أحلام الحب الجزء الثالث
همس الريح وخفق الفؤاد
بقلم مريم الحسن
كانت الشمس قد بدأت رحلتها نحو المغيب، تلقي بظلال طويلة متراقصة على رمال الصحراء الذهبية، ترسم لوحات سريالية لم تشهدها عين من قبل. في هذا الخلاء المهيب، حيث لا يكسر الصمت سوى تنهدات الريح اللاهثة، كانت "ليالي" تقف وحيدة، يحدق نظرها في الأفق البعيد. ارتدت ثوبًا فضفاضًا بلون السماء الصافية، وشعرها الداكن المتموج انسدل على كتفيها كشلال حالك. لم تكن وحدتها قسرية، بل كانت اختيارًا، ملاذًا من ضجيج المدينة وصخب الحياة. هنا، في حضن الطبيعة الأم، تجد روحها سكينة لم تجدها في أي مكان آخر.
كانت "ليالي" تحمل بين يديها كتابًا جلديًا قديمًا، أوراق صفراء تحكي قصصًا من عصور مضت. تقلب صفحاته بأصابع رقيقة، تستشعر عبير الورق المعتق، وتستمع لحديث الأجداد الذي يتردد صداه عبر الزمن. كانت هذه لحظات ثمينة، تتجرع فيها من ينبوع الحكمة والأدب، تستمد منها القوة لتواجه ما تخبئه الأيام.
فجأة، قطع صمت الصحراء صوت خافت، اقترب شيئًا فشيئًا. التفتت "ليالي" بفضول، ورأت على مسافة بعيدة جسدًا يتحرك برشاقة، يقترب منها بسرعة. مع اقترابه، اتضحت معالمه: رجل شاب، قوي البنية، يمتطي جوادًا عربيًا أصيلاً، يتطاير العرق عن جلده اللامع. كان مرتديًا ملابس بدوية بسيطة، ولكنها تضفي عليه هالة من الأصالة والرجولة.
توقف الجواد أمامه، وبترجل الشاب بخطوات واثقة. كان وجهه محاطًا بعصابة من القماش الأسود، بالكاد تظهر عينان واسعتان سوداوان، تحملان بريقًا غامضًا. ابتسم الشاب ابتسامة خفيفة، كشف بها عن أسنان بيضاء منتظمة، وقال بصوت عميق ورخيم: "السلام عليكم أيتها السيدة. لم أتوقع أن أجد أحدًا هنا في هذا الوقت المتأخر."
تأملت "ليالي" وجهه، وشعرت بارتباك غريب. لم يعتد أن يقترب منها غرباء في هذه المنطقة، خاصة في هذا الوقت. ردت بصوت هادئ، حاولت أن تخفي به توترها: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الشمس تأبى الغروب، وأنا أحب أن أرافقها في آخر لحظاتها."
تبادل الاثنان نظرات طويلة. كان في عينيهما فضول متبادل، وسؤال لم يُطرح بعد. قال الشاب: "هذه المنطقة غالبًا ما تكون خالية إلا من أهلها. هل أنت من سكان هذه البلاد؟"
أجابت "ليالي": "أنا زائفة هنا، أحضر بين الحين والآخر لأستعيد روحي."
ابتسم الشاب مرة أخرى، واتسعت ابتسامته هذه المرة. "عذرًا على إزعاجك، ولكن يبدو أن جوادي تعثر، وأردت الاطمئنان عليه. هو كل ما أملك."
نظرت "ليالي" إلى الجواد، فوجدته يقف بهدوء، وكأنه لم يعاني من أي تعثر. شعرت بنوع من عدم الارتياح، ولكنها حاولت أن تكون لطيفة. "يبدو أنه بخير الآن. عسى أن لا يكون قد أصابه مكروه."
"الحمد لله. هو عزيز عليّ." قال الشاب، ثم مد يده إلى جواده، ومسح على رأسه برفق. "اسمي 'بدر'."
"تشرفت بمعرفتك يا بدر." قالت "ليالي" بكلمات موزونة.
"وأنا كذلك أيتها السيدة. اسمك الكريم؟"
ترددت "ليالي" للحظة. لم تعتد أن تشارك اسمها مع الغرباء بهذه السهولة. لكن شيئًا في نظرات بدر جعلها تشعر بالأمان. "ليالي."
"ليالي... اسم جميل، كجمال هذه اللحظة." قال بدر، وعيناه تلتقطان وهج الشمس المتلاشي. "هل أنتِ في طريقك إلى مكان ما؟"
"لا، أنا أتمتع بهذا الهدوء." أجابت "ليالي"، محاولة إبقاء الحوار على سطحه.
"الهدوء نعمة لا يعرف قيمتها إلا من ذاق مرارة الضجيج." علق بدر، وعاد بنظره إليها. "أنا أيضًا أجد هنا ملاذي. هذه أرض أجدادي."
أدركت "ليالي" أن هذا الرجل ليس مجرد عابر سبيل. هناك شيء في ارتباطه بهذه الأرض، وفي هدوئه الظاهر، يشدها إليه. "يبدو أننا نتشارك حب المكان."
"وربما أكثر من المكان." قال بدر، وعادت الابتسامة الخفيفة ترتسم على شفتيه. "هل لي أن أجلس معكِ للحظات؟ لن أقاطع هدوءك، فقط أستمتع بوجود هذا المنظر الخلاب، ومعكِ."
شعرت "ليالي" بجاذبية غير مفهومة. لم تكن هذه عادة لها، أن تسمح لغرباء بالاقتراب منها، ولكن في حضرة بدر، شعرت وكأنها أمام صديق قديم، أو روح تشاركها نفس الشعور. أشارت إلى قطعة قماش كانت قد ألقتها على الرمال لتجلس عليها. "تفضل. المكان يتسع للجميع."
جلس بدر بجوارها، لكن بمسافة محترمة، تليق بحدود الاحترام المتبادل. ساد صمت مريح بينهما، صمت مليء بالمعاني التي لا تحتاج إلى كلمات. كانت الرياح تحكي أسرارها، والجبال الصخرية تشهد على مرور الأزمان.
"لماذا سمي هذا المكان بهذا الاسم؟" سألت "ليالي"، كاسرةً حاجز الصمت بطريقة غير مباشرة.
"يسميه أجدادي 'وادي الهمسات'. يقولون إن الرياح هنا تحمل همسات الأجداد، تحكي قصصهم لمن أراد أن يسمع." أجاب بدر، ونبرة صوته تحمل فخرًا.
"وادي الهمسات... اسم رائع." قالت "ليالي" وهي تدور بظهرها نحو الغرب، تلتقط آخر خيوط الشمس الذهبية. "ربما لهذا السبب أشعر هنا بشيء مختلف."
"الشعور هو أصدق لغة." قال بدر، وعيناه تلمعان في ضوء الشفق. "أشعر بأنكِ تبحثين عن شيء، يا ليالي."
نظرت "ليالي" إليه، وشعرت بأن هذا الرجل قد قرأ ما في قلبها دون أن تتفوه بكلمة. "ربما. وربما أبحث عن السلام الذي طالما غاب."
"السلام في الداخل، يا ليالي. هو رحلة لا تنتهي، ولكن البداية تكون بالقبول." قال بدر، ثم صمت، وكأنه ترك الكلمات تستقر في روحها.
بدأت الشمس تغرق بالكامل، تاركةً السماء تتلون بألوان غروب آسرة. كان المشهد يبعث على السكينة، ولكن في قلب "ليالي"، بدأ شعور جديد بالتشكل، شعور بالفضول، وبالاقتراب من شيء جميل وغامض. لم تكن تعرف أن مجرد لقاء عابر في صحراء الرمال، سيفتح أمامها بابًا لعالم جديد، عالم يمتزج فيه الصمت بالهمسات، والوحدة بالشعور بالرفقة.
نهض بدر بخفة. "لقد أطلت عليكِ. أتمنى أن لا أكون قد سببت لكِ إزعاجًا."
"لا أبداً." ردت "ليالي" بسرعة. "كان حديثًا ممتعًا."
"وكنت أتمنى لو استمر." قال بدر، وهو يمتطي جواده. "ولكن لكل وقتٍ قول، ولكل مكانٍ حكم." ثم أضاف بابتسامة حانية: "ربما نلتقي مرة أخرى، يا ليالي."
"ربما." أجابت "ليالي"، وهي تشعر بغصة غريبة في حلقها.
استدار بدر بجواده، وانطلق عائدًا نحو الأفق، تاركًا خلفه أثرًا من الغبار، وذكرى تتردد في أذن "ليالي". وقفت مكانها، تراقب رحيله حتى اختفى عن الأنظار. أمسكت بكتابها، وأغلقت عينيها. لم تعد الشمس هي ما يهمها، بل الهمسات التي سمعتها، والوعد الضمني للقاء قادم. شعرت بقلبها يخفق بسرعة، ليس خوفًا، بل ترقبًا. ترقبًا لغدٍ قد يحمل معه أكثر مما تتخيل، ترقبًا لـ "بدر".