الزوج الكريم الجزء الثاني

صدى الكلماتِ على أرصفةِ الغربة

بقلم سارة العمري

كانَ المطارُ صاخباً، مليئاً بوجوهٍ غريبةٍ ولغاتٍ متداخلة. كلُّ شيءٍ كانَ جديداً، وكلُّ شيءٍ كانَ يثيرُ في نفسِ بلقيسَ مزيجاً منَ الرهبةِ والإثارة. حملتْ حقائبَها بصعوبةٍ، وشعرتْ بأنَّها في عالمٍ افتراضيٍّ، حيثُ كلُّ شيءٍ ممكن. عندما صعدتْ إلى الطائرة، وجدتْ مقعدَها بجانبِ نافذة، وشعرتْ برغبةٍ في تأملِ الأرضِ وهيَ تختفي تدريجياً تحتَها.

"أتمنى أنْ يكونَ كلُّ شيءٍ على ما يرام،" همسَتْ لنفسِها، بينما كانتْ تراقبُ السحبَ وهيَ تتلوَّى كأنها قطعُ قطنٍ في سماءٍ أبدية. في حقيبةِ يدِها، حملتْ صوراً قليلةً ليوسف، التقطتْها منْ حسابهِ على الإنترنت، وصوراً لعائلتِها. هذهِ الأشياءُ كانتْ رابطَها الوحيدُ بالعالمِ الذي تركتهُ وراءَها.

بعدَ رحلةٍ طويلةٍ وشعورٍ بالدوخةِ منْ اختلافِ التوقيتِ والضغطِ الجوي، هبطتْ الطائرةُ أخيراً في بلدٍ جديد. لمْ تكنْ بلقيسُ تعرفُ حتى الآنَ اسمَ المدينةِ التي ستقضي فيها حياتَها الجديدة. كلُّ ما تعرفُه هوَ أنَّ يوسفَ في انتظارِها، وأنَّه قدْ تكفَّلَ بكلِّ الترتيبات.

عندَ بوابةِ الوصول، توقفتْ بلقيسُ، وقلبُها يخفقُ كالفراشةِ المحاصرة. كانتْ تبحثُ عنْ وجهٍ مألوفٍ بينَ الحشود، عنْ علامةٍ تدلُّ عليها. ورأتْهُ. واقفاً هناك، بينَ حشدٍ منَ الناس، يرتدي قميصاً أبيضَ وبنطالاً داكناً، بشعرٍ أسودَ قصيرٍ وعينينِ تلمعانِ بالفضولِ والترقب. كانَ يوسف.

ركضتْ بلقيسُ نحوهُ، وقلبُها يغني، ويداها ترتجفانِ. عندما وصلَتْ إليه، توقفتْ أمامهُ، وقدْ غمرتْها دموعُ الفرح. لمْ تستطعْ النطقَ بكلمة.

ابتسمَ يوسفُ ابتسامةً دافئة، بدتْ أوسعَ وأجملَ منْ أيِّ صورةٍ رأتها. "بلقيس؟" قالَ بصوتٍ هادئٍ وعميق، كانَ أعمقَ وأكثرَ دفئاً منْ الصوتِ الذي سمعتهُ في التسجيل. "أهلاً بكِ في وطني."

لمْ يكنْ هناكَ مجالٌ للكلام. احتضنتْ بلقيسُ يوسفَ بكلِّ قوَّتها، شعرتْ بيديهِ وهيَ تحيطُ بها، وبأنفاسِهِ وهيَ تمتزجُ بأنفاسِها. في تلكَ اللحظة، شعرتْ بأنَّ كلَّ مخاوفِها قدْ تبددتْ، وأنَّها قدْ وصلتْ إلى وجهتِها الحقيقية.

"يوسف،" همسَتْ، وصوتُها مختنقٌ بالعواطف. "لمْ أصدِّقْ أنَّني سأقابلكَ حقاً." "وأنا لمْ أصدِّقْ أنَّكِ هنا،" قالَ يوسف، وهوَ يشدُّ على حضنِها. "أنتِ أجملُ منْ كلِّ تخيُّلاتي."

بعدَ لحظاتٍ منَ الاحتضانِ الصامت، انفصلا قليلاً، لكنَّ أيديهما ظلَّتْ متشابكة. "هلْ أنتِ متعبة؟" سألَ يوسف. "قليلاً، لكنَّ رؤيتَكَ بدَّدَتْ كلَّ تعب،" أجابتْ بلقيسُ، وعيناها تبتسمانِ. "حسناً، دعيني آخذُ حقائبَكِ، وهيا بنا إلى منزلِنا."

"منزلِنا؟" سألتْ بلقيسُ، وقدْ تفاجأتْ قليلاً. "نعم، منزلُنا. لقدْ جهَّزتُ كلَّ شيءٍ لأجلِكِ. أردتُ أنْ تكونَ أولُ انطباعٍ لكِ هوَ الراحةُ والأمان."

في الطريقِ إلى المنزل، كانَ يوسفُ يقودُ السيارةَ بحذر، بينما كانتْ بلقيسُ تنظرُ إلى المدينةِ وهيَ تمرُّ أمامَها. كانتْ شوارعُها نظيفةً، وأبنيتُها حديثةً، والناسُ يسيرونَ بنظام. كلُّ شيءٍ كانَ يبدو منظَّماً وجذَّاباً.

"هذهِ المدينةُ جميلةٌ جداً،" قالتْ بلقيسُ. "إنَّها مدينتي، وأصبحتْ الآنَ مدينتَكِ أيضاً،" قالَ يوسفُ، وقدْ انبعثَ منْ صوتِهِ شعورٌ بالاعتزاز. "أتمنى أنْ تشعرينَ فيها بالراحةِ والسعادة."

وصلا أخيراً إلى مبنى سكنيٍّ أنيق، ووقفَ يوسفُ أمامَ بابٍ في الطابقِ العلوي. "هنا، يا بلقيس. هذا هوَ عشُّنا الجديد."

عندما فتحَ يوسفُ الباب، شهقتْ بلقيسُ منَ الدهشة. كانَ المنزلُ مجهَّزاً بكلِّ شيء، أنيقاً، مرتباً، ويشعُّ بدفءٍ لا مثيلَ له. كانتْ هناكَ باقةٌ كبيرةٌ منَ الزهورِ البيضاءَ على طاولةِ المدخل، ورسالةٌ صغيرةٌ كُتِبَتْ بخطِّ يدٍ جميل.

"مرحباً بكِ في منزلكِ، يا بلقيس. أتمنى أنْ يكونَ هذا هوَ المكانُ الذي ستجدينَ فيهِ كلَّ ما تبحثينَ عنهُ. أحبُّكِ."

امتلأتْ عينا بلقيسَ بالدموعِ مرةً أخرى. انحنتْ، وأخذتْ الرسالةَ، وضغطتْها على صدرِها. "يوسف، هذا كلُّه... كلُّ هذا أكثرُ منْ ما كنتُ أحلمُ به."

"ما كنتُ أحلمُ بهِ هوَ أنْ أرى ابتسامتَكِ هنا،" قالَ يوسفُ، وعيناهُ تلمعانِ بحبٍّ صادق. "منْ الآنَ فصاعداً، حياتُنا واحدة."

جلستْ بلقيسُ على أريكةٍ مريحة، وهيَ تحاولُ استيعابَ كلِّ ما يحدث. شعرتْ بأنَّها في حلمٍ جميل، حلمٌ بدأَ معَ رسالةٍ وصوتٍ، وتطوَّرَ ليصبحَ واقعاً مشرقاً.

"هلْ أنتِ جائعة؟" سألَ يوسفُ. "لقدْ جهَّزتُ لكِ طعامَكِ المفضل." "كلُّ ما تفعلُهُ يبدو لي مفضلاً الآن،" أجابتْ بلقيسُ بابتسامةٍ خجولة.

تناولا الطعامَ معاً، وكانَ الحوارُ بينَهُما سهلاً وعميقاً. تحدثا عنْ ماضيهِما، وعنْ أحلامِهما للمستقبل. اكتشفتْ بلقيسُ في يوسفَ رجلاً طيباً، صادقاً، وحنوناً. كانَ يرى فيها أكثرَ ممَّا تراهُ هيَ في نفسها.

"لقدْ كنتُ خائفةً جداً قبلَ أنْ أراكَ،" اعترفتْ بلقيسُ. "كنتُ أخشى أنْ يكونَ الواقعُ مختلفاً عنْ الصورِ التي في ذهني." "والآن؟" سألَ يوسفُ، وقدْ أمسكَ بيدِها. "الآنَ... أنا سعيدةٌ جداً،" قالتْ بلقيسُ، وشعرتْ بأنَّ كلماتها تعكسُ صدقَ مشاعرِها. "لقدْ وجدْتُ الأمانَ الذي بحثتُ عنهُ، والحبَّ الذي حلمتُ به."

نظرتْ بلقيسُ إلى يوسف، وإلى المنزلِ الجميل، وشعرتْ بأنَّها في مكانِها الصحيح. لقدْ كانتْ هذهِ رحلةً طويلة، مليئةً بالمخاطرِ والشكوك، لكنَّها قادتْها إلى هنا، إلى يوسف، وإلى بدايةٍ جديدةٍ مشرقة.

"أتمنى أنْ تكونَ هذهِ بدايةً سعيدةً لنا،" قالَ يوسفُ، وهوَ يحتضنُها برفق. "إنَّها أجملُ بداية،" أجابتْ بلقيسُ، وقدْ شعرتْ بأنَّ قلبَها يمتلئُ بالسكينةِ والطمأنينة.

في تلكَ الليلة، نامتْ بلقيسُ في سريرِها الجديد، وقلبُها مليءٌ بالشكرِ والامتنان. لقدْ كانتْ رحلتُها إلى "واحةِ الروحِ" مجردَ فصلٍ منْ الماضي، والآنَ، في هذهِ المدينةِ الجديدة، بدأتْ قصةٌ أخرى، قصةٌ أكتبُ فصولَها معَ يوسف، بكلِّ حبٍّ وإخلاص، تحتَ سماءٍ صافيةٍ ووعدٍ بمستقبلٍ مشرق.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%