الزوج الكريم الجزء الثاني

أشباح الماضي وأحلام المستقبل

بقلم سارة العمري

تستمر الأيام في جريانها، تحمل معها روتينًا مريحًا، لكنه لا يخلو من تقلباتٍ تحرك المياه الراكدة في نفوس أبطالنا. "نورة" تجد نفسها في حالةٍ أشبه بالسحابة التي تبددت، تتنفس بعمقٍ أكبر، وتنظر إلى العالم بعينٍ أكثر صفاءً. لقاءاتها مع "أحمد" أصبحت أكثر انتظامًا، وكل لقاءٍ يضيف طبقةً جديدةً من الفهم والتقدير المتبادل. كان "أحمد" يشاركها تفاصيل عمله، مشاغله، وحتى أحلامه الصغيرة، وهو بدوره كان يستمع باهتمامٍ لقصصها عن أيام الجامعة، شغفها بالقراءة، وطموحاتها التي حاولت قمعها ذات يوم.

في أحد الأيام، وبينما كانا يحتسيان القهوة في حديقةٍ هادئةٍ بإحدى المقاهي الراقية، سأل "أحمد" بنبرةٍ فيها مزيجٌ من الفضول والاهتمام: "نورة، ذكرتِ لي مرةً أن لديكِ اهتمامًا بالتصوير الفوتوغرافي. هل ما زلتِ تمارسينه؟" ابتسمت "نورة" ابتسامةً باهتةً، لكنها بدأت تتكشف شيئًا فشيئًا. "نعم، كنتُ أحب التصوير كثيرًا، لكن الظروف لم تسمح لي بالاستمرار." "وما الذي منعكِ؟" سأل "أحمد" بلطفٍ، ولم يكن سؤاله للتدقيق، بل للفهم. "الظروف، كما ذكرتُ. بعد وفاة والدي، لم يعد لديّ الوقت أو الدافع. ثم جاءت تجاربي الشخصية التي جعلتني أرى الأمور من منظورٍ مختلف. أصبحتُ أرى أن بعض الفنون قد تكون مدعاةً للفتنة والضياع إذا لم تُضبط بضوابط الشرع." توقف "أحمد" قليلًا، يتأمل كلماتها. "أتفهم ما تقصدين. لكن الفن، في جوهره، يمكن أن يكون وسيلةً للتعبير عن الجمال والإبداع الذي وضعه الله في خلقه. المهم هو النية، والحدود التي نضعها لأنفسنا. هل فكرتِ يومًا في العودة إلى التصوير، ولكن هذه المرة، بضوابط؟ ربما تصوير الطبيعة، أو الأشخاص في سياقاتٍ محتشمة، أو حتى مشاريعٌ اجتماعيةٌ تهدف إلى إبراز جوانب إيجابية في مجتمعنا؟"

كانت كلماته كشعلةٍ أوقدت في روح "نورة" شيئًا كان شبه خامد. لم تسمع هذه النظرة المتوازنة والمنفتحة في حديثٍ سابقٍ عن التصوير. غالبًا ما كان يُنظر إليه كشيءٍ سطحيٍ أو حتى محرمٍ. "لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة من قبل..." قالت بصوتٍ يكاد يكون مسموعًا، وعيناها تلمعان بأملٍ جديد. "لما لا نجرب؟" اقترح "أحمد" بابتسامةٍ واسعة. "لدي صديقٌ في الجمعية الخيرية لدينا، يبحثون عن مصورٍ للمساهمة في مشروعٍ لتغطية حملةٍ لتوزيع المساعدات الغذائية على الأسر المحتاجة. سيكون الأمر مغطيًا ومحترمًا، وأعتقد أنه سيكون فرصةً رائعةً لكِ لاستعادة شغفكِ، وفي نفس الوقت، خدمةً للمجتمع."

أحسّت "نورة" بقلبها ينبض بعنفٍ. كان هذا هو ما كانت تحلم به دون أن تدري. أن تستعيد جزءًا من ذاتها، وأن تستخدم موهبتها في الخير.

في مكانٍ آخر من المدينة، كان "فهد" يعاني من حيرةٍ شديدة. لقاؤه مع "سارة" الأخير جعله يفكر مليًا في طبيعة علاقتهما. كانا يقضيان وقتًا طويلاً معًا، يتحدثان، يضحكان، يتشاركان الأفكار. لكنه كان دائمًا يحاول إبقاء الأمور في إطار الصداقة. هل كان ذلك بسبب رغبته في تجنب تعقيداتٍ غير ضرورية، أم كان خائفًا من الالتزام؟ قرر أن يتحدث مع شخصٍ يثق به، شخصٌ يمكن أن يقدم له وجهة نظرٍ مختلفة. لم يجد أفضل من صديقه القديم "سالم". "سالم، أريد أن أستشيرك في أمرٍ حساسٍ قليلًا." قال "فهد" وهو جالسٌ في مكتب "سالم" المليء بالكتب والتحف. "تفضل يا فهد، كلي آذان صاغية." أجاب "سالم" وهو يعدّ فنجان قهوة. شرح "فهد" طبيعة علاقته بـ "سارة"، تردده، مخاوفه، وتخوفه من ردة فعل والدته. "يا فهد، أنت شابٌ عاقلٌ، وتدرك قيمة الاستخارة. لكن ما أسمعه منك، يوحي بأن هناك مشاعرٌ أعمق من مجرد الصداقة. والجميل في الأمر أن "سارة" تبدو فتاةً تستحق التقدير." "لكن والدتي..." بدأ "فهد" مترددًا. "والدتكِ يا فهد، تحب لكِ الخير، وهذا طبيعي. لكنها أيضًا تدرك أنك لم تعد ذلك الطفل الصغير. أنت الآن رجلٌ مسؤولٌ، ولديك الحق في اختيار شريكة حياتك. قد تحتاج إلى بعض الإقناع، وقد تحتاج إلى إظهار لها أن "سارة" هي الأنسب لك، وأنها قادرةٌ على تحقيق السعادة لك. حاول أن تتحدث معها بصدقٍ، واعرض عليها جوانب شخصية "سارة" التي قد لا تراها بنفسها. وأهم من ذلك، صلّ صلاة الاستخارة. استشر الله، وهو سيُدلك على الطريق الصحيح."

كانت كلمات "سالم" منطقيةً ومريحةً. شعر "فهد" ببعض الثقل يرتفع عن صدره. ربما كان الأمر ليس بالصعوبة التي يتخيلها.

أما "بدر"، فقد بدأ يشعر بالضيق الشديد من ضغوط والده. كان يحضر الاجتماعات، ويتظاهر بالاهتمام، لكن عقله كان يسبح في بحارٍ أخرى. كان يقرأ الكتب الفلسفية، يتأمل في معاني الوجود، ويتساءل عن الهدف الحقيقي للحياة. "هل كل ما في هذه الدنيا هو تجميع المال وبناء الإمبراطوريات؟" كان يسأل نفسه. في أحد الأيام، وبعد نقاشٍ حادٍ مع والده حول صفقةٍ تجاريةٍ كبيرة، قرر "بدر" أن يذهب إلى مكانٍ يعيد له صفاءه الذهني. ذهب إلى مكتبةٍ قديمةٍ في حيٍ بعيد، يتجول بين رفوفها المليئة بالكتب النادرة. لمح كتابًا بعنوان "فلسفة السعادة في الإسلام". أمسكه بفضولٍ، وبدأ يتصفحه. كانت الأفكار المطروحة فيه تتحدث عن القناعة، والرضا، والسعي وراء العلم النافع، والابتعاد عن مظاهر الترف المبالغ فيها.

"ربما هذا هو الطريق الذي أبحث عنه..." همس لنفسه. خرج من المكتبة والكتاب في يده، وشعورٌ غريبٌ بالسكينة يغمره. كان يعلم أن طريقه لن يكون سهلًا، وأن مواجهة والده ستكون صعبةً، لكنه شعر لأول مرةٍ بأنه يسير في الاتجاه الصحيح.

في نهاية اليوم، بينما كانت "نورة" تعود إلى منزلها، استقبلتها والدتها بابتسامةٍ. "ماذا حدث اليوم يا ابنتي؟ وجهكِ يشرق." أخبرتها "نورة" عن اقتراح "أحمد" وعن حماسها للتصوير. "الحمد لله يا ابنتي، هذا خبرٌ يسعد القلب. أسأل الله أن يبارك لكِ في حياتكِ الجديدة."

كانت كل شخصيةٍ منهم تخطو خطواتٍ صغيرةً نحو تحقيق أحلامها، أو نحو اتخاذ قراراتٍ مصيرية. أشباح الماضي كانت تتوارى شيئًا فشيئًا، بينما كانت أحلام المستقبل تبدأ في التبلور، حاملةً معها تحدياتٍ وآمالًا جديدة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%