الزوج الكريم الجزء الثاني
أسرارٌ تتكشفُ وودادٌ يتجددُ
بقلم سارة العمري
بعدَ اكتشافِ ليلى للخريطةِ والقطعةِ المعدنيةِ، لمْ يعدْ بإمكانِ أحمدَ إخفاءُ الحقيقةِ بعدَ الآن. لقدْ شعرَ بأنَّ ابنتهُ أصبحتْ جزءاً منَ القصةِ، وأنَّ عليها أنْ تعرفَ كلَّ شيءٍ. في المساءِ، دعا أحمدُ ليلى ووالدتها إلى غرفةِ المعيشةِ. كانتْ الأجواءُ مشحونةً بالترقبِ. "ليلى، والدتكِ، أريدُ أنْ أُخبركمَا عنْ شيءٍ لمْ أُردْ أنْ أُزعجكمَا بهِ منْ قبل. لكنَّ الزمنَ قدْ حانَ."
بدأَ أحمدُ يسردُ قصةً قديمةً، قصةً عنْ جدِّ ليلى، محمود، وعنْ أخيهِ الأكبرِ، علي، الذي كانَ يتمتعُ بشخصيةٍ قويةٍ وطموحٍ لا يعرفُ حدوداً. تحدثَ عنْ كيفَ أنَّ عليَّ كانَ يطمعُ في كلِّ ما يمتلكهُ محمودٌ، وعنْ خلافٍ كبيرٍ نشبَ بينهما بسببِ ميراثٍ قديمٍ.
"لقدْ حاولَ عليٌ أنْ يُدمرَ سمعةَ محمودٍ، وأنْ يأخذَ منهُ كلَّ شيءٍ. وفي خضمِّ هذا الصراعِ، حدثَ أمرٌ خطيرٌ. تمَّ إخفاءُ جزءٍ منَ الميراثِ، وهوَ عبارةٌ عنْ قطعةٍ أرضٍ ثمينةٍ، معَ بعضِ الوثائقِ الهامةِ التي تثبتُ ملكيةَ العائلةِ لها. تمَّ إخفاؤها لكي لا تقعَ في يدِ عليٍ."
"وهذهِ الخريطةُ والقطعةُ المعدنيةُ؟" سألتْ ليلى. "نعم، هذهِ الخريطةُ هيَ دليلٌ لمكانِ إخفاءِ هذهِ الأشياءِ. والقطعةُ المعدنيةُ هيَ المفتاحُ، أوْ جزءٌ منْ مفتاحٍ. لقدْ حاولَ جدي، رحمهُ اللهُ، أنْ يبحثَ عنها، لكنهُ لمْ يفلحْ. وقدْ ورثتُ هذهِ الأمانةَ، وظللتُ أبحثُ عنها على مدى سنواتٍ طويلةٍ، لكنَّ الزمنَ والأحداثَ المتلاحقةَ جعلتني أنساها أحياناً، وأُعطي الأولويةَ لحمايةِ عائلتي."
"لكنْ، منْ هوَ عليٌّ؟ وهلْ ما زالَ على قيدِ الحياةِ؟" سألتْ الأمُّ بقلقٍ. "عليٌ هوَ عمُّ عبدِ الرحمنِ. لقدْ استقرَّ في بلدٍ أجنبيٍ منذُ سنواتٍ طويلةٍ، لكنَّ عائلتهُ ما زالتْ هنا، وبعضُهُمْ يتصرفونَ وكأنهمْ لمْ ينسوا حقدهم القديمَ. وأخشى أنْ تكونَ الرسائلُ التي تصلُ إلى عبدِ الرحمنِ، أوْ ما يحدثُ لهُ، لهُ علاقةٌ بأحدٍ منْ هذهِ العائلةِ."
شعرتْ ليلى بأنَّ العالمَ ينهارُ حولها. لمْ تكنْ تتوقعُ أنْ تكونَ الأمورُ بهذا التعقيدِ، وأنَّ تاريخَ عائلتها يحملُ هذا القدرَ منَ الصراعاتِ.
في هذهِ الأثناءِ، كانَ عبدُ الرحمنِ قدْ بدأَ يشعرُ بثقلِ المسؤوليةِ. بعدَ حديثهِ معَ والدهِ، الحاجِّ محمود، بدأَ يُفكرُ جدياً في كيفيةِ التعاملِ معَ ماضيهِ، ومعَ الأشخاصِ الذينَ ربما يُشكلونَ خطراً على عائلتهِ.
قررَ أنْ يتواصلَ معَ ليلى. لمْ يستطعْ أنْ يُبقيها في الظلامِ بعدَ الآن. لقدْ شعرَ برابطٍ قويٍ يجمعهُ بها، رابطٌ أعمقُ منْ مجردِ صداقةٍ أوْ زمالةٍ. وجدها في حديقةِ المنزلِ، تتأملُ في الزهورِ. اقتربَ منها ببطءٍ. "ليلى." التفتتْ إليهِ، وبدتْ عليها علاماتُ الدهشةِ. "عبدُ الرحمنِ؟" "أردتُ أنْ أتحدثَ إليكِ. لقدْ كانتْ الأيامُ الماضيةُ صعبةً عليَّ، وعلى والدي. هناكَ الكثيرُ الذي لمْ أُخبركِ بهِ." "أعرفُ." قالتْ ليلى بصوتٍ هادئٍ، وبدأتْ تُخبرهُ بما قالهُ والدها.
عندما سمعَ عبدُ الرحمنِ قصةَ أحمدَ، شعرَ بأنَّ الخيوطَ بدأتْ تتلاءمُ. لقدْ أدركَ أنَّ الرسائلَ التي تلقاها، والاضطراباتِ التي شعرَ بها، لها جذورٌ في هذا الماضي المعقدِ. "يا ليلى، يبدو أنَّ عائلاتنا متشابكةٌ أكثرَ مما كنا نعتقدُ." "نعم، عبدُ الرحمنِ. يبدو أنَّ علينا أنْ نواجهَ هذهِ الحقائقَ معاً."
في تلكَ اللحظةِ، في ظلِّ الأشجارِ، وبينَ عبقِ الزهورِ، شعرتْ ليلى بأنَّ رابطاً جديداً قدْ نشأَ بينها وبينَ عبدِ الرحمنِ. رابطٌ قائمٌ على الصدقِ، وعلى مواجهةِ الماضي سوياً. لمْ تعدْ تلكَ اللهفةُ القديمةُ، بل أصبحتْ مشاعرُ أعمقُ، مبنيةٌ على التفاهمِ والدعمِ المتبادلِ.
لمْ تكنْ أمينةُ تعلمُ بكلِّ ما يحدثَ. ظلتْ تنتظرُ رداً منْ عبدِ الرحمنِ، ولكنْ دونَ جدوى. بدأتْ تشعرُ بأنَّ الأمرَ أكبرُ منْ مجردِ انشغالٍ. بدأتْ تُراودها أفكارٌ مزعجةٌ. هلْ ربما كانَ هناكَ شخصٌ آخرُ في حياةِ عبدِ الرحمنِ؟
في محاولةٍ منها لجمعِ المعلوماتِ، قررتْ أمينةُ أنْ تتصلَ بعمها، أحمد. "عمي أحمد، كيفَ حالكَ؟" "بخيرٍ يا أمينةُ. كيفَ حالكِ أنتِ؟" "بخيرٍ، الحمدُ للهِ. هلْ تسمحُ لي أنْ أسألكَ عنْ عبدِ الرحمنِ؟ لمْ أسمعْ عنهُ شيئاً منذُ فترةٍ، ولمْ يردَّ على رسائلي. هلْ هوَ بخيرٍ؟"
ترددَ أحمدُ قليلاً. كانَ يعلمُ أنَّ أمينةَ تحبُّ عبدَ الرحمنِ، لكنهُ كانَ يشعرُ بأنَّ هذهِ الفترةَ فترةُ حساساتٍ. "عبدُ الرحمنِ بخيرٍ يا أمينةُ، لكنهُ مشغولٌ ببعضِ الأمورِ العائليةِ. إنَّ هناكَ بعضَ التفاصيلِ التي لمْ نُفصحْ عنها بعدُ. لا تقلقي."
لمْ تُقنعْ إجابةُ أحمدَ أمينةَ. شعرتْ بأنَّ هناكَ شيئاً يُخفى عنها. في تلكَ اللحظةِ، بدأتْ تشعرُ بالغيرةِ، وبالقلقِ الشديدِ.