الفصل 9 / 25

قصة حب

همس الياسمين في ليالي الرياض

بقلم مريم الحسن

كانت ليالي الرياض تحتضن أسرارها بهدوء، تتناثر فيها نجوم السماء كحبّات لؤلؤ مصقولة على قماش مخملي داكن. في منزل الحاج أحمد، كانت الأجواء تكتسي بالسكينة، لكنّ داخل روح ابنه، عبد الرحمن، كانت تعصف ريحٌ لا تهدأ. لم يعد الشاب الذي اعتاد الهدوء والرصانة، بل أصبح شبحًا يطوف بين أروقة الحياة، قلبه مأسورٌ بصورةٍ واحدةٍ، واسمٌ يتردد في حنايا صدره كترنيمةٍ مقدسة: "لمياء".

اجتمع شمل العائلة على مائدة العشاء، وكان الصمت يخيم على عبد الرحمن، يحدّق في طبقه وكأنّه يبحث عن إجاباتٍ بين حبات الأرز. ابتسمت والدته، أمينة، بحنانٍ وهي تمد يدها لتلمس ذراعه: "يا بني، هل أنت بخير؟ تبدو شارد الذهن منذ أيام."

انتفض عبد الرحمن قليلاً، ثم أجاب بصوتٍ مكتوم: "نعم يا أمي، لا تقلقي. مجرد بعض الضغوط في العمل."

كانت عيناه تبحثان عن ردة فعل أبيه، الحاج أحمد، الذي كان يراقب ابنه بحدّةٍ وفطنة. لم يكن الحاج أحمد رجلًا يسهل خداعه، فقد عاش تجارب الحياة ورأى ما وراء الأقنعة. همس بصوتٍ عميق: "العمل مهم يا عبد الرحمن، ولكنه ليس كل شيء. راحة البال أهم. هل هناك ما يشغل بالك حقًا؟"

أحسّ عبد الرحمن بوطأة نظرة أبيه، وتمنى لو يجد الكلمات المناسبة ليعبر عن مكنوناته دون أن يثير قلقهم أو يعرض لمشاعر قد لا تكون في محلها بعد. ردّ مترددًا: "لا شيء يا أبي، فقط بعض التفكير في المستقبل."

تدخلت أخته الصغرى، سارة، بطفوليةٍ بريئة: "عمر، أخي الأكبر، قال إنّ عبد الرحمن يتحدث كثيرًا عن فتاةٍ جميلةٍ جدًا، اسمها لمياء. هل هذا صحيح يا أخي؟"

تلون وجه عبد الرحمن بلونٍ ورديٍ خفيف، وشعر بحرارةٍ تسري في عروقه. لم يكن يتوقع أن تفشي سارة سره بهذه السهولة. نظر إلى أمه التي ابتسمت ابتسامةً واسعة، ثم إلى أبيه الذي رفع حاجبيه بدهشةٍ ممزوجةٍ بالفضول.

قال الحاج أحمد بهدوءٍ: "لمياء؟ من هذه الفتاة يا عبد الرحمن؟ هل تعرفها عائلتنا؟"

تنهد عبد الرحمن وأخذ نفساً عميقاً. حان الوقت. قال بصوتٍ بات أكثر ثباتاً: "إنها ابنة عم صالح، من العائلة التي نعرفها. تعرفونها جيداً، الحاجة فاطمة. لقد التقيت بها مؤخراً في مناسبةٍ عائلية، وشعرت بارتياحٍ كبيرٍ تجاهها. هي فتاةٌ على خلقٍ ودين، ذكيةٌ ولطيفة."

أخذ الحاج أحمد استراحةً قصيرة، ثم نظر إلى زوجته: "الحاجة فاطمة؟ نعم، أعرفها. سمعتها طيبة. وابنتها؟ هل رأيتها من قبل؟"

قالت أمينة: "نعم يا أحمد، رأيتها قبل سنواتٍ قليلة. كانت فتاةً مؤدبةً وهادئة. إذا كانت قد كبرت على نفس الخلق، فهي خيرٌ لمن يطلبها."

تبادل الحاج أحمد وأمينة نظراتٍ تحمل الكثير من المعاني. كانت فكرة زواج عبد الرحمن تراودهم منذ زمن، ورؤية ابنهم يجد في فتاةٍ من بيئةٍ قريبةٍ منهم، ومن أسرةٍ طيبة، أمرٌ يسعدهم.

قال الحاج أحمد: "إذاً، يبدو أنّ الأمر يستحق النظر فيه بجدية. هل فكرت في الخطوة التالية يا عبد الرحمن؟"

أجاب عبد الرحمن بحماسٍ دفين: "نعم يا أبي. كنت أودّ أن أستأذنك في التقدم لخطبتها رسميًا. أعتقد أنّها الفتاة التي أردتها لزوجةٍ وشريكة حياة."

ابتسم الحاج أحمد ابتسامةً أبويةً صافية: "الحمد لله. إذا كان هذا ما تريده، وإذا كانت هي ترضى، فسندعمك بكل قوتنا. غداً سأتحدث مع صالح. نسأل الله أن يتمم لنا على خير."

في تلك الليلة، لم ينم عبد الرحمن. لم تكن هيامًا طائشًا، بل كانت صحوةً لقلبٍ كان غافلًا، إحساسًا بأنّ الحياة قد بدأت تكتسب لونًا ومعنى. تخيل لمياء، ضحكتها الهادئة، صوتها الرقيق، وكلماتها المعبرة. شعر وكأنّ نصًا جميلًا قد كُتب له، وأنّ رحلةً جديدةً على وشك البدء.

وفي زاويةٍ أخرى من الرياض، في منزل الحاج صالح، كانت لمياء تتحدث مع والدتها، الحاجة فاطمة. كانت عيناها تلمعان ببريقٍ لم تعرفه من قبل.

قالت الحاجة فاطمة: "يا ابنتي، عبد الرحمن بن الحاج أحمد، شابٌ فاضلٌ وخلوق. إذا كان يطلب يدك، فليس هذا بالأمر المستغرب. سمعته طيبةٌ في جميع الأوساط."

ابتسمت لمياء بخجل: "أمي، لقد شعرت براحةٍ غريبةٍ نحوه عندما رأيته. كلماته كانت مؤثرة، وأخلاقه رفيعة. لم أتوقع أن يكون مهتمًا بي بهذا الشكل."

ردت الحاجة فاطمة: "القلوب عند بعضها يا ابنتي. إذا أحبّ القلب، بارك الله في هذا الحب. سيتحدث معك الحاج أحمد غدًا، وستكون الأمور واضحة. عليكِ أن تدعي الله أن يكتب لكِ الخير."

شعرت لمياء بسعادةٍ غامرة، مزجت بين الخوف والترقب. كانت تعلم أنّ الزواج قسمةٌ ونصيب، وأنّها وضعت ثقتها في الله. لكنّ الشعور بأنّ هذا الشاب الذي رأته وارتياحها له، يبادلها نفس الشعور، كان كافيًا لتبديد أي قلق.

كانت النجوم تتلألأ فوق الرياض، شاهدةً على بدايات قصص حبٍ نبيلة، قصصٌ تُنسج بخيوطٍ من الوفاء، والاحترام، ورضا الله. في هذه الليلة، لم تكن الرياح فقط هي التي تهب في الصحراء، بل كانت مشاعرٌ جديدةٌ تتشكل، ووعودٌ خفيةٌ تُحاك في غزلٍ سماويٍ جميل.

في صباح اليوم التالي، استيقظ عبد الرحمن بقلبٍ خفيفٍ وروحٍ مشرقة. لقد اتخذ خطوةً كبيرة، خطوةً أدرك أنها ستغير مسار حياته. في طريقه إلى العمل، مرّ بسيارته أمام منزل الحاج صالح، توقف للحظةٍ وشاهد نافذةً مضاءة، وتساءل ما إذا كانت لمياء قد استيقظت، وماذا تفكر. شعر بمسؤوليةٍ كبيرةٍ تقع على عاتقه، مسؤولية بناء أسرةٍ على أسسٍ سليمة.

عندما وصل الحاج أحمد إلى مجلسه، وجد الحاج صالح ينتظره. تبادلا السلام، ثم بدأ الحاج أحمد بالحديث: "أخي صالح، جئت اليوم لأطلب يد ابنتك الفاضلة، لمياء، لابني عبد الرحمن. رأيت فيهما الخير، وأرى أنّ هذا الزواج سيكون فيه بركةٌ للجميع."

ابتسم الحاج صالح ابتسامةً واسعة، وقال: "أخي أحمد، ما تفكر فيه هو ما يفكر فيه قلبي. لمياء ابنتي، وهي تسأل عن عبد الرحمن منذ أن رأته. إذا كان عبد الرحمن هو من تريده، فليس لديّ ما أقول إلا: بارك الله لكما، وأتمم لكما على خير. سأحدث لمياء وأبلغها."

ارتسمت ابتسامةٌ عريضةٌ على وجه الحاج أحمد، وشعر بالراحة والامتنان. لقد بدأت الأمور تأخذ مجراها الصحيح، وبدأت خيوط القصة تتلاحم.

عندما أخبر الحاج صالح لمياء برغبة عبد الرحمن، غمرها الفرح. شعرت وكأنّ كل شيءٍ في حياتها قد اكتسب معنىً جديدًا. كانت هذه بدايةٌ جميلة، بدايةٌ واعدة، وبدايات الحب الحقيقي دائمًا ما تكون محفوفةً بالأمل والرجاء.

كانت الشمس قد ارتفعت في سماء الرياض، ناشرةً أشعتها الذهبية على المدينة، وكأنها تبشر بعهدٍ جديدٍ من الحب والبركة. لم تكن مجرد مصادفة، بل كانت إرادةً إلهيةً تنسج خيوط القدر، وترسم مسارات القلوب نحو بعضها البعض.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%