أحلام الحب الجزء الثالث

في متاهة الذكريات

بقلم مريم الحسن

عادت "ليالي" إلى منزلها القديم، المنزل الذي ورثته عن جدتها، والذي أصبح ملاذها الهادئ من صخب المدينة. كان المنزل يقع في طرف المدينة القديمة، تحيط به جدران من الطين السميك، وتزينه نوافذ خشبية معشقة بأنماط هندسية تقليدية. كل زاوية فيه تحمل عبق التاريخ، وكل حجر يحكي قصة. بعد عودتها من الصحراء، وقبل أن تغوص في متاهة الذكريات، قضت وقتًا في إعداد كوب من الشاي بالنعناع، رائحته الزكية ملأت أرجاء المنزل. جلست في الفناء الداخلي، حيث تتوسطه شجرة رمان مورقة، ألقت بأغصانها الممتدة كحضن دافئ.

لم تستطع "ليالي" أن تنسى لقاءها ببدر. كان وجهه، صوته، كلماته، كلها عالقة في ذهنها. شعرت بشيء لم تشعر به من قبل، مزيج من الاهتمام والفضول، وشيء أعمق، شيء يشبه الافتتان. لكنها كانت تعي جيدًا أن هذه المشاعر يجب أن تُضبط، وأن تُدار بحذر، خصوصًا وأنها في بداية رحلة البحث عن شريك حياة بالحلال.

فتحت كتابها مرة أخرى، ولكن الكلمات لم تعد تجذبها بنفس القدر. كان ذهنها شاردًا، ينتقل بين صفحة وأخرى، وبين صورة بدر المرتسمة في خيالها. استشعرت بأنها قد وقعت في فخ، فخ يسمى "التعلق". كان عليها أن تستعيد السيطرة على نفسها.

تذكرت محادثاتها مع والدتها، دائمًا ما كانت توصيها بالصبر والاحتساب، وأن القلب لا يملك إلا ما أذن الله له به. "يا ابنتي، الحب الحلال كنز ثمين، يبنى على أساس متين من الاحترام والتفاهم، وعلى رؤية واضحة للمستقبل. لا تتركي العواطف الجامحة تقودك إلى حيث لا تريدين."

تنهدت "ليالي". كانت تعلم أن والدتها على حق، ولكن قلب الإنسان ليس دائمًا أطوع من الريح. أمسكت بقلمها، وبدأت تكتب في دفتر مذكراتها، محاولة تفريغ ما في صدرها على الورق.

"اليوم، في وادي الهمسات، التقيت برجل. اسمه بدر. لم أعرف عنه شيئًا، سوى أنه كان يتمتع بجمال ظاهري، وهدوء غريب. تحدثنا قليلًا، وكان حديثه ينم عن وعي ورقي. قال إن هذه أرض أجداده، وأنه يجد فيها ملاذه. هل كان يلمح إلى شيء؟ أم أنها مجرد كلمات عابرة؟ لقد شعرني بأنني أبحث عن السلام، وكان على حق. لكني لا أعرف ما إذا كان هذا السلام سيأتي عبره، أم أن لقاءنا كان مجرد وميض عابر في صحراء حياتي. قلبي يخفق بسرعة، وهذا يقلقني. يجب أن أتحلى بالصبر، وأن أدعو الله أن يهديني إلى ما فيه الخير. إن كانت هذه بداية لشيء جميل، فليكن، وإن كان مجرد وهم، فليكن درسًا جديدًا. أسأل الله أن يبعد عني فتنة القلوب، وأن يقودني إلى الطريق المستقيم."

أغلقت "ليالي" دفترها، وشعرت براحة نسبية. الكتابة دائمًا ما كانت مفتاحها للتغلب على مشاعرها المتضاربة.

في اليوم التالي، تلقت "ليالي" اتصالًا هاتفيًا من صديقتها المقربة "نور". كانت نور فتاة مرحة، تمتلك قلبًا طيبًا، ودائمًا ما كانت تبحث عن أفضل حلول لمشاكل "ليالي".

"ليالي! كيف حالك يا عزيزتي؟ لم أسمع صوتك منذ فترة." قالت نور بحماس.

"بخير يا نور، الحمد لله. كنت مشغولة بعض الشيء." أجابت "ليالي".

"مشغولة؟ أم غارقة في أحلام اليقظة؟" سألت نور بضحكة. "سمعت أنكِ ذهبتِ إلى الصحراء مؤخرًا. هل وجدتِ ما تبحثين عنه؟"

شعرت "ليالي" بالخجل. "لم أجد شيئًا محددًا، لكنني وجدت بعض الهدوء."

"الهدوء لا يشبع الروح يا ليالي. أنتِ بحاجة إلى شيء آخر. أنتِ بحاجة إلى 'رجل'." قالت نور بجدية مفاجئة.

"وماذا عنكِ؟ هل وجدتِ 'رجل' أحلامكِ بعد؟" سألت "ليالي" بابتسامة.

"بالطبع لا! أنا أبحث عن رجل يخاف الله، ويقدر المرأة، ويكون سندًا وعونًا. ولكن أعرف أنكِ تبحثين عن هذا أيضًا. لهذا السبب، لدي فكرة. أعرف عائلة طيبة جدًا، ولديهم ابن وحيد، شاب ملتزم وخلوق. والداه صديقان لوالدي، ويعرفون قيمته. سمعت عنه أشياء رائعة. هل أنتِ مستعدة للقاء؟"

ترددت "ليالي". كانت تتذكر لقاءها ببدر، ورغبتها في التروي. ولكنها أيضًا كانت تدرك أن عليها أن تأخذ بالأسباب. "من هو؟ وما اسمه؟"

"اسمه 'أحمد'. شاب يعمل في مجال الهندسة. متدين، ولديه أخلاق عالية. والداه يعرفان كيف يختاران، وأنا متأكدة أنه سيكون مناسبًا لكِ."

"ولكن، هل هو معجب بالصحراء؟" سألت "ليالي" فجأة، مستذكرةً بدر.

ضحكت نور. "يا ليالي! هل ما زلتِ تفكرين في الرجل الذي قابلته في الصحراء؟ هل هو شخص مهم؟"

شعرت "ليالي" بأنها قد تورطت. "لا، لم يكن مهمًا. ربما فقط... لفت انتباهي. ولكنني لا أعرف عنه شيئًا. اسمي 'بدر'؟"

"بدر؟ اسم جميل. ولكن هل هو حقًا شخص يستحق أن تقلقي بشأنه؟ أنتِ بحاجة إلى استقرار، يا ليالي. أحمد رجل يعرف معنى الاستقرار."

"أحمد... حسناً. دعيني أفكر في الأمر. أخبريني المزيد عنه."

تحدثت نور عن أحمد بتفصيل، مؤكدة على حسن خلقه، والتزامه الديني، وطموحه. كانت "ليالي" تستمع باهتمام، ولكن صورة بدر لم تفارق ذهنها. كانت هذه هي المعضلة. هل يجب أن تترك فرصة قد تكون سعيدة، بسبب ذكرى رجل لا تعرف عنه شيئًا؟ أم أن القلب يميل لمن كتبه الله له؟

"لا تتعجلي يا ليالي." قالت نور، وكأنها قرأت أفكارها. "المهم أن ترتاحي لهذه الفكرة. سأحدث والدتي، وهي بدورها ستحدث والدتك، لترتيب لقاء تعارفي بسيط."

"شكرًا لكِ يا نور. أنتِ دائمًا الأفضل." قالت "ليالي" بامتنان.

بعد انتهاء المكالمة، عادت "ليالي" إلى حديقتها. جلست تحت شجرة الرمان، وأغمضت عينيها. حاولت أن تتخيل لقاءً مع أحمد. بدا الشاب في وصف نور مناسبًا جدًا، وملتزمًا بما تبحث عنه. ولكن هل يستطيع أن يملأ فراغًا لم تعرف من أين جاء؟

فجأة، شعرت بأن هناك شيئًا يطير فوقها. رفعت رأسها، ورأت طائرًا صغيرًا يحلق ببراعة. ثم هبط على غصن قريب، وبدأ يغني بصوت عذب. كان وكأن الطبيعة ترد على تساؤلاتها.

"هذا جميل." همست "ليالي" للطائر. "ولكن، هل هذا إشارة؟"

في تلك اللحظة، شعرت برياح خفيفة تلفح وجهها، وكأنها تحمل همسات من وادي الهمسات. هل هو "بدر"؟ أم أن خيالها يلعب بها؟

"أتمنى أن يكون هذا الرجل، أحمد، هو ما كتبه الله لي." قالت "ليالي" لنفسها. "ولكن، لماذا لا يزال اسم 'بدر' يتردد في ذهني؟"

أمسكت بأوراق الشجر المتساقطة، وبدأت ترتبها في يديها. كانت تتمنى لو أن الحياة كانت بهذه البساطة، يمكن ترتيبها بسهولة. ولكنها عرفت أن قلب الإنسان عالم معقد، يحتاج إلى رحمة الله وهدايته.

"ربي، دلني على الخير. واجعل قلبي يميل إلى ما فيه رضاك." دعت "ليالي" في سرها، وشعرت بأن دعائها يلامس عنان السماء.

كانت بداية جديدة تتشكل، ولكن في قلب "ليالي" كان هناك صراع خفي، بين ما هو منطقي وما هو شعوري، بين ما هو آمن وما هو مجهول.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%