قصة حب
سُحُبُ الإِعْتِرَافِ المُتَكَاثِفَة
بقلم مريم الحسن
مرتْ أيامٌ وليالٍ ثقيلةٌ على "فاطمة". كانتْ تنتظرُ ردَّ "خالد" بفارغِ الصبرِ، لكنَّ الصمتَ كانَ هوَ الجوابُ الوحيدُ. معَ كلِّ يومٍ يمرُّ، كانَ الشكُّ يتفاقمُ، وينمو بداخلِها كالنبتةِ السامةِ. بدأتْ تتساءلُ إنْ كانَ "خالد" قد تجاهلَ رسالتَها، أو ربما لم يستطعْ أنْ يفعلَ شيئاً.
في إحدى الأمسياتِ، وبينما كانتْ "فاطمة" جالسةً في حديقةِ منزلِها، تُراقبُ قطراتِ الندى تتجمّعُ على أوراقِ الوردِ، وصلَها هاتفٌ. كانتْ نبرةُ الصوتِ غريبةً، صوتُ رجلٍ لم تسمعْهُ من قبلُ.
"أهلاً بكِ، هل أنتِ السيدةُ فاطمة؟" سألَ الصوتُ.
"نعم، أنا هيَ." أجابتْ "فاطمة" بخوفٍ.
"اسمي خالد. أنا صديقُ أحمد. لقد استلمتُ رسالتَكِ."
شهقتْ "فاطمة" بارتياحٍ جزئيٍّ، لكنَّ صوتَ "خالد" كانَ يحملُ نبرةً منَ الترددِ والحزنِ. "أعلمُ أنَّكِ قلقةٌ، وأنا آسفٌ على التأخيرِ في الردِّ. لقد كانَ الأمرُ صعباً."
"ماذا حدثَ يا خالد؟" سألتْ "فاطمة" بصوتٍ مرتجفٍ. "هل أستطيعُ أنْ أثقَ بكَ؟"
"أنتِ تستطيعينَ الوثوقَ بي، يا سيدةَ فاطمة. ما سأقولُهُ لكِ سيكونُ صعباً، لكنَّ الصدقَ هوَ الحلُّ الوحيدُ." قالَ "خالد" بعمقٍ.
وبدأَ "خالد" بسردِ ما يعرفُهُ عنْ "أحمد". تحدثَ عنْ انغماسِ "أحمد" في حياةِ اللهوِ في المدينةِ، وعنْ علاقِهِ السيئةِ معَ بعضِ الأشخاصِ الذينَ سحبوهُ إلى عالمِ القمارِ والديونِ. لم يذكرْ "خالد" تفاصيلَ مُخجلةً، لكنَّ المعنى كانَ واضحاً. لقد أضاعَ "أحمد" نفسه.
"لكنْ... ماذا عنْ وعدِهِ لي؟" سألتْ "فاطمة" بصوتٍ كادَ أنْ يختنقَ.
"لقد تحدثتُ معَ أحمدَ مراتٍ عديدةٍ. حاولْتُ أنْ أُقنعَهُ بالعودةِ عنْ طريقِهِ، وبأنْ يتذكرَ وعدَهُ لكِ. لكنَّهُ كانَ مُنغمسًا تمامًا. كانَ يَعدُني بأنهُ سيتغيرُ، لكنَّهُ لم يفعلْ." قالَ "خالد" بحزنٍ.
"وهل... هل كانَ معَ نساءٍ أخرياتٍ؟" سألتْ "فاطمة" بترددٍ، وكأنها تخشى الإجابةَ.
صمتَ "خالد" للحظةٍ، ثمَّ قالَ بهدوءٍ: "لقد رأيتُهُ معَ بعضِهنَّ. لم أكنْ أرغبُ في إخباركِ، لكنَّ الحقيقةَ هيَ الحقيقةُ. لقد كانَ في حالةٍ منَ التهورِ، ولا يمكنُني تبريرُ تصرفاتِهِ."
كانتْ هذهِ الكلماتُ كالصاعقةِ. شعرتْ "فاطمة" بأنَّ ساقيها لم تعودا تحملانِها. جلستْ على أقربِ مقعدٍ، وعيناها تحدقانِ في الفراغِ. كانتْ تظنُّ أنَّها قد أعدّتْ نفسها لأسوأِ الأخبارِ، لكنَّ الحقيقةَ كانتْ أشدَّ إيلاماً مما تخيلتْ.
"ولماذا لم يقلْ لي شيئاً؟" همستْ "فاطمة". "لماذا تركني أعيشُ في وهمٍ؟"
"أحمدُ لم يكنْ قوياً بما فيهِ الكفايةِ لمواجهةِ الحقيقةِ. لقد كانَ خائفاً منْ ردِّ فعلكِ، وخائفاً منْ مواجهةِ نفسه. أعتقدُ أنهُ كانَ يأملُ أنْ تُغفرَ لهُ أخطاؤهُ إذا عادَ في النهايةِ." قالَ "خالد" بأسفٍ.
"لكنَّه لم يعدْ. ولم يُحاولْ أنْ يُصلحَ ما أفسدَ. كلُّ ما فعلهُ هوَ أنْ يطلبَ المزيدَ منَ الوقتِ." قالتْ "فاطمة" والصوتُ يرتعشُ.
"أعلمُ أنَّ الأمرَ مؤلمٌ، يا سيدةَ فاطمة. لكنْ يجبُ عليكِ أنْ تفهمي أنَّ هذهِ ليستْ نهايةَ العالمِ. إنَّ اللهَ رحيمٌ، وسيعوضُكِ خيراً." قالَ "خالد" محاولاً أنْ يُطمئنَها.
بعدَ انتهاءِ المكالمةِ، شعرتْ "فاطمة" بأنَّها قد فقدتْ كلَّ شيءٍ. لم يكنْ الأمرُ مجردَ فشلٍ في علاقةٍ، بل كانَ انهياراً لعالمٍ بأكملِهِ. لقد وهبتْ قلبَها لهذا الرجلِ، وثقتْ بهِ، ورسمتْ معهُ مستقبلاً. والآنَ، كلُّ ذلكَ قد تبخرَ.
عادتْ إلى غرفتِها، وجلستْ أمامَ خزانةِ ملابسِها. فتحتها، ورأتْ الثوبَ الأبيضَ الذي اشترتْهُ لها والدتُها استعداداً ليومِ زفافِها. حملتْ الثوبَ بينَ يديها، وشعرتْ ببرودتِهِ. هل سيبقى هذا الثوبُ مجردَ ذكرى لحلمٍ لم يتحقق؟
لم تستطعْ "فاطمة" البكاءَ. كانتْ تشعرُ بأنَّ دموعَها قد جفّتْ. كانَ هناكَ شعورٌ بالفراغِ، والوحدةِ، والغضبِ. غضبٌ لاذعٌ لم تستطعْ السيطرةَ عليهِ.
في هذهِ الأثناءِ، كانَ "أحمد" قد وصلَ إلى نقطةِ الانهيارِ. لقد طُردَ منْ عملِهِ، وأصبحَ مديوناً لأشخاصٍ خطيرينَ. كانَ يشعرُ بأنهُ مُحاصرٌ، وأنَّ لا مخرجَ لهُ. في لحظةِ يأسٍ، قررَ أنْ يطلبَ المساعدةَ منْ شخصٍ واحدٍ فقطْ: "خالد".
اتصلَ "أحمد" بـ"خالد"، وكانَ صوتهُ متعباً ومُرتعشاً. "يا خالد، أنا في ورطةٍ كبيرةٍ. أحتاجُ إلى مساعدتِكَ. لقد أفسدتُ كلَّ شيءٍ."
"لقد تحدثتُ معَ فاطمةَ اليومَ، يا أحمد." قالَ "خالد" ببريقٍ منَ الأملِ الممزوجِ بالأسفِ.
صُدمَ "أحمد". "ماذا قلتَ لها؟" سألَ بذعرٍ.
"قلتُ لها الحقيقةَ. لقد كانتْ قويةً، لكنَّها متألمةٌ." أجابَ "خالد".
"لا، لا! لم أكنْ أريدُ أنْ تعرفَ هكذا!" صرخَ "أحمد". "لقد أفسدتُ كلَّ شيءٍ."
"أنتَ منْ أفسدتَ كلَّ شيءٍ، يا أحمد. لقد أعطيتَكِ فرصةً لتصحيحِ الأمورِ، لكنكَ لم تستغلّها." قالَ "خالد" بنبرةٍ حازمةٍ.
"هل... هل ما زالَ هناكَ أملٌ؟" سألَ "أحمد" بصوتٍ متوسلٍ.
"الأملُ موجودٌ دائماً، يا أحمد، لكنْ يجبُ أنْ تُصبحَ رجلاً وتتحملَ مسؤوليةَ أفعالِكَ. يجبُ أنْ تُواجهَ الحقيقةَ، وتُحاولَ أنْ تُصلحَ ما أفسدتَ. لكنْ تذكرْ، أنَّ الثقةَ التي خسرتَها منْ فاطمةَ، قد لا تستعيدُها أبداً." قالَ "خالد" قبلَ أنْ يُنهيَ المكالمةَ.
جلسَ "أحمد" على الأرضِ، وشعرَ بالبردِ يغزو عظامَهُ. لقد أدركَ أخيراً حجمَ خطئِهِ. لم يكنْ الأمرُ مجردَ إغراءاتٍ عابرةٍ، بل كانَ خيانةً لكلِّ ما هوَ مقدسٌ.
في هذهِ الليلةِ، كانتْ "فاطمة" تبكي بصمتٍ، بينما "أحمد" كانَ يواجهُ شبحَ أخطائِهِ. لكنْ هل كانَ هذا الاعترافُ كافياً لإعادةِ بناءِ ما تهدمَ؟ أمْ أنَّ سحبَ الاعترافِ قد جلبتْ معها عاصفةً ستُغيرُ مسارَ حياتِهما إلى الأبدِ؟