الزوج الكريم الجزء الثاني
قيدٌ في الروح
بقلم سارة العمري
في تلك الليلة، تلبدت سماء المدينة بغيوم رمادية كئيبة، تعكس حزنًا ثقيلاً استوطن قلب "فؤاد". كان يجلس في مكتبه، أضواء المصباح الخافتة تلقي بظلالها على وجهه الشاحب، والورق المتناثر أمامه يحكي قصة معركة لا تنتهي. لم تكن معركة مالية أو تجارية، بل كانت صراعًا داخليًا عنيفًا، ضراوته تفوق كل ما واجهه في ساحات الأعمال.
ظلّت كلمات "آية" تتردد في أذنيه كصدىً موجع: "أتمنى لك السعادة الحقيقية، فؤاد. سعادة لا تُشترى بالمال، ولا تُباع بالوقت." كانت قد قالتها ببرودٍ بدا كالصقيع، وأياديه ترتجف لثقلها. هل كانت سعادته مرهونةً بتلك "الحقيقة" التي ظلت حبيسة روحه؟
كانت "آية" هي النور الذي اخترق جدار عزلته، الابتسامة التي أعادت الحياة إلى عينيه المطفأتين. لكن هذه المرة، لم تكن مجرد ابتسامة عابرة، بل كانت دعوةً لمواجهة شيطانٍ قديم، شيطانٌ لازمه منذ سنوات، يتغذى على وحدته، ويسقيه مرارة الإدمان.
لم يكن إدمانه ماديًا، لا بل كان أشد فتكًا، لأنه كان يتعلق بروحٍ منهكة. كان إدمانًا على "الهروب". كلما اشتدت وطأة الحياة، أو عصفت به مشاعر الضيق، وجد في عالمٍ آخر متنفّسًا، عالمٌ لا تخضع قوانينه لرقابة الضمير، ولا تُحاسب فيه الأفعال. عالمٌ بناه في خياله، يأتيه عبر "ألعاب" افتراضية، عالمٌ يمنحه قوةً وشعورًا بالسيطرة فقدهما في واقعه.
في هذا العالم الرقمي، كان "فؤاد" بطلاً، مغامرًا لا يُشق له غبار. كان ينسى هناك هموم الأب الذي تخلى عن دوره، والزوج الذي هجر فراشه، والمؤتمن الذي خان أمانته. كان ينسى "آية". كانت لحظات انقطاعه عن هذا العالم كصحوةٍ مؤلمة، يعود فيها ليواجه حطام حياته، وينظر في عيني "آية" فلا يجد سوى خيبة الأمل.
جلس، وأمسك بيده كوبًا من القهوة السوداء، باردًا الآن، لكن لم يشعر به. استل هاتفه، مرر إصبعه على الشاشة، وقلبٌ متمزق بين رغبةٍ عارمة في العودة إلى عالمه الافتراضي، وبين صوتٍ خافتٍ يهمس بضرورة التغيير. صوت "آية".
تذكر نظرتها وهي تغادر مكتبه، كيف كانت عيناها تلمعان ببقايا حزن، ورغم ذلك، شعاعٌ من الأمل كان ينبعث منهما. كانت تعتقد فيه. كانت ترى فيه ذلك الرجل الذي وعدها به، الرجل الذي يمكنه أن يتغير. لكن كيف لها أن تفهم طبيعة المرض الذي أصابه؟ كيف لها أن ترى أن هذا الهروب ليس اختيارًا، بل هو حاجةٌ ملحة، كحاجة المدمن إلى جرعته؟
"أنا ضائع، يا الله," تمتم بكلماتٍ بالكاد خرجت من حنجرته. "أتمنى لو أستطيع أن أكون الرجل الذي تريده آية. أتمنى لو أستطيع أن أنسى تلك الهاوية التي أقف على حافتها."
فتحت "آية" الباب بهدوء، ثم دخلت. كانت تحمل في يديها صينيةً صغيرة عليها كوبٌ من الشاي الأخضر وقطعةٌ من الكعك. لم تتحدث، ولم تصرخ. اكتفت بالاقتراب ووضع الصينية أمامه.
رفع "فؤاد" رأسه، قابله وجهها الهادئ، وابتسامتها الخجولة. لم تكن ابتسامة منتصرة، بل كانت ابتسامة تفهم.
"لم أستطع أن أنام," قالت بصوتٍ ناعم. "ظننت أنك ربما تحتاج إلى شيء."
وقف "فؤاد"، مد يده ليحتضنها. كان احتضانًا مليئًا بالندم، محملًا بأسرارٍ ثقيلة. اشتمّ عطرها الهادئ، وعانقها بكل ما أوتي من قوة، وكأنما يريد أن يستمد منها القوة للنجاة.
"آية..." بدأ، ثم تعثرت كلماته.
"أعرف، فؤاد," قاطعته برفق. "أعرف أنك تمر بصراع. لكنك لست وحدك."
شعرت بدموعه تنهمر على كتفها. كانت دموع رجلٍ منهك، رجلٌ اكتشف أن قوته الخارجية لا تعادل هشاشته الداخلية.
"هذا الشعور... هذا العجز... لا أستطيع مقاومته," قال أخيراً، صوته مخنوق.
"بالتأكيد تستطيع," أجابت، ربتت على ظهره. "لكن ليس وحدك. أنا معك."
كانت تلك الكلمات بلسمًا على جرحٍ غائر. لكن هل كانت كافية؟ هل كانت "آية" قادرة على انتشاله من قاع الهاوية؟ أم أن ما يعانيه "فؤاد" كان أعمق من مجرد إدمان، بل هو تشوهٌ في روحه، يحتاج إلى ما هو أكثر من الحب والتفهم؟
في تلك اللحظة، لم تكن "آية" تعلم أن حزن "فؤاد" العميق يخفي وراءه ظلالاً أشد قتامة، وأن صراعه لم يكن محض ضعف، بل كان أشبه بمرضٍ خبيث، قد يلتهم كل ما حوله إذا لم يتم استئصاله جذريًا. نظرت إلى عينيه، رأت فيهما حزنًا عميقًا، لكنها رأت أيضًا بذور أملٍ ما زالت تتشبث بالحياة.
"سنواجه هذا معًا," كررت، وهي ترفع وجهه لتنظر في عينيه. "سنواجه أي شيء معًا."
لكن هل كانت "آية" مستعدة لمواجهة الحقيقة الكاملة؟ هل كانت تدرك أن "فؤاد" لم يكن فقط يدمن الهروب، بل كان أحيانًا يجد فيه راحةً من واجباتٍ لم يستطع تحملها، ومن مسؤولياتٍ كادت أن تسحقه؟ كانت الهاوية التي تحدث عنها، ليست مجرد مكانٍ افتراضي، بل كانت واقعًا مظلمًا، استطاع ببراعةٍ أن يخفيه عن أعين العالم، وعن عينيها.
وبينما كانا يحتضنان بعضهما، أدار "فؤاد" رأسه، ونظر إلى نافذة المكتب. كانت السماء ما زالت ملبدة بالغيوم، لكن بدا له أن هناك فتحةً صغيرة، نورًا خافتًا بدأ يتسلل منها. نورٌ خافت، لكنه كافٍ ليبعث فيه شرارةً من الأمل. أملٌ في أن يتحول هذا الصراع، إلى معركةٍ حقيقية، معركةٌ يمكن أن ينتصر فيها، بجانب "آية". لكن الشيطان بداخله، كان يهمس بأنه أشد قوةً مما يتخيل.