أحلام الحب الجزء الثالث
لقاء على ضفاف الذكريات
بقلم مريم الحسن
مرت أيام قليلة، امتلأت بالتفكير والقلق بالنسبة لـ "ليالي". كانت تزن الأمور بعناية، وتستشير قلبها وعقلها. فكرة لقاء "أحمد" كانت تلوح في الأفق، بمباركة من عائلتها وصديقتها "نور". ولكن، كلما اقترب الموعد، كلما عادت صورة "بدر" لتخيم على أفكارها. لم تكن تدرك لماذا هذا الرجل الغامض، الذي قابلته لوهلة في الصحراء، قد استطاع أن يترك هذا الأثر العميق في روحها.
في أحد الأيام، تلقت "ليالي" رسالة نصية من رقم مجهول: "أتمنى أن تكوني بخير. تذكرتكِ عندما كنتُ في وادي الهمسات. هل ما زلتِ تبحثين عن السلام؟".
شعرت "ليالي" بتوهج مفاجئ في قلبها. عرفت من الرسالة فورًا. إنها من "بدر". ترددت قليلًا قبل أن ترد. ماذا ستكتب؟ وماذا يتوقع منها؟
بعد تفكير، كتبت: "وعليكم السلام. الحمد لله، أنا بخير. ووادي الهمسات دائمًا ما يمنحني السلام. لمن هذا الرقم؟".
لم يمضِ وقت طويل حتى جاء الرد: "إنه رقمي. أنا بدر. لم أستطع نسيان لقائنا. بدا لي أنكِ تحملين حكمة تتجاوز عمركِ."
ابتسمت "ليالي". حكمة تتجاوز عمري؟ هل لاحظ هذا في أول لقاء؟ "شكرًا لك. لقد كان لقاءً غير متوقع."
"والحياة مليئة باللقاءات غير المتوقعة، أليس كذلك؟" جاء الرد. "هل تسمحين لي بأن أتعرف عليكِ أكثر، يا ليالي؟ ربما عبر مكالمة هاتفية، إذا لم يكن ذلك إزعاجًا."
كانت "ليالي" في حيرة. لقاء "أحمد" كان مؤكدًا، و"بدر" يظهر فجأة. كانت تعلم أن هذه اللقاءات يجب أن تكون بحذر، وأن الحدود الأخلاقية لا يجب أن تُنتهك. ولكن، هل مكالمة هاتفية تعد انتهاكًا؟
"ليس لدي مانع، ولكن يجب أن يكون الأمر في إطار الاحترام. أنا أبحث عن علاقة جادة، ترضي الله." كتبت "ليالي" بحزم.
"بالطبع. هذا ما أبحث عنه أيضًا. شرف لي أن ألتقي بامرأة تضع رضا الله نصب عينيها." رد بدر.
تبادلا الأرقام، وحددا موعدًا لمكالمة في المساء.
في المساء، اتصل "بدر". كان صوته أجمل من ذي قبل، مليئًا بالدفء والهدوء. تحدثا عن كل شيء تقريبًا: عن أحلامهما، عن طموحاتهما، عن نظرتهما للحياة. اكتشفت "ليالي" أن "بدر" شاب طموح، لديه رؤية واضحة لمستقبله. كان مهتمًا بالتاريخ والأدب، وكان شغوفًا بأرض أجداده. كان يتحدث عن بناء مزرعة للأعشاب النادرة، وعن إحياء التراث البدوي الأصيل.
"هل تعرفين يا ليالي، أن جدتي كانت تحكي لي قصصًا عن النساء القويات في عائلتنا؟ نساء كنّ يعتمدن على أنفسهن، ويشاركن أزواجهن في بناء الحياة. هذا ما أبحث عنه في شريكة حياتي، قوة لا تفارقها الإرادة، وحكمة لا تنتهي." قال بدر.
شعر "ليالي" بأن كلماته تخاطب قلبها مباشرة. كانت دائمًا ما تحلم بأن تكون امرأة قوية، مؤثرة، ولكن في إطار من القيم. "أنا أيضًا أبحث عن شريك يقدرني، ويدعمني، ونبني معًا حياة ذات معنى."
"وهل تعتقدين أننا نستطيع بناء حياة ذات معنى معًا؟" سأل بدر، وشعرت "ليالي" بأن هناك شيئًا في نبرة صوته يحمل رجاءً.
"الله وحده يعلم ما في الغيب." أجابت "ليالي" بهدوء، ولكن قلبها كان يخفق بقوة. "ولكن، أعتقد أننا على الطريق الصحيح."
قضيا وقتًا طويلاً في الحديث، وشعرت "ليالي" بأنها تتحدث مع روح تشبهها، روح تفهمها، وتقدرها. كانت هذه المكالمة مختلفة تمامًا عن المكالمة التي كانت تتوقعها مع "أحمد".
في اليوم التالي، وبينما كانت "ليالي" تستعد للقاء "أحمد" المقرر مع عائلته، تلقت مكالمة من "نور".
"ليالي! لقد استلمتِ دعوة والدة أحمد؟ هل أنتِ مستعدة؟"
"نعم، أنا مستعدة." أجابت "ليالي"، ولكن في داخلها كان هناك شعور بالاضطراب.
ذهبت "ليالي" مع والدتها إلى منزل والدة "نور" لاستقبال عائلة "أحمد". كان المكان مزينًا بأناقة، وكانت رائحة القهوة العربية تفوح في الأرجاء. كان "أحمد" شابًا وسيمًا، مهذبًا، يتحدث بهدوء ورصانة. كان يبدو عليه الالتزام والأخلاق. استمر اللقاء في أجواء ودية، ولكن "ليالي" لم تستطع أن تتخلص من مقارنة خفية في ذهنها.
كان "أحمد" يتحدث عن خططه المستقبلية، وعن أهمية بناء أسرة صالحة. كانت كلماته منطقية، ومدروسة. ولكنها لم تلامس قلب "ليالي" بنفس العمق الذي لامسته كلمات "بدر".
"ما رأيكِ يا ليالي؟" سألتها والدتها بعد انصراف عائلة "أحمد".
"أحمد شاب جيد جدًا يا أمي. ومناسب. ولكني..." ترددت "ليالي".
"ولكن ماذا؟" سألت والدتها بقلق.
"لا أعرف. أشعر أن قلبي لم يجد طريقه بعد."
في تلك الليلة، لم تستطع "ليالي" النوم. اتصلت بـ "بدر".
"مرحباً يا بدر." قالت عندما أجاب.
"أهلاً بكِ يا ليالي. هل أنتِ بخير؟ صوتكِ يبدو متعبًا."
"لا شيء. فقط... كنت أفكر."
"هل أفكركِ يقلقكِ؟"
"بعض الشيء. لقد قابلت اليوم شخصًا اقترحته والدتي. شاب جيد جدًا."
ساد صمت قصير، ثم قال بدر بهدوء: "ولكنه ليس الشخص الذي تتحدثين عنه في ذهنكِ."
"كيف عرفت؟" سألت "ليالي" بدهشة.
"لأنني شعرت بذلك. ربما لأنني... أتمنى أن أكون أنا الشخص الذي تتحدثين عنه في ذهنكِ."
شعرت "ليالي" بأن قلبها قفز. "بدر... لا أعرف ماذا أقول."
"لا تقولي شيئًا. فقط... كوني صادقة مع نفسكِ. إذا كان قلبكِ يميل إلى شخص، فدعي صوت القلب يسمع. وإذا كنتِ تبحثين عن شريك يشارككِ أحلامكِ، فابحثي عن هذا الشريك."
"ولكن، كيف نتأكد؟"
"بالدعاء. وبالتفكير الواضح. وبالإيمان بأن الله سيضع الخير حيث يشاء. سأقول لكِ شيئًا يا ليالي، أنا لا أملك في هذه الدنيا سوى أرضي، وجوادي، وحلمي. وحلمي هو أن أبني حياة كريمة، مع امرأة كريمة. وصدقيني، عندما تحدثت معكِ لأول مرة، شعرت بأنكِ تلك المرأة. ولذلك، أنا على استعداد للتقدم لخطبتكِ، ولكن بعد أن تتأكدي أنتِ بنفسكِ، وبعد أن تستخيري الله."
صدمت "ليالي" بكلام بدر. التقدم للخطبة؟ بعد هذه الفترة القصيرة؟ شعرت بأن حياتها قد اتخذت منعطفًا غير متوقع. هل هذا قدر؟ أم مجرد اندفاع؟
"بدر... هذا... هذا أمر كبير. أحتاج وقتًا للتفكير. وأنا... أريد أن أكون على يقين."
"أتفهم ذلك تمامًا. خذي وقتكِ. ولكن، كوني على علم بأنني لن أترك هذه الفرصة تمر دون محاولة. لقد وجدت فيكِ ما كنت أبحث عنه."
انتهت المكالمة، وتركت "ليالي" في حالة من الذهول. كان عليها أن تتخذ قرارًا، قرارًا سيغير حياتها. ولكن أي قرار؟ قرار العقل أم القلب؟ قرار الأمان أم الشغف؟