الزوج الكريم الجزء الثاني

شمسٌ تغيب وأخرى تولد

بقلم سارة العمري

جلستْ الأيامُ تتساقطُ كأوراقِ الخريفِ الهشةِ، كلٌ منها يحملُ ثقلاً من الذكرياتِ وأملاً مشوباً بالترقب. في منزلِ العمِّ أحمد، كانتْ نسماتُ الحياةِ تتغيرُ ببطءٍ، كأنها تستعدُّ لعاصفةٍ خفيةٍ أو بشيرِ ربيعٍ قادم. عادَ عبدُ الرحمنِ من رحلتهِ الاستكشافيةِ في ربوعِ بلادِ الشام، حاملًا معه عبقَ التاريخِ ورائحةَ التوابلِ الأصيلةِ، وبعضَ الهدايا البسيطةِ التي تعكسُ ذوقَهُ الرفيعَ واهتمامهَ بمن حولهُ.

كانتْ ليلى تنتظرُ عودتهُ بلهفةٍ مكتومةٍ. لم تكنْ تلكَ اللهفةُ كما كانتْ في السابق، فقدْ طرأتْ تغيراتٌ عميقةٌ على قلبها، نبتتْ من جذورِ الألمِ والتعلمِ. كانتْ رحلةُ عبدِ الرحمنِ فرصةً لها لتعيدَ ترتيبَ أوراقِ حياتها، ولتُعيدَ النظرَ في طموحاتها وعلاقاتها. لم تعدْ تلكَ الفتاةَ التي اعتمدتْ على الآخرينَ لتمهدَ لها الطريقَ، بل أصبحتْ تشعرُ بقوةٍ داخليةٍ تنمو، قوةٌ مستقاةٌ من مواجهةِ الصعابِ.

بينما كانَ عبدُ الرحمنِ يفرغُ حقائبَهُ، لمحتْ عيناهُ صندوقاً صغيراً مزيناً بنقوشٍ هندسيةٍ دقيقةٍ. رفعهُ بحذرٍ، وشعرَ بثقلهِ. كانتْ ليلى قدْ أعدتهُ لهُ كهديةِ ترحيبٍ. فتحهُ ليجدَ بداخلهِ كتاباً قديماً بخطٍ عربيٍ أصيلٍ، يتحدثُ عن تاريخِ الأندلسِ، وإلى جانبهِ قطعةٌ فضيةٌ تحملُ نقشَ آيةٍ قرآنيةٍ تزينهُ. ابتسمَ عبدُ الرحمنِ، وارتسمتْ على وجههِ علاماتُ الرضا. لقدْ كانتْ ليلى تعرفُ كيفَ تُفاجئهُ، وكيفَ تلامسُ شغفهُ بالمعرفةِ والتاريخِ.

في تلكَ الأثناءِ، كانَ أحمدُ، والدُ ليلى، يقضي وقتاً أطولَ في مكتبهِ. لم تعدْ الاجتماعاتُ والصفقاتُ تأخذُ كلَّ وقتهِ. كانَ يراجعُ بعضَ الوثائقِ القديمةِ، ويبحثُ عن شيءٍ مفقودٍ. كانتْ نظراتهُ تحملُ شاردةً، وغالباً ما كانَ يمسكُ بقلادتهِ الفضيةِ التي يرتديها دائماً، يمررُ أصابعهُ على النقوشِ الباهتةِ عليها، كأنهُ يبحثُ عن إجاباتٍ لا يجدها إلا في الماضي.

فاطمةُ، زوجةُ أحمد، لاحظتْ تغيرَ زوجها. كانتْ ترى الحزنَ يرتسمُ على عينيهِ أحياناً، والشرودَ يخيمُ على تفكيره. حاولتْ مراراً أنْ تستدرجَهُ للحديثِ، لكنهُ كانَ يكتفي بابتسامةٍ باهتةٍ وكلماتٍ قليلةٍ. لقدْ اعتادتْ منهُ القوةَ والصراحةَ، وكانَ هذا الصمتُ الغريبُ يقلقها. كانتْ تعلمُ أنَّ هناكَ شيئاً في ماضيهِ لمْ يتمكنْ منْ تجاوزه.

على الجانبِ الآخرِ، كانتْ أمينةُ، ابنةُ عمِ عبدِ الرحمنِ، تبدأُ في الشعورِ ببعضِ القلقِ. كانتْ تتوقعُ أنْ يزورها عبدُ الرحمنِ بعدَ عودتهِ، كعادتهِ. كانتْ تحضرُ لهُ دائماً ما يحبُّ منْ حلوياتٍ وشرابٍ، وكانتْ تستمتعُ بالحديثِ معهُ في أمورِ الدينِ والأخلاقِ. لكنهُ لمْ يأتِ. لمْ يتصلْ بها. شعرتْ بشيءٍ منْ البرودِ في سلوكهِ، إنْ كانَ هناكَ سلوكٌ أصلاً.

في إحدى الأمسياتِ، بينما كانتْ ليلى تساعدُ والدتها في ترتيبِ غرفةِ الضيوفِ، سمعتْ صوتاً قادماً منْ مكتبِ والدها. اقتربتْ بحذرٍ، لتجدَ والدها جالساً على كرسيهِ، ورأسهُ بينَ يديهِ، وظهرهُ منحنيٌ كأنهُ يحملُ ثقلاً لا يُحتمل. لمْ تسمعْ منهُ سوى شهقةٍ مكتومةٍ. دخلتْ الغرفةَ ببطءٍ، وسألتهُ بصوتٍ حنونٍ: "أبي؟ هلْ أنتَ بخير؟"

انتفضَ أحمدُ مفزوعاً، ثمَّ رفعَ رأسهُ، وبدتْ عيناهُ حمراوينِ. قالَ بصوتٍ متقطعٍ: "ليلى؟ ماذا تفعلينَ هنا؟" "كنتُ أرى أنكَّ لستَ على ما يرام، يا أبي. هلْ حدثَ شيءٌ؟" نظرَ إليها طويلاً، ثمَّ تنهدَ قائلاً: "أخشى أنْ تكونَ الحقيقةُ قدْ بدأتْ تظهرُ، يا ابنتي. وأخشى أنْ تكونَ هذهِ الحقيقةُ أثقلَ مما نتخيل." لمْ تفهمْ ليلى ما كانَ يقصدهُ، لكنها شعرتْ بقشعريرةٍ تسري في جسدها. إنَّ نظرةَ والدها، وكلماتهِ الممزوجةَ بالحزنِ، تشي بأنَّ الأمورَ ليستْ كما تبدو.

في وقتٍ لاحقٍ منْ تلكَ الليلةِ، بينما كانَ عبدُ الرحمنِ جالساً في شرفتهِ يتأملُ النجومَ، وصلتهُ رسالةٌ نصيةٌ منْ رقمٍ مجهولٍ. فتحها بفضولٍ، ليجدَ فيها عبارةً واحدةً: "الحقيقةُ أقربُ إليكَ مما تظنُّ، وأنَّ منْ كنتَ تظنُّ أنكَ تعرفهُ، هوَ الآخرُ ليسَ كما يبدو." شعرَ عبدُ الرحمنِ بالذهولِ. منْ يمكنُ أنْ يكونَ هذا الشخصُ؟ وماذا يقصدُ بهذهِ الرسالةِ؟ هلْ لها علاقةٌ برحلاتهِ الأخيرةِ؟ أمْ أنَّ الأمرَ أعمقُ منْ ذلك؟ لقدْ تذكرَ حديثاً قديماً معَ والدهِ عنْ أسرارٍ عائليةٍ، لكنهٌ لمْ يلتفتْ إليها حينها. الآنَ، بدأتْ تلكَ الكلماتُ تتشكلُ في ذهنهِ، وتُثيرُ لديهِ شكوكاً عميقةً.

كانَ يوماً مليئاً بالتغيراتِ الخفيةِ، ببذورِ الشكِ التي بدأتْ تنبتُ، وبالحقائقِ التي بدأتْ تزحفُ نحو السطحِ. عالمُ ليلى وعبدِ الرحمنِ، الذي بدا مستقراً بعضَ الشيءِ، كانَ يواجهُ رياحاً جديدةً، رياحٌ قدْ تُغيرُ مسارَ حياتهمَا إلى الأبدِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%