الفصل 5 / 25

قصة حب

سِربُ الحَمامِ المُتَكاسِر

بقلم مريم الحسن

كانت نسماتُ الصباحِ الهادئةُ تُداعبُ ستائرَ غرفةِ "فاطمة" البيضاءَ، لتُعلنَ عن بزوغِ يومٍ جديدٍ، يومٌ لا يشبهُ الأمسَ، ولا يحملُ في طياتِهِ وعداً بالغدِ الذي تترقبهُ. منذُ أن غادرَ "أحمد" قريتَها، تاركاً وراءَهُ وعداً بالعودةِ، أصبحتْ أيامُها ثقيلةً، واللياليَ طويلةً. لم يكنْ فراقُهُ هو ما يُثقلُ كاهلها، بل كانَ هناكَ شيءٌ آخرُ، شيءٌ لم تستطعْ البوحَ بهِ لأحدٍ، ولا حتى لنفسِها.

في الأيامِ الأولى، كانتْ تَحسبُ الساعاتِ، والدقائقَ، وكلُ نبضةِ قلبٍ كانتْ تُذكّرُها بقربِ عودتِهِ. كانتْ تَرسمُ في خيالِها لقاءً مليئاً بالشوقِ، وكلماتٍ تتدفقُ كالنهرِ، وعينينِ تلتقيانِ في سكونٍ يَفهمُ ما لا يُقالُ. لكنْ معَ مرورِ الأيامِ، وبدءِ تلاشي حِدةِ الشوقِ، بدأتْ تظهرُ ظلالٌ خفيةٌ، تُنغّصُ صفوَ فكرِها.

كانتْ "فاطمة" فتاةً طيبةَ القلبِ، عفيفةَ اللسانِ، تُحبُ عائلتَها وتَبرُّ والديها. كانتْ حياتُها تدورُ حولَ التفاصيلِ الصغيرةِ: مساعدةُ أمِها في أعمالِ المنزلِ، قراءةُ كتابٍ، أو الجلوسُ في حديقةِ المنزلِ وهي تُراقبُ سربَ الحمامِ الذي كانَ يرتادُ سقفَ البيتِ. لكنْ هذا الهدوءَ الظاهريَّ كانَ يخفي صراعاً داخلياً عنيفاً.

بدأتْ "فاطمة" تلاحظُ تغيراً في سلوكِ "أحمد" عبرَ رسائلِهِ. في البدايةِ، كانتْ رسائلُهُ مليئةً بالحبِ والاشتياقِ، تُعبرُ عن مدى افتقادِهِ لها، وتُشيدُ بجمالِها وتقواها. لكنْ معَ مرورِ الوقتِ، أصبحتْ رسائلُهُ أقصرَ، وأقلَّ تعبيراً، وأكثرَ تركيزاً على أمورٍ تافهةٍ. كانَ يتحدثُ عن صفقاتٍ جديدةٍ، وعن مغامراتٍ في المدينةِ، وعن أشخاصٍ لم تعرفْهُمْ من قبلُ.

في إحدى الرسائلِ، ألمحتْ "فاطمة" إلى شعورِها بالوحدةِ، وبأنَّ الأيامَ طويلةٌ بدونِهِ. كانَ ردُّ "أحمد" مفاجئاً وقاسياً: "يا فاطمة، إنَّ الحياةَ ليستْ مجردَ جلوسٍ في البيتِ. أنا أعملُ بجدٍّ لتأمينِ مستقبلِنا. توقفي عن هذهِ الأفكارِ الساذجةِ، وركزي على ما هوَ أهمُّ."

هذهِ الكلماتُ اخترقتْ قلبَ "فاطمة" كالسهمِ. هل كانتْ أفكارُها ساذجةً؟ هل كانَ حُبُّها واشتياقُها للرجلِ الذي وعدَها بالزواجِ هوَ ما يُزعجُهُ؟ بدأتْ تشعرُ بالخوفِ، خوفٍ لم تعرفْ مصدرَهُ بالضبطِ، لكنهُ كانَ ينمو ويكبرُ معَ كلِّ يومٍ يمرُّ.

لم تكنْ "فاطمة" تعلمُ أنَّ "أحمد" كانَ قد غرقَ في عالمٍ جديدٍ، عالمٍ منَ الملذاتِ السريعةِ، والأصدقاءِ الذينَ يُشجعونَهُ على حياةِ اللهوِ والترفِ. في المدينةِ الكبيرةِ، وجدَ "أحمد" نفسه أمامَ إغراءاتٍ لم يواجهْها من قبلُ. كانَ يُحبُّ "فاطمة" بلا شكٍّ، لكنَّ هذهِ المحبةَ بدأتْ تتضاءلُ أمامَ سحرِ الحياةِ الجديدةِ التي اكتشفَها.

كانَ يجدُ في رفقةِ أصدقائِه الجددِ راحةً وغربةً في آنٍ واحدٍ. كانوا يُشجعونَهُ على قضاءِ اللياليَ في أماكنَ لا تليقُ بفتاةٍ طيبةٍ مثلَ "فاطمة"، وكانَ يجدُ نفسه ينجرفُ معهم، تاركاً وراءَهُ كلَّ ما كانَ يُذكرهُ بها. كانَ يشعرُ بلحظاتِ ندمٍ، لكنَّ هذهِ اللحظاتِ كانتْ تتلاشى بسرعةٍ أمامَ بريقِ الحياةِ التي يَعِيشُها.

في أحدِ الأيامِ، وصلتْ رسالةٌ أخرى من "أحمد"، لكنَّ هذهِ المرةَ كانتْ مختلفةً تماماً. لم يكنْ فيها ذكرٌ للحبِ أوِ الشوقِ، بل كانَ حديثاً عن تأجيلِ الزواجِ. "يا فاطمة، يبدو أنَّ ظروفَ العملِ تزدادُ تعقيداً. نحتاجُ إلى مزيدٍ منَ الوقتِ. ربما بعدَ بضعةِ أشهرٍ، أو حتى عامٍ."

صرختْ "فاطمة" بخفوتٍ، وعيناها تدمعانِ. تأجيلٌ؟ عامٌ؟ كيفَ يمكنُ لواحدٍ أنْ يُؤجلَ وعداً مقدساً هكذا؟ شعرتْ بأنَّ الأرضَ تميدُ بها. نظرتْ إلى صورةِ "أحمد" التي كانتْ موضوعةً على طاولتِها، ورأتْ في عينيهِ بريقاً غريباً، بريقاً لم تعهدْهُ من قبلُ. هل كانَ هذا هوَ الرجلُ الذي أرادَتْ أنْ تُشاركَهُ حياتَها؟

في تلكَ اللحظةِ، شعرتْ "فاطمة" بأنَّ هناكَ شيئاً ما قد انكسرَ بداخلِها. كانتْ تعتقدُ أنَّ حُبَّها لـ"أحمد" أقوى من أيِّ شيءٍ، وأنَّ علاقتَهما قائمةٌ على أساسٍ متينٍ. لكنَّ الواقعَ كانَ أشدَّ قسوةً. لقد انجرفَ "أحمد" في تيارٍ قويٍّ، تيارٌ سحبهُ بعيداً عنْ شاطئِ الوفاءِ والأمانِ.

كانتْ "فاطمة" تعرفُ أنَّ عليها أنْ تتخذَ قراراً. هل تستمرُ في انتظارِ رجلٍ ربما لن يعودَ أبداً، أو ربما عادَ وقد تغيرَ إلى الأبدِ؟ أمْ تواجهُ الحقيقةَ المؤلمةَ، وتُعيدُ بناءَ حياتِها من جديدٍ؟

في ذلكَ المساءِ، لم تتمكنْ "فاطمة" منْ النومِ. جلستْ في غرفتِها، تستمعُ إلى أنينِ الريحِ، وتُراقبُ النجومَ التي بدتْ باهتةً في سماءِ ليلِها. كانَ قلبُها مثقلاً بالحزنِ، وعقلُها مشغولاً بالأسئلةِ. هل كانتْ أوهامَ حبٍّ، أمْ حقيقةَ خيانةٍ؟

في الخارجِ، كانَ "أحمد" يضحكُ معَ أصدقائِه، يشربُ كأساً بعدَ كاسٍ، ويتحدثُ عنْ خططِهِ المستقبليةِ. لم يكنْ يفكرُ في "فاطمة" في تلكَ اللحظةِ، أو ربما كانَ يُفكرُ فيها، لكنَّ تفكيرَهُ كانَ بعيداً جداً عنْ عالمِها. كانَ عالمهُ الآنَ مليئاً بالضجيجِ، والسرعةِ، والإغراءاتِ التي جعلتْهُ ينسى كلَّ شيءٍ آخرَ.

كانَ سربُ الحمامِ الذي اعتادَ أنْ يُراقبَهُ "فاطمة" في الصباحِ، قد بدأتْ يقلُّ عددُهُ. بعضُهُ هاجرَ بحثاً عنْ غذاءٍ، وبعضُهُ الآخرُ وجدَ بيوتاً جديدةً. وكانَ قلبُ "فاطمة" يشعرُ بنفسِ الشعورِ، شعورُ الفقدِ، والفراغِ، والوحدةِ. فهل ستتمكنُ منْ لملمةِ شتاتِ روحِها، وإعادةِ بناءِ عالمِها المنهارِ؟ أمْ ستبقى حبيسةً لذكرى رجلٍ قد خانَ وعدَهُ، وخانَ حُبَّها؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%