إلى الماضي.

"أحمد، لو كنتَ هنا، لرأيتَ ما نفعله. ربما كنتَ ستفرح بهذا المشروع." همست ليلى وهي تنظر إلى صورةٍ لأحمد.

كانت ليلى تجد في عملها دافعاً قوياً، لكنها كانت تعلم أن بناء دارٍ للأيتام يتطلب أكثر من مجرد شغف. كان يتطلب موارد مالية، وكان يتطلب فريقاً متفانياً.

في أحد الأيام، وبينما كانت ليلى تتصفح بعض الأوراق القديمة، وجدت رسالةً بخط أحمد. كانت رسالةً لم يرسلها لها، بل كانت مكتوبةً في يومٍ من الأيام، وكأنها رسالةٌ لنفسه.

"يا نفسي، لا تجعلي الحزن يسيطر عليكِ. إن الله مع الصابرين. إن فقدان من نحب يترك فراغاً، لكن هذا الفراغ يمكن أن يُملأ بالحب، وبالعطاء، وبالعمل الصالح. ابحثي عن هدفٍ جديد، عن معنىً لحياتك. ولا تنسي أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها."

تأثرت ليلى بالرسالة. شعرت بأنها قد حصلت على تشجيعٍ جديد. كانت تعلم أن رحلتها ليست سهلة، لكنها كانت مستعدةً لتخوضها.

من جانبٍ آخر، كانت نور تشعر بتناقضٍ غريب. كانت سعيدةً بمساعدة أحمد، لكنها كانت تشعر أيضاً بأن هناك شيئاً ما في علاقتهما ليس صحيحاً. كانت تدرك أنه متعلقٌ بها بشكلٍ عاطفي، وهذا ما كان يقلقها.

"يا رب، هب لي قلباً سليماً، وعقلاً راشداً." دعت نور في صلاتها. كانت تريد أن تفعل الخير، لكنها كانت تريد أيضاً أن تحافظ على حدودها، وأن تبتعد عن أي شبهة.

"لا يمكنني أن أكون بديلاً عن زوجته، ولا يمكنني أن أكون عائلته." قالت لنفسها. "يجب أن أرشده إلى طريقٍ آخر، إلى طريقٍ يعيده إلى حياته بشكلٍ صحي."

في أحد اللقاءات، حاولت نور أن تتحدث مع أحمد عن فكرة العمل التطوعي بشكلٍ أكثر جدية.

"يا عمي أحمد، رأيتُ أنك تتحدث عن خبرتك في الهندسة. هل فكرتَ في التطوع في مشاريعٍ خيريةٍ تتعلق بالبناء؟ ربما تحتاج بعض المساجد، أو المراكز الإسلامية، إلى خبرتك."

"مشاريع بناء؟" سأل أحمد، وقد بدت الفكرة جديدةً عليه.

"نعم. ربما يكون هناك مشروعٌ في دار الأيتام الذي تعمل عليه السيدة ليلى. أعتقد أنها بحاجةٍ ماسةٍ إلى خبرةٍ في هذا المجال. ما رأيك؟"

نظر أحمد إلى نور، وقد بدا عليه التفكير. كانت هذه الفكرة تحمل في طياتها شيئاً كان يبحث عنه، شيئاً يمنحه إحساساً بالهدف، وإحساساً بأن خبرته لا تزال ذات قيمة.

"ربما… ربما هذا هو الحل. ربما أستطيع أن أفعل شيئاً." قال أحمد، وبدت على وجهه نظرةٌ من الأمل.

شعر نور بالراحة. لقد وجدت طريقاً لربط أحمد بمشروعٍ مفيد، طريقاً قد يساعده على تجاوز وحدته، وعلى الشعور بأن له دوراً مهماً.

كانت هذه التطورات، لليلى ونور، بمثابة دفعاتٍ قوية. لكنهما كانتا تعلمتان أن الحياة مليئةٌ بالمفاجآت، وأن القدر قد يخبئ لهما الكثير.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%