أحلام الحب الجزء الثالث

سرٌّ يعصف باليقين

بقلم مريم الحسن

كان الليل في بلدة "نخيل الوادي" يعبق بسكونٍ يوحي بالهدوء، لكن في قلبِ دارِ آلِ "البدر"، كان الهدوءُ مجرد قناعٍ هشٍّ تخفيه عواصفُ الأحداثِ المتصاعدة. استمرت "ليلى" في تصفحِ الأوراقِ القديمةِ التي وجدتها في صندوقِ جدتها الراحلة، كلُّ ورقةٍ منها كانت أشبهَ بخنجرٍ مغروسٍ في تربةِ ماضيها. كانت تتوقعُ رسائلَ غراميةً من جدها، أو ربما ذكرياتٍ عن أيامِ شبابها، لكن ما وجدتهُ كان يفوقُ كلَّ تخيلٍ. صورٌ باهتةٌ لأشخاصٍ لم تعرفهم، وقصاصاتٌ من جرائدَ قديمةٍ تتحدثُ عن أحداثٍ غامضة، وأهمُّ من ذلك، رسائلٌ مكتوبةٌ بخطٍ متقشفٍ، يبدو أنهُ لجدتها، تتحدثُ عن علاقةٍ سريةٍ، عن خوفٍ دفينٍ، وعن قرارٍ مصيريٍّ اتخذتهُ في الماضي.

"لا يمكنُ أن يكونَ هذا صحيحًا"، تمتمت "ليلى" بصوتٍ مرتجفٍ، وعيناها تتجولان بين سطورِ إحدى الرسائل. كانت الرسالةُ تتحدثُ عن طفلٍ، طفلٍ لم يُكتب لهُ أن يرى النورَ في بيتِ جدها. طفلٍ وُلدَ في الخفاء، ثم اختفى. اختفى؟ هذا ما أثارَ الرعبَ في قلبها. من كان هذا الطفل؟ ولماذا كلُّ هذا السرّ؟ شعورٌ غريبٌ بالوحدةِ والخوفِ أحاطَ بها، وكأنَّ جدرانَ الغرفةِ تضيقُ عليها.

في تلكَ الليلةِ نفسها، كان "أحمد" يقضي وقتهُ في مكتبهِ، محاولًا استيعابَ حجمِ الاكتشافِ الذي توصلَ إليهِ. بعدَ بحثٍ مضنٍ، تمكنَ من ربطِ خيوطٍ رفيعةٍ من المعلوماتِ، بعضها استقاهُ من أرشيفِ الشركةِ القديم، وبعضها الآخر من محادثاتٍ متفرقةٍ معَ عمالٍ قدامى، ليتبينَ لهُ حقيقةٌ صادمةٌ عن مشروعٍ سريٍّ قديمٍ كانَ والدهُ قد أشرفَ عليهِ. مشروعٌ لم يكنْ لهُ أيُّ تسجيلٍ رسميٍّ، وكانَ الهدفُ منهُ واضحًا: إخفاءُ آثارِ جريمةٍ. جريمةٌ تتعلقُ بتبديدِ أموالٍ ضخمةٍ، واختفاءِ شاهدٍ رئيسيٍّ في قضيةٍ فسادٍ كانتْ ستُطيحُ برؤوسٍ كبيرةٍ في تلكَ الفترة.

"كانَ والدي يريدُ أن يحميني"، فكرَ "أحمد" بصوتٍ مسموعٍ، لكنَّ صوتهُ بدا غريبًا في سكونِ الليل. لقد عرفَ الآنَ سببَ خوفِ والدهِ الشديدِ على مستقبلهِ، وسببَ إصرارهِ على بناءِ سمعةٍ نظيفةٍ له. لقد أرادَ لهُ أن يكونَ بعيدًا عن أيِّ شبهة، وأنْ يبنيَ إمبراطوريةً لا تشوبها شائبة. لكنَّ اكتشافَ هذهِ الحقيقةِ، ولو كانتْ جزءًا من محاولةِ حمايةٍ، جعلَ شعورهُ بالذنبِ يتضخم. لقد عاشَ سنواتٍ وهوَ يحاولُ استعادةَ الثقةِ التي فقدها والدهُ، ليتبينَ لهُ أنَّ والدهُ كانَ يحميهِ من ورثةٍ ظلامٍ لم يكنْ يعرفُ عن وجودهم شيئًا.

في بيتِ "الحاجِّ عبد الرحمن"، كانَ القلقُ يسكنُ الأجواء. "نور"، ابنةُ "الحاجِّ"، كانتْ تشعرُ بتزايدِ الضغطِ النفسيِّ. الخطبةُ كانتْ على الأبواب، ولكنَّ هناكَ أمرًا يشغلُ بالها ويُقلقُ راحتها. كانتْ قد لاحظتْ مؤخرًا سلوكَ والدها المتغير، وثرثراته غيرَ المفهومةِ عن "التصحيح" و "التعويض". ظنتْ في البدايةِ أنها مجردُ وساوسٍ، لكنَّ إصرارَها على البحثِ عن تفسيرٍ قادها إلى استكشافِ غرفةِ مكتبِ والدها المغلقةِ.

كانتْ المفاجأةُ حينَ دخلتْ إلى الغرفةِ. لم تكنْ مجردَ غرفةِ دراسةٍ، بل كانتْ أشبهَ بمستودعٍ لذكرياتٍ وأسرار. بينَ الكتبِ القديمةِ، وجدتْ صورًا قديمةً جدًا، وصناديقَ صغيرةً تحتوي على أوراقٍ ووثائقَ. كانتْ هناكَ صورةٌ بالذاتِ شدتْ انتباهها: صورةٌ لامرأةٍ جميلةٍ، بجانبها رجلٌ يبدو أنهُ والدها في شبابهِ، وتحملُ المرأةُ بينَ ذراعيها طفلًا رضيعًا. لم تتعرفْ على المرأةِ، ولم تكنْ متأكدةً من هويةِ الطفل. شعرتْ بوخزةٍ في قلبها، كأنَّ هذا الطفلَ يحملُ شيئًا من ماضيها.

"من تكونُ هذهِ المرأة؟" تساءلتْ "نور" بذهولٍ، وهيَ تتفحصُ وجهَ المرأةِ الذي يكتنفهُ حزنٌ عميق. قلبتْ الورقةَ التي كانتْ بجانبِ الصورة، فوجدتْ اسمًا مكتوبًا بخطٍ أنيق: "فاطمة". من هيَ فاطمة؟ هل كانتْ مجردَ صديقةٍ قديمةٍ؟ أم لها دورٌ أكبرُ في حياةِ والدها؟

في تطورٍ مفاجئٍ، تلقى "الحاجُّ عبد الرحمن" اتصالًا هاتفيًا غامضًا. صوتٌ مجهولٌ، همسٌ متقطعٌ، وكلماتٌ قليلةٌ كانتْ كافيةً لإشعالِ فتيلِ القلقِ في روحه. "الوقتُ يداهمنا. يجبُ أنْ يُصححَ الخطأُ قبلَ فواتِ الأوان. السرُّ لنْ يبقى سرًّا للأبد." أغلقَ المتصلُ الخطَّ دونَ انتظارِ رد. شعرَ "الحاجُّ عبد الرحمن" ببرودةٍ تسري في عروقه. لقد كانَ يعلمُ أنَّ ما فعلهُ في الماضي سيعودُ ليطاردهُ يومًا ما، لكنهُ لم يتوقعْ أنْ يكونَ هذا اليومُ قريبًا إلى هذا الحد.

عادَ "أحمد" إلى منزلِ والدهِ، وقد حملَ معه ثقلَ اكتشافاتهِ. وجدَ "ليلى" تجلسُ في حديقةِ المنزلِ، وجهها شاحبٌ، وعيناها تحملانِ أثرَ سهرٍ طويل. كانَ الظلامُ قد بدأَ يتسللُ إلى أركانِ الحديقة، مضفيًا جوًا من الغموض.

"ما بكِ يا ليلى؟" سألَ "أحمد" بقلقٍ، جالسًا بجانبها. رفعتْ "ليلى" عينيها إليه، وفي نظرتها مزيجٌ من الحزنِ والريبة. "لقد وجدتُ شيئًا في صندوقِ جدتي. شيئًا غريبًا." "ما هو؟"

ترددتْ "ليلى" لحظةً، ثم بدأتْ تروي ما وجدتهُ، وكلُّ كلمةٍ كانتْ تزيدُ من توترِ "أحمد". تشابهُ الأحداثِ، السرّيةُ، الأطفالُ المفقودون، كلُّ ذلكَ كانَ يشيرُ إلى حقيقةٍ مرعبةٍ.

"جدتي... هل كانتْ تخفي سرًّا عائليًّا؟" سألتْ "ليلى" بصوتٍ خافت. "أخشى أنْ يكونَ الأمرُ أعمقُ من ذلكَ بكثيرٍ يا ليلى." أجابَ "أحمد" بنبرةٍ جدية، وهوَ يفكرُ في اكتشافاته. "أتذكرينَ ما قلتهُ لي عن مشروعِ جدكِ؟"

"نعم، ذكرتِ لي أنَّه كانَ يعملُ في مشروعٍ سريٍّ. لكنني لم أتخيلْ قطُّ أنَّ الأمرَ سيصلُ إلى هذا الحد." "مشروعُ جدكِ... ومشروعهُ... يبدو أنَّ هناكَ خيطًا يربطُ بينَ العائلتينِ، خيطٌ مظلمٌ ومدفونٌ في الماضي."

في تلكَ اللحظةِ، شعرَ كلاهما بالوحدةِ في مواجهةِ هذا الغموضِ الهائل. لقد بدأتْ الحقائقُ تتكشفُ، لكنها لم تكنْ سوى بدايةِ رحلةٍ شاقةٍ في بحرٍ من الأسرار. البابُ الذي كانَ يؤدي إلى الماضي قد فُتحَ، ولم يكنْ هناكَ مجالٌ للتراجع.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%