أحلام الحب الجزء الثالث
ظلُّ الماضي يطاردُ الحاضر
بقلم مريم الحسن
استمرَّ الليلُ في استيعابِ ما بدأَ يتكشفُ في بلدةِ "نخيل الوادي". لم يعدِ الهدوءُ الظاهريُّ يخفي ما كانتْ تحملهُ القلوبُ من قلقٍ وتوتر. في منزلِ آلِ "البدر"، كانتْ "ليلى" تشعرُ بتغيرٍ جذريٍّ في نظرتها للحياة. كلُّ شيءٍ كانتْ تعتقدُ أنَّها تعرفهُ عن عائلتها، عن تاريخها، قد بدأَ يتهاوى.
"لم أتخيلْ قطُّ أنَّ جدتي، تلكَ المرأةُ الوقورةُ، يمكنُ أنْ تكونَ جزءًا من شيءٍ كهذا." قالتْ "ليلى" لـ"أحمد"، وهيَ تتصفحُ رسائلَ أخرى وجدتها. كانتْ الرسائلُ تتحدثُ عن قلقٍ شديدٍ، وعن مواعيدَ سريةٍ، وعن خوفٍ دفينٍ من شخصٍ لم يُذكرْ اسمهُ قط. "هناك شخصٌ كانَ يهددها؟"
"على الأرجح." أجابَ "أحمد"، وقد شعرَ بتزايدِ التوترِ في صوته. "ووالدي... كلُّ الوثائقِ التي وجدتها تتعلقُ بإخفاءِ آثارِ جريمةٍ. جريمةِ تبديدِ أموالٍ، واختفاءِ شاهد. لا أستطيعُ ربطَ كلِّ الخيوطِ ببعضها. لكنَّ الشيءَ الوحيدَ المؤكدَ هوَ أنَّ هذا الأمرَ لم يكنْ بريئًا."
في منزلِ "الحاجِّ عبد الرحمن"، كانتْ "نور" تحاولُ استيعابَ الحقيقةِ المؤلمة. والدها، الذي كانتْ تعتبرهُ مثَلَها الأعلى، لديهِ سرٌّ كبيرٌ، سرٌّ يتعلقُ بطفلٍ وُلدَ خارجَ إطارِ زواجها من والدتها. ذهبتْ إلى والدتها مرةً أخرى، وهيَ تحملُ الصورَ والرسائل.
"أمي، هل كانَ أبي يفكرُ في العودةِ إلى فاطمة؟ هل كانَ يحبها أكثرَ مني؟" سألتْ "نور"، وقد غمرتها دموعُ الألمِ والغيرة. احتضنتْ الأمُّ ابنتها بحنانٍ. "يا ابنتي، الحبُّ يتخذُ أشكالاً مختلفةً. لقد اختارَ والدكِ أنْ يبنيَ حياتَهُ معكِ ومعي. لقد كانَ يخشى أنْ يفسدَ هذا السرُّ سعادتنا. كانَ يريدُ أنْ يحمينا." "لكنَّهُ لم يحمِ الطفلَ. لم يحمِ فاطمة." "كانتْ هناكَ ظروفٌ قاسيةٌ يا نور. لقد فعلَ ما اعتقدَ أنَّهُ الأفضلُ في تلكَ الظروف."
لم تستطعْ "نور" أنْ تجدَ الراحةَ الكاملة. ظلُّ الماضي كانَ يلقي بظلالهِ على حاضرها، ويُشوهُ صورةَ والدها في ذهنها. هل كانَ قرارُه بحمايةِ عائلتهِ مبررًا، أم أنَّهُ كانَ أنانيًا؟
في مكانٍ آخرَ من البلدة، كانَ "الحاجُّ موسى" يتحدثُ معَ ابنهِ "بدر" في قصرهِ الفخم. كانَ "الحاجُّ موسى" يبدو واثقًا من قدرتهِ على احتواءِ أيِّ أزمة. "يا بني، لا تقلق. لقد كنتُ أتوقعُ أنَّ هذهِ الأوراقَ القديمةَ قد تجلبُ بعضَ المتاعب. لكنَّنا تعاملنا معَ الأمرِ بذكاءٍ. جدي كانَ رجلًا حكيمًا. لقد جعلَ المستحيلَ ممكنًا. كلُّ ما يتعلقُ بمشروعِ والدهِ... لقد تمَّ إتلافهُ. لا يوجدُ أيُّ أثرٍ لهُ."
"لكنَّ أحمدَ لديهِ بعضُ الوثائقِ، يا أبي. سمعتُ أنَّهُ وجدَ بعضَ القصاصاتِ من سجلاتِ الشركةِ التي تشيرُ إلى وجودِ مشروعٍ سريٍّ." "قصاصاتٌ؟" سخرَ "الحاجُّ موسى". "لا شيءَ يمكنُ أنْ يثبتَ شيئًا. الأمرُ مجردُ شائعاتٍ قديمةٍ. دعْ أحمدَ يبحثُ. لنْ يجدَ شيئًا يضرنا. تذكرْ، مستقبلُ عائلتنا أهمُّ من أيِّ شيءٍ آخر. وأيُّ شيءٍ يهددُ سمعتَنا... يجبُ أنْ نتخلصَ منهُ."
في هذهِ اللحظةِ، شعرَ "بدر" بأنَّ والدهُ على وشكِ اتخاذِ قرارٍ حاسم. نظرةُ والدهِ كانتْ تحملُ بريقًا خطيرًا، بريقَ رجلٍ لا يتوانى عن فعلِ أيِّ شيءٍ لحمايةِ ما يعتبرهُ ملكهُ.
بعدَ وقتٍ قصيرٍ، تلقى "أحمد" رسالةً غامضةً عبرَ بريدهِ الإلكتروني. لم يكنْ مرسلها معروفًا. الرسالةُ كانتْ قصيرةً ومباشرة: "إذا أردتَ معرفةَ الحقيقةِ كاملةً، اذهبْ إلى المستودعِ القديمِ المهجورِ عندَ أطرافِ الوادي. غدًا، عندَ منتصفِ الليل. وحدك."
نظرَ "أحمد" إلى "ليلى". "هناك من يريدُ أنْ يخبرني شيئًا. أو ربما يريدُ أنْ يوقعني في فخٍّ." "لا تذهبْ وحدكَ يا أحمد. هذا خطيرٌ جدًا." قالتْ "ليلى" بقلقٍ بالغ. "يجبُ أنْ أعرفَ الحقيقةَ. لم نأتِ إلى هنا لنستسلمَ. لقد اكتشفنا الكثيرَ، ولا يمكنُ أنْ نتركَ الأمرَ هكذا."
شعرَ "أحمد" بتصميمٍ قويٍّ يتغلغلُ في روحه. لقد أدركَ أنَّ كلَّ ما واجههُ في الماضي، وكلَّ التحدياتِ التي كانتْ تعترضُ طريقه، لم تكنْ سوى مقدمةٍ لهذهِ اللحظة. كانَ شبحُ والدهِ، وشبحُ جدهِ، وشبحُ جدةِ "ليلى"، وشبحُ "فاطمة" وطفلها، يطاردونهُ.
في تلكَ الليلةِ، وبينما كانَ "أحمد" يتجهزُ لرحلتهِ الخطيرة، كانَ "الحاجُّ موسى" يتحدثُ معَ رجلٍ مجهولِ الهويةِ على الهاتف. "لقد حانَ الوقتُ يا 'صقر'. يجبُ أنْ نتأكدَ من أنَّ هذا الشابَّ لنْ يتذكرَ شيئًا أبدًا. خطةُ الوالدِ يجبُ أنْ تُنفذَ بحذافيرها. لا تدعْ أيَّ عواطفِ أو تردداتٍ تعيقُ عملكَ." "الأمرُ مُجهزٌ يا سيدي." أجابَ الصوتُ المجهولُ ببرود. "لنْ يتذكرَ شيئًا."
شعرَ "أحمد" بأنَّ هذهِ الرحلةَ هيَ نقطةُ التحول. نقطةٌ ستحددُ مصيرهُ، ومصيرَ "ليلى"، ومصيرَ العائلتين. لقد بدأتْ خيوطُ الماضي تتشابكُ معَ الحاضرِ بقوةٍ، وظلُّ الماضي كانَ يهددُ بابتلاعِ كلِّ شيءٍ.