الزوج الكريم الجزء الثاني

خيوطٌ متشابكةٌ في سراديبِ الماضي

بقلم سارة العمري

تسللتْ شمسُ الصباحِ الدافئةُ عبرَ نوافذِ بيتِ آلِ السعيدِ، لتُوقظَ النائمينَ على همومٍ وأسرارٍ بدأتْ تستيقظُ معها. في غرفةِ ليلى، كانتْ الفتاةُ قدْ استيقظتْ قبلَ بزوغِ الفجرِ. لمْ تجدْ للنومِ سبيلاً بعدَ حديثِ والدها المثيرِ للقلقِ. جلستْ تتأملُ ضوءَ القمرِ الخافتِ الذي ما زالَ يغالبُ نورَ الشمسِ، وعقلها مشغولٌ بكلماتِ والدها: "الحقيقةُ قدْ تكونُ أثقلَ مما نتخيل."

ما هيَ هذهِ الحقيقةُ؟ ومنْ هوَ الشخصُ الذي لمْ تعدْ تعرفهُ؟ هلْ تقصدُ والدتها؟ أمْ أنها تعني شخصاً آخرَ؟ بدأتْ ليلى تُعيدُ ترتيبَ الأحداثِ في ذهنها، محاولةً ربطَ الخيوطِ المتناثرةِ. تذكرتْ كيفَ كانَ والدها دائماً حذراً جداً في الحديثِ عنْ ماضيهِ، وكيفَ كانَ ينتابهُ شرودٌ مفاجئٌ عندَ ذكرِ أسماءَ قديمةٍ. هلْ كانَ يخشى منْ شيءٍ؟ أمْ أنهُ كانَ يحاولُ حمايتها منْ حقيقةٍ مؤلمةٍ؟

في بيتِ العمِّ أحمد، كانَ عبدُ الرحمنِ قدْ قضى ليلةً مضطربةً. الرسالةُ النصيةُ ما زالتْ عالقةً في ذهنهِ، تُعيدُ إلى ذاكرتهِ همساتٍ سمعها في طفولتهِ عنْ قصةٍ لمْ يفهمْ تفاصيلها، عنْ خلافٍ عائليٍ قديمٍ. هلْ تتعلقُ هذهِ الرسالةُ بتلكَ القصصِ؟ أمْ أنها مجردُ تخويفٍ لا أساسَ لهُ؟

قررَ عبدُ الرحمنِ أنْ يتحدثَ معَ والدهِ. كانَ والدهُ، الحاجُّ محمود، رجلاً حكيماً وصادقاً، وكانَ دائماً مصدرَ ثقةٍ لهُ. وجدهُ يجلسُ في المصلى، يرتلُ القرآنَ بصوتٍ خاشعٍ. جلسَ بجانبهِ، وانتظرَ حتى فرغَ منْ صلاتهِ.

"يا أبي، هلْ لي ببعضِ وقتكَ؟" سألَ عبدُ الرحمنِ. رفعَ الحاجُّ محمودُ عينيهِ، وابتسمَ ابتسامةً دافئةً. "تفضلْ يا بني. قلبكَ مفتوحٌ دائماً." ترددَ عبدُ الرحمنِ قليلاً، ثمَّ قالَ: "وصلتني رسالةٌ غريبةٌ بالأمسِ، تقولُ إنَّ الحقيقةَ أقربُ إلينا مما نظنُّ، وأنَّ منْ نعرفهُمْ قدْ لا نكونُ نعرفهم حقاً." نظرَ إليهِ الحاجُّ محمودُ بعمقٍ، وتغيرتْ ملامحُ وجههِ. بدتْ نظراتهُ تحملُ ثقلاً غريباً. "الرسالةُ، يا بني، تحملُ منَ الصدقِ أكثرَ مما تتخيلُ. هناكَ أمورٌ في ماضينا، وفي تاريخِ عائلتنا، لمْ نُظهرها لكمْ لأننا أردنا أنْ نحميكمْ منْ ألمها. لكنَّ الزمنَ قدْ حانَ ليُكشفَ عنها."

تنفسَ عبدُ الرحمنِ بعمقٍ، وشعرَ ببرودةٍ تسري في أوصالهِ. "ما هيَ هذهِ الأمورُ يا أبي؟" "قصةٌ قديمةٌ، يا بني، تتعلقُ بوالدِ جدكَ، وشيءٌ حدثَ في شبابهِ. أمرٌ جعلَ عائلتنا تنفصلُ لفترةٍ، وأدى إلى بعضِ الخسائرِ. لمْ نُردْ لكمْ أنْ تحملوا عبئَ هذا الماضي."

ثمَّ بدأَ الحاجُّ محمودُ يسردُ قصةً معقدةً، قصةً عنْ خلافٍ على ميراثٍ، وعنْ ظلمٍ وقعَ، وعنْ كتمانِ حقائقَ استمرتْ لعقودٍ. تحدثَ عنْ كيفَ أنَّ والدهُ، جدَّ عبدِ الرحمنِ، قدْ اتهمَ زوراً، وكيفَ أنَّ هذا الاتهامَ تسببَ في تدهورِ سمعةِ العائلةِ لفترةٍ. كانتْ القصةُ مؤلمةً، ومليئةً بالخيباتِ والخسائرِ.

لمْ يستطعْ عبدُ الرحمنِ أنْ يُصدقَ أذنيهِ. هلْ كلُّ هذا صحيحٌ؟ وهلْ كانَ يعيشُ حياةً مبنيةً على جزءٍ منَ الحقيقةِ؟ تذكرَ كيفَ كانَ والدهُ، العمُّ أحمد، غالباً ما يكونُ حزيناً ومنعزلاً. هلْ كانَ لهذا الأمرِ علاقةٌ بذلكَ؟

في منزلِ آلِ السعيدِ، بدأتْ ليلى في محاولةِ فهمِ ما كانَ يشغلُ بالَ والدها. قررتْ أنْ تتحدثَ معَ والدتها. وجدها في المطبخِ، تعدُّ الفطورَ. "أمي، هلْ يمكنني التحدثُ معكِ في أمرٍ؟" نظرتْ إليها الأمُّ، وبدتْ علاماتُ القلقِ على وجهها. "تفضلي يا حبيبتي. ما الذي يُقلقكِ؟" "والدي، يا أمي. يبدو حزيناً جداً منذُ فترةٍ. وأمسَ أخبرني أنَّ هناكَ حقيقةً قدْ تكونُ أثقلَ مما نتخيل. هلْ تعرفينَ شيئاً؟"

تنهدتْ الأمُّ، ثمَّ جلستْ على طاولةِ المطبخِ. "ابنتي، والدكِ يحملُ عبئاً ثقيلاً. هناكَ أمرٌ في ماضينا، أمرٌ يتعلقُ بعائلتهِ، لمْ يتمكنْ منْ نسيانهِ. كانتْ هناكَ ظلمةٌ وقعتْ عليهِ وعلى عائلتهِ، وكانَ يحاولُ جاهداً أنْ يتجاوزها، وأنْ يحميكِ أنتِ وأخوكِ منها." "لكنْ ما هيَ هذهِ الظلمةُ، يا أمي؟" "قصةٌ معقدةٌ، يا ليلى. قصةٌ تتشابكُ فيها خيوطُ الماضي والحاضرِ. قدْ يكونُ الوقتُ مناسباً الآنَ لتُعرفي بعضَ تفاصيلها، خاصةً وأنَّ عمكَ محموداً قدْ بدأَ يتحدثُ معَ ابنِهِ. الأسرارُ بدأتْ تُكشفُ."

شعرتْ ليلى بأنَّ هذهِ الأسرارَ بدأتْ تُحيطُ بها منْ كلِّ جانبٍ. لمْ تعدْ الأمورُ واضحةً كما كانتْ. إنَّ ما كانتْ تظنُّ أنهُ مجردُ شائعاتٍ أوْ أحلامِ يقظةٍ، بدأَ يتخذُ شكلاً ملموساً.

في هذهِ الأثناءِ، كانتْ أمينةُ تشعرُ بخيبةِ أملٍ متزايدةٍ. لمْ تسمعْ عنْ عبدِ الرحمنِ شيئاً. بدأتْ تُراودها الشكوكُ. هلْ تغيرَ؟ هلْ ابتعدَ عنها؟ في محاولةٍ منها للتواصلِ، قررتْ أنْ ترسلَ إليهِ رسالةً. سألتْ والدتها عنْ رقمِ هاتفِهِ، وكتبتْ: "أتمنى أنْ تكونَ بخيرٍ يا عبدَ الرحمنِ. لمْ أسمعْ عنكَ شيئاً منذُ عودتكَ. هلْ أنتَ مشغولٌ؟"

لمْ تأتِ إجابةٌ فوريةٌ. بقيتْ الرسالةُ في صندوقِ الواردِ، تتحدثُ عنْ صمتٍ بدأَ يتسعُ بينَهم، صمتٌ قدْ يخفي وراءهُ الكثيرَ.

هكذا، بدأتْ حقائقُ الماضي تفرضُ نفسها على الحاضرِ، تُلقي بظلالها على العلاقاتِ، وتُشكلُ مساراتٍ جديدةً للأبطالِ. كلٌ منهمْ في عالمهِ، بدأَ يواجهُ أسئلةً لمْ يكنْ مستعداً للإجابةِ عليها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%