الزوج الكريم الجزء الثاني
وهم الشفاء
بقلم سارة العمري
بعد اللقاء مع والد "نور"، شعرت "آية" بتغييرٍ ملموس في "فؤاد". لقد بدا أكثر هدوءًا، وأقل توترًا. كانت الثقلة التي كانت تلاحقه قد خفت، وأصبح يتحدث معها بصراحةٍ أكبر، ويشاركها تفاصيل يومه. لقد ظنت أن مرحلة "الشفاء" قد بدأت فعلاً، وأن الأيام القادمة ستحمل معها المزيد من الوئام والسعادة.
في أحد الأيام، بينما كانا يحتسيان الشاي معًا في شرفة منزلهما المطلة على حديقةٍ غنّاء، قال "فؤاد" بابتسامةٍ واسعة: "أشعر بأنني أخف، يا آية. وكأنني استيقظت من سباتٍ طويل. شكراً لكِ. أنتِ حقاً نعمةٌ من الله."
ابتسمت "آية"، وشعرت بالفخر به. لقد كان رجلاً قويًا، ورغم كل ما مر به، استطاع أن ينتصر. "أنا سعيدةٌ جداً لسماع ذلك، فؤاد. تذكر، أنا معك دائمًا. وسنكمل هذا الطريق معًا."
لكن، في عمق روحه، كان "فؤاد" يخفي شيئًا. لم يكن الأمر يتعلق بشفاءٍ كامل، بل كان مجرد هدوءٍ سطحي، سبقه عاصفةٌ عاتية. كانت الكلمات التي قالها والد "نور" قد فتحت له بابًا جديدًا، بابًا للاكتشاف، ولكن أيضًا بابًا للخوف.
في تلك الليلة، استيقظ "فؤاد" على صوت رسالةٍ على هاتفه. تلمس الهاتف في الظلام، وفتحه بسرعة. كانت الرسالة من رقمٍ غير مسجل. قرأها، فتجمد الدم في عروقه.
"كنت قريبًا جدًا من معرفة الحقيقة، يا 'فؤاد'. لكن لم تكن قريبًا بما يكفي."
شعر "فؤاد" بالبرد يتسلل إلى أطرافه. من هذا؟ وماذا يعرف؟ هل كان هذا هو الرجل الذي تحدث عنه والد "نور"؟
"آية،" همس، ويده ترتجف.
"ماذا هناك؟" سألت "آية"، وقد استيقظت على نبرة صوته المرتعشة.
"لا شيء،" قال "فؤاد" بسرعة، محاولاً أن يتظاهر بالهدوء. "مجرد... مجرد حلم سيء."
لكن "آية" لم تكن مقتنعة. لقد لاحظت توتره المفاجئ، وخوفه الذي يختفي تحت قناع الهدوء.
في صباح اليوم التالي، كان "فؤاد" يتصرف بغرابة. كان شارد الذهن، ومتوترًا. كان يقضي وقتًا طويلاً في مكتبه، ويدخل ويخرج منه بقلق. "آية" كانت تشعر بأن شيئًا ما يحدث، شيئًا لا يعلم عنه شيئًا.
"فؤاد،" قالت له بحذر، بينما كان يتفحص أوراقًا متناثرة على مكتبه. "هل كل شيء على ما يرام؟"
"نعم، نعم،" أجاب "فؤاد"، دون أن يرفع عينيه. "فقط... عمل."
"لكن ما الذي تعمله؟" سألت "آية"، وقد لاحظت أنه كان يتجنب النظر إليها. "هل هو أمرٌ يتعلق بـ 'نور'؟"
تردد "فؤاد" للحظة، ثم تنهد. "نعم، يا آية. يبدو أن قصتها لم تنتهِ بعد."
"ماذا تقصد؟" سألته "آية"، وقد شعرت بأن حذرها كان في محله.
"لقد تلقيت رسالةً أخرى. من شخصٍ لا أعرفه. يهددني. يقول إنني أقترب من كشف شيءٍ لم يكن من المفترض أن أعرفه."
"ماذا؟" اتسعت عينا "آية" بصدمة. "من هو هذا الشخص؟ وماذا يقصد؟"
"لا أعرف. لكنني أخشى أن يكون هذا الرجل الذي ابتز 'نور'."
"لكن والدها قال إنه..."
"والدها أخبرني ما كان يعرفه. لكن ربما كان هناك ما هو أكثر من ذلك. ربما كان 'نور' تخفي عنا جميعًا شيئًا أكبر."
بدأت "آية" تشعر بأن هذا "الشفاء" الذي ظنت أنه تحقق، كان مجرد وهم. لقد غاصت "آية" في أعماق ماضي "فؤاد"، لتكتشف أن هناك أسرارًا أعمق وأخطر مما كانت تتخيل.
"ماذا سنفعل؟" سألت "آية"، وقد تملكها الخوف.
"علينا أن نكتشف الحقيقة،" قال "فؤاد"، وقد ارتسمت على وجهه عزيمةٌ جديدة، لكنها ممزوجةٌ بقلقٍ عميق. "علينا أن نعرف من هذا الرجل، وماذا يريد. ولأجل 'نور'."
في تلك الليلة، لم يستطع "فؤاد" أن ينام. كان يقلب في هاتفه، يبحث عن أي خيطٍ قد يقوده إلى هذا الرجل المجهول. كانت الرسائل تتوالى، تحمل تحذيراتٍ غامضة، وتهديداتٍ مبطنة.
"إذا حاولت أن تفتح فمك، فستندم."
"لقد كنت سعيدًا مع 'آية'. ولكن هذا لا يعني أنني نسيت 'نور'."
"الماضي لا يموت يا 'فؤاد'. إنه يتربص بك."
شعر "فؤاد" بأن قفصه الذهبي الذي بناه مع "آية" بدأ يتشقق. لقد ظن أنه وجد النجاة، لكنه اكتشف أن هناك قوىً أخرى، أشد قوةً، تحاول أن تسحبه مرة أخرى إلى الهاوية.
"آية،" قال في الصباح، وقد بدت عيناه محمرتين من السهر. "أنا لا أستطيع أن أستمر في هذه الحالة. هذا الرجل... إنه يلعب بي."
"ماذا تريد أن تفعل؟" سألت "آية"، وهي تشعر بأن يدها تمتد لتمسك بيده.
"علينا أن نتحرك. علينا أن نأخذ زمام المبادرة. لا يمكنني أن أبقى رهينةً لهذا الخوف."
"لكن كيف؟"
"سأبدأ بالبحث عن أي شيءٍ يتعلق بـ 'نور' في مكان عملها القديم. ربما أجد شيئًا هناك. ربما أجد دليلًا."
نظرت "آية" إليه، ورأت فيه رجلاً يقاتل من أجل بقائه، ومن أجل الحقيقة. لقد فهمت أن رحلة شفاؤه لم تكن مجرد معركةٍ مع الإدمان، بل كانت معركةً مع ظلالٍ أعمق، ظلالٍ تتطلب شجاعةً وقوةً لم تكن تتخيلهما.
"سأذهب معك،" قالت "آية" بحزم. "لن أدعك تواجه هذا وحدك."
لكن "فؤاد" نظر إليها، ورأى في عينيه خوفًا، خوفًا من أن ينقله إلى عالمها الهادئ.
"آية،" قال بتردد. "ربما من الأفضل لكِ أن تبقي بعيدةً عن هذا. هذا الأمر خطير."
"لا، يا فؤاد. لقد دخلت في حياتك، وأصبحت جزءًا منك. لن أتخلى عنك الآن. ما يهددك، يهددني."
ابتسم "فؤاد" ابتسامةً باهتة. لقد كان محظوظًا بوجودها. لكن هل كانت قوة حبهما كافية لتواجه الظلام الذي كان يلوح في الأفق؟ أم أن هذه الحقيقة المخبأة، ستكون هي السبب في انهيار كل شيء؟