الزوج الكريم الجزء الثاني
الغيمة التي غطت شمس الوصل
بقلم سارة العمري
تلبدت سماء القصر بالأحزان، وعلت وجوه آل الغانم مسحة من القلق لم تفارقها منذ أن وصلهم خبر اختفاء ليلى. لقد مرت ثلاثة أيام لم تسمع فيها أمينة كلمة منها، ولم يصلهم أي أثر يدل على مكانها. كان قلبها كعصفور محبوس يضرب بجناحيه بعنف في قفص صدرها، يتلوى شوقًا وقلقًا على فلذة كبدها. أما يوسف، فقد بذل كل ما في وسعه، استنفر رجاله، أرسل الاستدعاءات، واجتهد في البحث عن أي خيط يقوده إليها، لكن شيئًا لم يسفر عن نتيجة.
جلس على مقعده الوثير في مكتبته الوارفة، يفرك صدغيه المتعبين. الأوراق المتناثرة حوله، من تقارير البحث إلى ملاحظات مستعجلة، تعكس عظم المهمة التي باتت تستنزف قوته. كان يشعر بعبء المسؤولية يثقل كاهله، فليلى ليست مجرد خطيبته، بل هي قرة عينه، وقطعة من روحه. تذكر حديثه الأخير معها، كلمات الود والاطمئنان التي تبادلها، وكيف استأذنته بالخروج لقضاء بعض الحاجات الشخصية، ووعدته بالعودة سريعًا. ذلك الوعد البريء انقلب إلى لعنة تنهش روحه.
دخلت والدته، السيدة زينب، تحمل صينية بها فنجان قهوة وبعض التمرات. جلست بجانبه بصمت، تراقبه بعينين امتلأتا بالحزن والحنان. "يا بني، ارفق بنفسك. لقد فعلت كل ما تستطيع."
رفع يوسف رأسه، ومد يده ليأخذ الفنجان. "لكن يا أمي، لم أجده. اختفت كأنما لم تكن. أين ذهبت؟ ومن أخذها؟" تنهد بعمق. "بدأ الشك يتسلل إلى قلبي. هل كان هناك ما أخفته عني؟"
قطبت السيدة زينب حاجبيها. "لماذا تقول هذا يا يوسف؟ ليلى فتاة نقية، تخاف الله، وحياءها يسبق كلماتها. من ذا الذي يخطر بباله أن تشارك في أمر يخالف طريقتها؟"
"الحياة مليئة بالمفاجآت يا أمي. والضغوط قد تدفع الإنسان لخيارات قد لا يفكر فيها في أحواله الطبيعية." قال وهو يتناول رشفة من القهوة. "ربما كانت تخفي شيئًا، شيئًا جعلها تخرج دون أن تخبرني بالتفاصيل. ألم يكن بينكما أية خلافات مؤخرًا؟"
نفت السيدة زينب برأسها. "لا يا حبيبي. علاقتكما كانت أروع ما تكون. حتى أنني كنت أقول لها 'لولا أننا في مجتمعنا هذا، لقلت أنكما روحان في جسد واحد'. لكن، هل تذكرت شيئًا؟"
فكر يوسف مليًا. "آخر لقاء جمعنا، كانت تبدو وكأنها تفكر في شيء بعيد. سألتها إن كان كل شيء على ما يرام، فقالت نعم. لكنني شعرت بأن هناك ما يشغل بالها."
نهضت السيدة زينب. "ربما يجب علينا أن نعود إلى حيث بدأت قصتنا. إلى منزل أبيها. ربما نسيت شيئًا هناك، أو تركته."
كانت فكرة رائعة. زار يوسف بيت والد ليلى، المهندس عبد الرحمن، وهو رجل وقور وهادئ. استقبله بحفاوة، لكن عينيه لم تخفيا قلقًا شديدًا. "لا جديد يا يوسف. أسأل عنها كل من يعرفها، لكن لا مجيب. لعلها في زيارة لعمتها في المدينة المجاورة، وإن لم تعد، فالأمر سيصبح مقلقًا حقًا."
بعد أن استأذن يوسف، بدأ يفتش في غرفة ليلى، وهي الغرفة التي كانت تزوره فيها أحيانًا. كانت رائحة عطرها لا تزال تفوح في الأرجاء. فتحت الأدراج، وتفحصت الخزائن، وقلب كل شيء رأسًا على عقب. كان الأمر أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش، لكنه كان مصممًا.
وبينما هو يبحث في رف كتب قديم، لفت انتباهه كتاب لم يره من قبل. كان غلافه داكنًا، وعنوانه مكتوب بخط صغير. أخرجه وتصفحه. لم يكن رواية أو ديوان شعر، بل كان دفتر ملاحظات. فتح الصفحة الأولى، وكانت بخط ليلى الرقيق. "مذكرات القلب الحائر."
بدأ يقرأ، وقلبه ينقبض مع كل كلمة. لم تكن كلمات حب وغرام، بل كانت كلمات ألم وخوف. كانت تحكي عن ضغوط تعرضت لها، عن تهديدات تلقتها. كانت تتحدث عن شخص يدعى 'الماضي'، كان يحاول استغلال سر عائلي قديم، سر يتعلق بوالدها، سر كانت ليلى قد اكتشفته بالصدفة. لم يذكر اسم هذا الشخص، لكنه ذكر بعض تفاصيل تتعلق بعمله، وأنه يمتلك نفوذًا كبيرًا في بعض الدوائر.
تزايد توتر يوسف. كان هذا الشخص يهدد ليلى، ويجبرها على فعل أشياء لا تريدها. ثم وجد سطورًا تدل على أنه أجبرها على الخروج معه، بحجة مساعدته في حل مشكلة، لكنها كانت تشعر بالخوف. "لقد وعدني بأن لا يؤذيني إذا فعلت ما يطلب، لكنني أخاف أن تكون تلك مجرد خدعة. أخشى أن يكون هدف أبعد."
وصل إلى الصفحة الأخيرة. كانت مكتوبة بخط متقطع، وكأن اليد التي كتبتها كانت ترتجف. "اللقاء الأخير. قال إنه سيأخذني إلى مكان آمن، لنتحدث بعيدًا عن الأنظار. أحمل هذا الدفتر معي، لعل الله يهديني، أو لعل أحدهم يجده إذا ما أصابني مكروه. أخشى ما سيحدث."
أغلق يوسف الدفتر، وارتعشت يداه. لقد وصل إلى نقطة اللاعودة. لم يعد الأمر مجرد اختفاء، بل أصبح اختطافًا، واحتجازًا. كانت ليلى في خطر حقيقي. وبدا أن هذا الخطر مرتبط بشيء أعمق، بشيء من الماضي.
وقف يوسف، وأخذ الدفتر معه. نظر إلى صورة ليلى المعلقة على الحائط. كانت تبتسم ابتسامة بريئة، لم يكن يعرف أن خلفها هذا القدر من الشجاعة والقلق. "لن أتركك يا ليلى. سأجدك، وسأكشف كل شيء. مهما كان الثمن."
خرج من الغرفة، وقد اشتعلت في عينيه نار الإصرار. لم يعد الوقت وقت الحزن، بل وقت العمل. يجب أن يعرف من هو هذا 'الماضي'، وما هو السر الذي يخفيه، وكيف سيحميه من أي أذى. شعر بأن هذه المهمة هي قدره، وأن عليه أن يخوضها بكل ما أوتي من قوة.
عاد إلى قصره، وقد اتخذ قراره. جمع رجاله المخلصين، وأمرهم بالاستعداد. "سنبدأ رحلة البحث مجددًا، لكن هذه المرة، سنبحث عن شخص محدد. شخص يدعى 'الماضي'. وسنفعل كل ما يلزم لمعرفة هويته، ونحن لا نملك الكثير من الوقت."
وبينما كان يتحدث، شعر بأن غيمة سوداء قد غطت شمس الوصل بينه وبين ليلى. ولكن، تحت تلك الغيمة، كانت هناك شرارة أمل، شرارة ستدفعه للمضي قدمًا، مهما قست الظروف. كان يعلم أن المعركة القادمة ستكون صعبة، لكنه كان مستعدًا لها.