الفصل 6 / 25

قصة حب

لَظَى الشَكِ المُتَجَذِّر

بقلم مريم الحسن

كانَ الليلُ قد أسدلَ ستائرَهُ الداكنةَ على القريةِ الهادئةِ، لكنَّ الظلامَ الحقيقيَّ لم يكنْ في الخارجِ، بل كانَ ينخرُ في روحِ "فاطمة" كالنارِ. بعدَ أنْ استقبلتْ رسالةَ "أحمد" الأخيرةَ، لم تعدْ هناكَ أيةُ خيوطٍ واهيةٍ تُبقي على أملِها. كانَ التأجيلُ الذي أعلنَهُ أشبهَ بالطعنةِ، طعنةٌ لم تأتِ منْ عدوٍّ، بل منْ أقربِ الناسِ إليها، منْ الرجلِ الذي وثقتْ بهِ، ورأتْ فيهِ مستقبلَها.

لم تستطعْ "فاطمة" أنْ تتوقفَ عنْ التفكيرِ. كلُّ كلمةٍ كتبها "أحمد" كانتْ تدورُ في رأسِها كالدومينو، تُسقِطُ معها ألفَ ذكرى، وألفَ حلمٍ. بدأتْ تُحللُ كلَّ رسالةٍ، كلَّ كلمةٍ، كلَّ حرفٍ. هل كانَ هناكَ شيءٌ فاتَها؟ هل كانتْ غافلةً عنْ حقيقةِ "أحمد"؟

كانتْ والدتُها، السيدةَ "أمينة"، تُراقبُ ابنتَها بقلقٍ متزايدٍ. لاحظتْ شحوبَ وجهِها، وقلةَ أكلِها، وسهرَها الطويلَ. حاولتْ مراراً أنْ تتحدثَ معها، لكنَّ "فاطمة" كانتْ تُجيبُ بأجوبةٍ مقتضبةٍ، أو تبتسمُ بابتسامةٍ باهتةٍ تقولُ إنَّ كلَّ شيءٍ على ما يرامٍ، وهيَ في الحقيقةِ ليستْ كذلكَ.

في إحدى الليالي، لم تستطعْ السيدةُ "أمينة" أنْ تُلزمَ الصمتَ. دخلتْ إلى غرفةِ "فاطمة" وهيَ تحملُ كوباً منَ الشايِ الدافئِ. جلستْ بجوارِها على السريرِ، وقالتْ بصوتٍ حنونٍ: "يا بنيتي، أرى الحزنَ في عينيكِ. هل لي أنْ أعرفَ ما يُشغلُ بالكِ؟"

ترددتْ "فاطمة" قليلاً، ثمَّ انهمرتْ دموعُها كالمنهمرِ. بكتْ وبكتْ، وبكتْ حتى شعرتْ بأنَّها قد أفرغتْ كلَّ ما في صدرِها. ثمَّ بدأتْ تحكي لوالدتِها عنْ كلِّ شيءٍ. عنْ حبِّها لـ"أحمد"، عنْ وعدِهِ لها، وعنْ رسائلِهِ الأخيرةِ التي بدأتْ تُثيرُ الشكوكَ.

استمعتْ السيدةُ "أمينة" بصبرٍ، ولم تقاطعْ ابنتَها. كانتْ تفهمُ أنَّ هذهِ اللحظةَ صعبةٌ على "فاطمة"، وأنَّها بحاجةٍ إلى أذنٍ صاغيةٍ وقلبٍ رحيمٍ. عندما انتهتْ "فاطمة" منْ سردِ قصتِها، احتضنتْها والدتُها بحنانٍ وقالتْ: "يا ابنتي، إنَّ هذهِ الدنيا لا تخلو منَ التجاربِ الصعبةِ. قد يكونُ "أحمد" قد وقعَ في فخٍّ، أو ربما تغيرتْ نفسُهُ. لكنْ الأهمُّ هوَ كيفَ ستتجاوزينَ هذهِ المحنةَ."

كانتْ كلماتُ والدتِها كبلسمٍ شافٍ، لكنَّ الشكَّ كانَ قد بدأَ يتجذرُ في قلبِ "فاطمة" بشكلٍ أعمقَ. لم تكنْ متأكدةً منْ نوايا "أحمد". هل كانَ بالفعلِ مُلتزماً بعلاقتِهِما، لكنَّ ظروفَ الحياةِ قد أثقلتْ كاهلَهُ؟ أمْ أنَّهُ كانَ يُحاولُ أنْ يجدَ طريقةً للهروبِ منْ وعدِهِ؟

بدأتْ "فاطمة" تتذكرُ بعضَ التفاصيلِ الصغيرةِ التي كانتْ تبدو في حينِها غيرَ مهمةٍ، لكنَّها الآنَ اكتسبتْ معنى جديداً. مثلاً، في إحدى المراتِ، سألتْهُ عنْ سببِ تأخرِهِ في الردِّ على رسالتِها، فكانَ جوابهُ غامضاً: "كنتُ مشغولاً بأمورٍ أهمُّ." وعندما سألتْهُ عنْ تفاصيلِ عملِهِ، كانَ غالباً ما يُغيرُ الموضوعَ.

لم يكنْ "أحمد" مجردَ شخصٍ عاديٍّ، بل كانَ يُعرفُ بذكائِهِ ودهائِهِ. كانتْ "فاطمة" تعلمُ أنَّهُ قادرٌ على التلاعبِ بالكلماتِ، وإخفاءِ الحقيقةِ. هذهِ الفكرةُ زادتْ منْ قلقِها. هل كانَ يُخططُ لشيءٍ ما؟

بدأتْ "فاطمة" تشعرُ بغضبٍ دفينٍ. غضبٌ تجاهَ "أحمد" لتصرفاتِهِ، وغضبٌ تجاهَ نفسها لأنها سمحتْ لنفسِها بالتعلقِ برجلٍ قد لا يستحقُّ هذا التعلقَ. شعرتْ بأنَّها قد أُهينتْ، وأنَّ مشاعرَها قد استُغلّتْ.

في أحدِ الأيامِ، وبينما كانتْ "فاطمة" تتصفحُ صندوقَ رسائلِ البريدِ الإلكترونيِّ القديمِ، وجدتْ رسالةً قديمةً من "أحمد"، أرسلها قبلَ خطبتِهما بفترةٍ قصيرةٍ. كانتْ الرسالةُ مليئةً بالحبِ والوعدِ، لكنَّ شيئاً ما لفتَ انتباهَها. كانتْ هناكَ إشارةٌ إلى "رحلةٍ عملٍ مهمةٍ" كانَ سيقومُ بها، وأنَّه سيُقابلُ فيها "شخصياتٍ مهمةٍ" قد تُغيرُ مجرى حياتِهِ.

لم تكنْ "فاطمة" قد ربطتْ هذهِ الرسالةَ بأيِّ شيءٍ في حينِها. لكنْ الآنَ، بدأتْ تُفكرُ: هل كانتْ هذهِ "الرحلةُ" هيَ بدايةَ التغييرِ؟ هل في تلكَ الرحلةِ التقى بـ"شخصياتٍ مهمةٍ" غيرتْ حياتَهُ، لكنْ ليسَ بالمعنى الذي كانتْ تأمله؟

بدأَ خيالُ "فاطمة" يُحلّقُ بعيداً. بدأتْ تتخيلُ "أحمد" في أماكنَ بعيدةٍ، معَ نساءٍ أخرياتٍ، ينسى وعدَهُ لها. هذهِ الأفكارُ كانتْ مؤلمةً، لكنَّها بدتْ منطقيةً بالنظرِ إلى تصرفاتِهِ الأخيرةِ.

لم تستطعْ "فاطمة" أنْ تبقى مكتوفةَ الأيدي. قررتْ أنْ تُحاولَ الوصولَ إلى "أحمد" بطريقةٍ مختلفةٍ. كانتْ تعرفُ أنَّ لديهِ صديقاً مقرباً في مدينتِهِ، يُدعى "خالد". كانَ "خالد" يُعرفُ بأخلاقِهِ الحسنةِ، وكانتْ "فاطمة" تأملُ أنْ يكونَ قادراً على مساعدتِها.

كتبتْ "فاطمة" رسالةً إلى "خالد"، شرحتْ فيها كلَّ ما يحدثُ، وطلبتْ منهُ أنْ يُحاولَ التحدثَ معَ "أحمد"، وأنْ يُخبرَها بالحقيقةِ. وضعتْ الرسالةَ في مظروفٍ، وذهبتْ إلى مكتبِ البريدِ، وقلبُها يخفقُ بشدةٍ. هل ستُجيبُ رسالتُها؟ هل ستُساعدُها؟

في هذهِ الأثناءِ، كانَ "أحمد" يعيشُ حياتَهُ على حافَةِ الهاويةِ. لقد أُغرقَ نفسَهُ في الديونِ بسببِ حياةِ اللهوِ التي كانَ يعيشُها. كانَ الأصدقاءُ الذينَ يُشجعونَهُ على الإنفاقِ، قد بدأوا يبتعدونَ عنهُ عندما بدأتْ أموالُهُ تنفدُ. شعرَ "أحمد" بالوحدةِ والخوفِ. بدأَ يدركُ أنَّهُ قد أضاعَ كلَّ شيءٍ، وأنَّ ما كانَ يعتبرُهُ مغامرةً، تحولَ إلى سجنٍ.

كانَ يُحاولُ أنْ يتجنبَ التفكيرَ في "فاطمة". لكنَّ صورتَها كانتْ تظهرُ لهُ في كلِّ لحظةِ ضعفٍ. كانَ يتذكرُ براءتَها، وطيبتَها، وحبَّها الصادقَ. وبدأَ يشعرُ بوخزِ الضميرِ، بوخزٍ أشدَّ منْ أيِّ وقتٍ مضى.

هل كانَ هناكَ فرصةٌ أخيرةٌ لإصلاحِ ما أفسدَ؟ هل كانَ بإمكانِهِ العودةُ إلى طريقِ الصوابِ، واستعادةُ ثقةِ "فاطمة"؟ أمْ أنَّهُ قد فاتَ الأوانُ، وأنَّ لظى الشكِّ قد أكلَ كلَّ شيءٍ جميلٍ كانَ يربطُهُ بها؟

كانتْ "فاطمة" تنتظرُ رداً منْ "خالد"، بينما "أحمد" كانَ يتخبطُ في ظلامِ أخطائِهِ. لكنَّ كلَّ واحداً منهما كانَ مُحاطاً بظلالٍ مختلفةٍ، ظلالٍ تحملُ في طياتِها إما خلاصاً، أو هلاكاً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%