الزوج الكريم الجزء الثاني

شفقٌ على أفقٍ بلقيس

بقلم سارة العمري

كان الهواءُ في "واحةِ الروحِ" ثقيلاً، محمّلاً بعبقِ النَّدَى المخلوطِ برائحةِ الترابِ النديِّ بعدَ غيمةٍ عابرةٍ لم تُروِ العطشَ حقاً. فوقَ رمالِ صحراءٍ تمتدُّ إلى ما لا نهاية، تتنفسُ الواحةُ بصعوبة، شجرُها اليابسُ يحتضرُ بصمت، وجداولُها الجافةُ تشهدُ على ذِكرى حياةٍ خلت. في قلبِ هذا المشهدِ الباهت، وقفتْ بلقيس، بشعرِها الأسودِ الطويلِ المنسدلِ على كتفيها، وعينيها اللوزيتينِ اللتينِ تحملانِ بريقاً من عنادٍ وتحدٍّ. كانتْ ترتدي جلباباً بلونِ الرمال، يتناغمُ معَ محيطِها، لكنَّ روائحَ عطرٍ خفيفٍ تفوحُ منها، كأنها شذى زهرةٍ بريةٍ اختارتْ أنْ تزهرَ رغمَ قسوةِ المكان.

كانتْ تُعدُّ حقائبَ السفرِ بمهارةٍ ودقة، كلُّ قطعةٍ توضعُ في مكانها بعنايةٍ فائقة. لم يكنْ رحيلُها عادياً؛ كانَ هروباً، وتعلُّقاً بأملٍ ضعيفٍ في مستقبلٍ لا تعرفُ ملامحَهُ. صوتُ والدتها، أمَّينة، اخترقَ سكونَ الغرفة، وهيَ واقفةٌ على عتبةِ الباب، وقدِ امتلأتْ عيناها بدموعٍ لم تستطعْ حبسَها: "يا ابنتي، ألا ترينَ أنَّ هذا الجنون؟ تتركينَ كلَّ شيءٍ ورائكِ، وتذهبينَ إلى المجهولِ من أجلِ سراب؟"

توقفتْ بلقيس، وأدارتْ ظهرَها لعملِها، وواجهتْ والدتها بابتسامةٍ باهتةٍ حاولَتْ أنْ تُخفي بها قلقَها: "يا أمي، إنهُ ليسَ سراباً. إنهُ وعدٌ، وقدْ حملتُه في قلبي طويلاً. أنتِ تعرفينَ ما يعنيهِ هذا."

"أعرفُ أنَّ القلبَ قدْ يتعلَّقُ بأشياءَ واهية،" قالتْ أمينة، بصوتٍ يرتجفُ، "لكنَّكِ ابنتي، وأخافُ عليكِ. الأمانُ في هذهِ الأرضِ، بينَ أهلِنا. ما الذي ستجدينَهُ هناكَ، في بلادٍ لا تعرفينَ أحداً فيها، ولا يعرفونَكِ؟"

اقتربتْ بلقيسُ منْ والدتها، واحتضنتْها بحنانٍ، ولامستْ جبينَها بيدٍ مرتجفةٍ قليلاً: "يا أمي، الأمانُ ليسَ مكاناً، بلْ شعورٌ، إحساسٌ بالألفةِ والراحة. وقدْ وجدْتُ هذا الشعورَ في حديثٍ واحدٍ، في رسالةٍ واحدةٍ قرأتُها، وفي صوتٍ واحدٍ سمعتُه. إنهُ رجلٌ يشبهُ النخيلَ في عزِّ الصحراء، شامخٌ، صامدٌ، لكنَّ ظلالَهُ واسعةٌ وجوهرَهُ فيهِ حياةٌ تتجدد. إنهُ يوسف."

تنهدتْ أمينة، ولمْ تستطعْ منعَ دمعةٍ أخرى منْ الانحدارِ على خدِّها. كانتْ تعرفُ مدى تعلقِ ابنتِها بهذا الرجلِ الذي لمْ تقابلْهُ سوى عبرَ الرسائلِ والصوتِ المسجل. يوسف، المهندسُ الشابُّ الذي يعملُ في الخارج، والذي تبادلَ معَ بلقيسَ أطرافَ الحديثِ لسنواتٍ عبرَ شبكةِ الإنترنت، ثمَّ تطوَّرتْ الأمورُ إلى رسائلَ أعمقَ، ثمَّ إلى عروضِ زواجٍ جادَّةٍ منْ طرفِهِ. عرضٌ جاءَ كالنَّجمِ الساطعِ في سماءِ حياتِها المعتادة.

"أتمنّى منْ كلِّ قلبي يا ابنتي أنْ يكونَ ظنُّكِ في محلِّه،" قالتْ أمينة، وعيناها تتسعانِ وهما تنظرانِ إلى حقائبِ السفرِ المكدسةِ على الأرض. "لكنَّ القلبَ إذا تعلَّقَ بشيءٍ، رأى فيهِ كلَّ ما يتمنَّى، حتى لو كانَ خيالاً."

"لنْ أخذلَكِ يا أمي، ولنْ أخذلَ نفسي،" وعدتْ بلقيس، بصوتٍ قويٍّ رغمَ حزنِ الفراقِ الذي بدأَ يغلغلُ إلى قلبِها. "سأرسلُ لكِ كلَّ يومٍ، وسأتصلُ بكِ. وسنكونُ معاً، وإنْ كنتُ بعيدة."

كانتْ حقائبُ بلقيسَ رمزاً لبدايةٍ جديدة، لرغبةٍ جامحةٍ في تغييرِ مسارِ حياةٍ بدتْ لها وكأنها قدْ قُدِّرَتْ عليها. في الواحةِ، حيثُ الوجودُ مجردُ بقاءٍ على قيدِ الحياة، أرادَتْ بلقيسُ أنْ تعيشَ حقاً، أنْ تشعرَ بنبضِ الحياةِ في شرايينِها. وصوتُ يوسف، الذي سمعتهُ مرةً في تسجيلٍ صوتيٍ أرسلهُ لها، كانَ يترددُ في أذنيها كاللحنِ الشجيِّ الذي يعزفُ عنْ الأملِ والوعد.

"أتذكرينَ يا أمي، عندما كنتُ صغيرةً، وكنتِ تحكينَ لي قصصَ الأمسيات؟" سألتْ بلقيس، وعيناها تلمعانِ بذكرى بعيدة. "كنتِ تخبرينني عنْ بلقيسَ ملكةِ سبأ، وعنْ حكمتِها، وعنْ قصصِ حبِّها العظيمة. الآنَ، قدْ أصبحتُ بلقيسُ الأخرى، التي تبحثُ عنْ مملكتِها، وعنْ حبِّها."

ابتسمتْ أمينةُ ابتسامةً مرة، ثمَّ قالتْ: "لكنَّ ملكةَ سبأ كانتْ حكيمةً، ولمْ تكنْ مندفعَةً. لقدْ فكَّرَتْ جيداً قبلَ أنْ تخطوَ أيَّ خطوة."

"وهلْ تعتقدينَ أنَّني لمْ أفكِّرَ؟" ردَّتْ بلقيسُ، وصوتُها فيهِ نبرةُ تأكيدٍ. "لقدْ فكَّرْتُ، يا أمي. فكَّرْتُ كثيراً. وهذهِ الخطوةُ هيَ خلاصةُ تفكيري. إنْ كانتْ هناكَ أيُّ غيمةٍ ستحملُ لي المطرَ، فهيَ غيمةٌ تأتي منْ حيثُ يأتي صوتُ يوسف."

لمْ يستطعْ قلبُ أمينةَ أنْ يتحمَّلَ ثقلَ قرارِ ابنتِها. لقدْ رأتْ في عينيها إصراراً لا يُلَيَّن، وعزيمةً تفوقُ كلَّ محاولاتِها لإقناعِها بالبقاء. في هذهِ اللحظة، لمْ يكنْ أمامَها سوى الدعاءِ. "اللهُ معكِ يا ابنتي. ربي يحميكِ ويحفظُكِ. إنْ كانَ فيهِ خيرٌ لكِ، فليكنْ."

بعدَ احتضانٍ طويلٍ ووداعٍ مؤثر، خرجتْ بلقيسُ منْ منزلِها، وحقائبُها بينَ يديها. الهواءُ الصباحيُّ الباردُ لمْ يُخفِّفْ منْ لظى الشوقِ والحنينِ الذي بدأَ يعشعشُ في قلبِها. نظرتْ إلى السماءِ الزرقاءِ الصافية، التي تذكرُها بصفاءِ قلبِ يوسف، كما تصورتهُ. كانتْ رحلتُها طويلة، لكنَّها كانتْ مليئةً بالإيمانِ بأنَّ ما ينتظرُها يستحقُّ كلَّ هذا العناء.

وقفتْ عندَ مدخلِ الواحة، حيثُ بدأتْ الرمالُ تتمددُ بلا نهاية. شعرتْ وكأنها تقفُ على حافةِ العالم، تستعدُّ للقفزِ إلى عالمٍ آخر. صوتُ سيارةِ الأجرةِ قادمٍ منْ بعيدٍ كانَ نذيراً بأنَّ لحظةَ الرحيلِ قدْ حانت. آخرُ نظرةٍ ألقتْها على منزلِها، وعلى أمِّها واقفةٍ عندَ البابِ، كانتْ تحملُ وعداً بالعودة، وبخبرٍ سعيدٍ يليقُ ببنتِها.

"السلامُ عليكم،" قالتْ لشخصٍ كانَ ينتظرُها عندَ مركبةٍ صغيرةٍ قديمة. كانَ السائقُ رجلاً مسناً، ملأَ وجهَهُ تجعُّدُ السنينِ وشمسُ الصحراء. "وعليكم السلام ورحمةُ اللهِ وبركاتُه،" أجابَ السائقُ بصوتٍ عميقٍ ووديع. "هلْ أنتِ السيدةُ بلقيس؟" "نعم، أنا هيَ،" أجابتْ بلقيسُ، وهيَ تضعُ حقائبَها في صندوقِ السيارة. "هلْ أنتَ مستعدٌّ للانطلاق؟" "أنا رهنُ إشارتِكِ، يا ابنتي. إلى أينَ تريدينَ الذهاب؟" "إلى المطار،" قالتْ بلقيسُ، وهيَ تستعدُّ للصعودِ إلى السيارة. "وهناك، ستبدأُ قصتي الحقيقية."

جلستْ بلقيسُ في المقعدِ الخلفي، ونظرتْ منْ النافذةِ إلى الواحةِ وهيَ تتلاشى خلفَها. شعرتْ بقلبِها يخفقُ بشدة، مزيجٌ منَ الخوفِ والفرحِ والأمل. كانتْ ترحلُ إلى بلدٍ غريب، لمْ ترَ صورتهُ إلا في الإنترنت، ولمْ تسمعْ عنْه إلا منْ يوسف. لكنَّ ثقتها فيهِ كانتْ أقوى منْ أيِّ خوف. كانتْ تعرفُ أنَّ يوسفَ ينتظرُها، وأنَّه قدْ أعدَّ لها كلَّ شيء.

نظرتْ إلى هاتفِها، وفتحتْ رسالةً قديمةً منْ يوسف. كانتْ تقولُ: "بلقيس، أنتِ الأملُ الذي انتظرْتُه. أنتِ الشفقُ الذي سيعلنُ فجرَ حياتي. أنا في انتظارِكِ، يا نبضَ قلبي."

ابتسمتْ بلقيسُ، وشعرتْ بكلماتِهِ تزرعُ الطمأنينةَ في قلبِها. كانتْ تعلمُ أنَّ هذا اللقاءَ هوَ بدايةٌ جديدة، وأنَّ هناكَ الكثيرَ منَ التحدياتِ في الطريق، لكنَّها كانتْ مستعدةً لمواجهةِ كلِّ شيءٍ منْ أجلِ هذا الحبِّ الذي نبتَ في أرضِ الوهمِ، وتعهَّدَتْ الآنَ أنْ يزهرَ في واقعٍ جديد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%