الزوج الكريم الجزء الثاني
همسات الماضي وصخب الحاضر
بقلم سارة العمري
تعلو في سماء الرياض ريحٌ خريفيةٌ تحمل معها برودةً لطيفةً تلفّ وجه الأماكن، وتشعر بها "نورة" وهي واقفةٌ على شرفة منزلها الفسيح، تتأمل حديقة المنزل وقد بدأت أوراق الأشجار تتصبغ بألوانٍ دافئةٍ توحي بالنهاية والاستعداد لبدايةٍ جديدة. لم يكن الهواء البارد وحدَه ما أحدثَ رجفةً في أطرافها، بل كان صدى كلمات "أحمد" التي ما زالت ترنّ في أذنيها، كلامٌ لم تكن تتوقعه منه، وإن كانت تبحث عنه في أعماق روحها.
"أتفهم يا نورة، أن ما مررتِ به صعبٌ، وأعلم أن بناء الثقة من جديد يتطلب وقتًا وجهدًا، لكنني أردتُ أن أقول لكِ، وأنا أقولها أمام الله، أنني لم ولن أستغل طيبتكِ أو حسن ظنكِ. حبي لكِ حقيقيٌ وصادقٌ، ولن أسمح لأي شيءٍ أن يهزّ أركان هذا الحب."
كانت كلماته كبلسمٍ شُفِيَ جراحَ قلبٍ لطالما حملَ أعباءَ الماضي. "نورة"، الفتاة التي رأت في الحبّ ضعفًا، وفي الثقةِ هشاشةً، بدأت تشعر بذوبانٍ جليدٍ كان يحيط بقلبها. لم يكن "أحمد" كمن عرفتْ قبلَه، لم يكن يسعى لانتزاع شيءٍ منها، بل كان يمنحها. كانت كلماته كبذورٍ زرعها في أرضٍ قاحلة، تعدُ بغدٍ مشرقٍ.
في الداخل، كانت والدة "نورة"، "أم تركي"، ترتبُ طاولةَ الطعام، وصوتُها يملأ المكان بالترحيب والدفء. "لم تعد نورة كالسابق، تبدو أكثر هدوءًا وسعادةً، أسأل الله أن يتمم لها بخير"، قالت لنفسها بصوتٍ مسموع. كانت تراقب ابنتها عن كثب، ترى التغيير الذي طرأ عليها منذ زواجها من "أحمد"، ذلك الشاب الوقور والخلوق.
على الجانب الآخر، كان "فهد" يمضي يومه في مكتبه، يتنقل بين الأوراق والملفات، ولكن عقله كان مشغولاً بـ "سارة". لم يكن لقاؤهما الأخير هينًا عليه. رأى في عينيها لمحةً من التردد، وشعر ببعض الندم حينما أشار إلى احتمال زواجه. لم يكن يقصد إيذاءها، كانت "سارة" صديقةٌ عزيزة، لكن هل كانت مجرد صديقة؟ لطالما أحسّ بوجود شيءٍ مختلفٍ في تفاعلاتهما، شيءٌ يتجاوز حدود الصداقة.
"هل يجب أن أفكر في الأمر جدياً؟" تساءل بصوتٍ خافتٍ وهو يقلّب قلمًا بين أصابعه. كانت "سارة" فتاةٌ رائعة، ذكية، مرحة، ومتدينة، ولكن فكرة الزواج منها كانت تحمل عبئًا ثقيلاً. والدته، "السيدة ليلى"، كانت لديها تصوراتٌ معينةٌ عن زوجة ابنها، وهي تصوراتٌ لم يكن "فهد" متأكدًا من أن "سارة" تنطبق عليها تمامًا. كانت "السيدة ليلى" تبحث عن امرأةٍ من عائلةٍ مرموقة، ذات نسبٍ معروفٍ، وأن تكون "سارة"، رغم كل محاسنها، لا تحمل نفس الخلفية الاجتماعية التي تتمناها والدته.
عاد "فهد" إلى ملفات العمل، محاولاً إخفاء ارتباكه. لكن الصورة "سارة" كانت تظهر في ذهنه بين الحين والآخر، صورتها وهي تبتسم، صورتها وهي تتحدث بحماسٍ عن مشروعٍ تطوعيٍ شاركت فيه. لم يكن "فهد" من النوع الذي يتسرع في قراراته، لكن القلب أحيانًا يفرض منطقه الخاص.
في منزل "الشيخ خالد"، كان الهدوء يسود الأجواء، لكنه هدوءٌ يسبق العاصفة. "الشيخ خالد" كان يتحدث مع ابنه "بدر" عن مستقبل الشركة. "بدر، أنت الآن تحمل مسؤولية كبيرة. هذه الشركة بناها جدك ووالدك، وأصبحت الآن في عهدتك. يجب أن تكون حذرًا في قراراتك، وأن تضع مصلحة العائلة فوق كل اعتبار." كان "بدر" يستمع بانتباه، لكن عينيه كانتا تحملان بريقًا من التمرد. لم يكن يشعر بنفس الشغف الذي كان يشعر به والده أو جده تجاه هذه التجارة. كان قلبه يتجه نحو ميادين أخرى، ميادين العلم والمعرفة، ميادين البحث عن الحقائق الكبرى.
"يا أبي، أنا أفهم مسؤوليتي، ولكن هل يجب أن تكون مصلحة العائلة دائمًا مقيدةً بهذه التجارة؟ ألا توجد سبلٌ أخرى لخدمة العائلة وسمعتها؟" كان سؤاله يطرح قضيةً شائكة. "الشيخ خالد" لم يكن معتادًا على مواجهة هذا النوع من الأسئلة من ابنه. كان يرى في "بدر" امتدادًا له، ووريثًا طبيعيًا. "يا بني، هذه التجارة هي التي وفرت لنا كل هذه الرفاهية، وهي التي تمنحنا المكانة التي نحظى بها. لا يمكنك أن تتخلى عنها بهذه السهولة. ربما تحتاج فقط إلى بعض التوجيه، وبعض الوقت لتعتاد الأمر." شعر "بدر" بأن جدارًا يرتفع بينه وبين والده. لم يكن الأمر مجرد اختلافٍ في وجهات النظر، بل كان اختلافًا في رؤى الحياة.
في تلك الليلة، وبينما كان الجميع في منازلهم، كانت "نورة" تجلس في غرفتها، تتصفح صورًا قديمةً لها مع والديها. كانت تحمل بين يديها ذكرى "والدها" الذي رحل مبكرًا، تاركًا فراغًا كبيرًا. تذكرت كيف كانت تتمنى دائمًا أن تجد رجلاً يشبهه في أخلاقه وحكمته. واليوم، حينما كان "أحمد" يتحدث إليها، شعرت بشيءٍ من هذا الشبه. لم يكن الأمر مجرد إعجاب، بل كان شعورًا بالاطمئنان والأمان، شعورًا بأنها وجدت أخيرًا من يقدرها حقًا.
همسات الماضي، وصخب الحاضر، كانت تتصارع في دواخل شخصيات الرواية. "نورة" تحاول بناء جسرٍ من الثقة مع "أحمد"، تاركةً وراءها ظلال الماضي. "فهد" يتأرجح بين واجباته تجاه والدته ورغبات قلبه تجاه "سارة". و"بدر" يبحث عن طريقه الخاص، بعيدًا عن مسارٍ أُعدّ له منذ ولادته. كلٌ منهم كان يقف على مفترق طرق، والقادم يحمل معه مفاجآتٍ لم تكن بالحسبان.