أحلام الحب الجزء الثالث
وهم السراب
بقلم مريم الحسن
كانت الليالي تمضي ثقيلة على قلب عمار، كل ليلة تحمل معها عبئاً أشد من سابقتها. لم يعد يجد السلوى في عبادة الله، ولا الراحة في دعاء والديه. لقد استقر في روحه شيءٌ سامٌ، شيءٌ لا يقوى على مقاومته، ولا يجرؤ على البوح به. كان يشعر وكأن أجنحة الظلام تحيط به، تنسج له شبكةً من الوهم والخيال، يتخبط فيها بلا هدى.
في كل مرة كان يرى فيها ابتسامة نور، كانت تلك الابتسامة تتحول في ذهنه إلى فتنةٍ جديدة. كان يتذكر حديثها، ضحكتها، حركاتها الرشيقة، وكل تفصيلٍ صغيرٍ فيها كان يغذّي ناراً موقدةً في أعماقه. كان يلوم نفسه بشدة، يستغفر ربه ألف مرة، ثم يعود ليقع في نفس الدوامة. كانت مشاعره تجاهها تتجاوز حدود الاحترام اللائق، وتنزلق نحو شغفٍ محمومٍ لا يستطيع لجمه.
في أحد الأيام، وبينما كان يجلس في مكتبه، شارد الذهن، تناهى إلى سمعه صوتٌ يناديه. كانت والدته، الحاجة فاطمة، تقف عند الباب، تحمل في يديها طبقاً من الحلوى التي تفوح منها رائحة الهيل والزعفران. "عمار يا بني، لقد أعددت لك هذا. ألست تأكل شيئاً؟ وجهك شاحبٌ منذ أيام." تنهد عمار، وحاول أن يرسم ابتسامةً مصطنعة. "شكراً يا أمي، إنني بخير. ربما أكلت قليلاً بالأمس." نظرت إليه والدته بعينين زائغتين، تخترق فيهما قلق الأمومة. "لا تبدو بخير يا بني. أراك ساهياً، كثير الشرود. هل هناك ما يزعجك؟" اعتصر قلبه. كم تمنى لو يستطيع البوح لها بكل شيء، لكن الخوف من نظرتها، من خيبة أملها، كان أكبر من أي رغبةٍ في التنفيس. "لا شيء يا أمي، مجرد ضغط العمل. تعلمين طبيعة عملي." أومأت برأسها ببطء، ثم وضعت الطبق على مكتبه. "إذن، كل شيئاً قليلاً. لقد تعبت في إعداده خصيصاً لك." خرجت الحاجة فاطمة، تاركةً عمار يصارع صمته. نظر إلى الحلوى، لم تكن مجرد حلوى، بل كانت رمزاً للحنان الأسري، للحب غير المشروط الذي لطالما غمره. لكنه في تلك اللحظة، كان يشعر بأنه خذل هذا الحب، بأنه يزرع في تربته بذرة شر.
في تلك الأثناء، كانت نور تعيش أزمةً أخرى. لقد زاد إعجابها بعمار، لكنها كانت تعلم أن الطريق الذي تسلكه غير شرعي. كانت تسمع همساتٍ بين زميلاتها في العمل، إشاعاتٍ تتناقل عن علاقاتٍ غير مشروعة، عن فتياتٍ ضللن الطريق. كانت تلك القصص تزرع في قلبها الخوف، وتزيد من حيرتها.
في مساء أحد الأيام، قررت نور أن تتجاوز حدود ما تسمح به أخلاقياتها. ذهبت إلى المقهى الذي اعتاد عمار أن يرتاده بعد صلاة العشاء، وبصحبتها زميلةٌ لها اسمها سارة، كانت معروفةً بجرأتها وقلة حيائها. "ماذا تفعلين هنا يا نور؟" سألت سارة بابتسامةٍ ماكرة. "هل تبحثين عن مغامرة؟" شعرت نور ببعض التردد، لكن تصميمها كان أقوى. "أريد فقط أن ألتقي بعمار. لدي أمرٌ مهم أريد أن أتحدث معه فيه." "أمرٌ مهم؟" رفعت سارة حاجبيها. "أتمنى ألا يكون أمراً يتعلق بقلبك. تذكري يا عزيزتي، القلوب التي تضيق على صاحبها، تجعله يسقط في هوةٍ عميقة." لم ترد نور، وسارت باتجاه الطاولة التي اعتاد عمار الجلوس فيها. وجدته جالساً وحيداً، يقلب في كتابٍ قديم. تجمعت شجاعتها، واقتربت منه. "السلام عليكم أستاذ عمار." رفع عمار رأسه، وظهرت الدهشة على وجهه. "نور؟ ما الذي أتيتِ به إلى هنا؟" "أردت أن أتحدث معك في أمرٍ هام." قالت نور، وهي تجلس أمامه دون دعوة. ابتسمت سارة بخبث، ثم ابتعدت قليلاً، تاركةً نور وعمار وحدهما. "ما هو هذا الأمر الهام؟" سأل عمار، وبدا عليه القلق. نظرت نور إلى عينيه مباشرةً، ثم قالت بصوتٍ فيه ترددٌ واضح: "أنا... أنا أشعر بشيءٍ تجاهك، شيءٌ لا يمكنني كتمانه." تجمد عمار في مكانه. لقد كانت هذه اللحظة التي طالما خافها، وانتظرها في آنٍ واحد. شعر بنبضات قلبه تتسارع، وبدماءٍ حارةٍ تسري في عروقه. لقد كانت كلماتها، كلماتها التي تمنّاها، لكنها أتت في وقتٍ لا يجوز فيه سماعها. "نور،" قال عمار بصوتٍ مرتجف، "أرجوكِ، لا تقولي هذا. أنتِ تعرفين أن هذا لا يجوز. أنتِ في مقام أختي، وأنا أحترمكِ كثيراً." لكن نور لم تستمع إليه. لقد كانت في عالمٍ آخر، عالمٍ بنته أحلامها. "لا يا أستاذ عمار، ليس مجرد احترام. أنا... أنا معجبةٌ بك. منذ وقتٍ طويل." ارتعش جسد عمار. كانت كلماتها كالسهم الذي اخترق درعه الواهي. لقد كان عالقاً بين رغبته المكبوتة، وبين واجبه الديني والأخلاقي. شعر بالضعف يتسلل إليه، وكأن كل ما بناه من صمودٍ ينهار. "نور،" كرر عمار بصوتٍ أقوى، محاولاً استعادة رباطة جأشه. "هذا الكلام لا يليق بنا. نحن في مكانٍ عام، وعلاقتنا يجب أن تكون ضمن حدود." لكن نور بدأت تبكي. "لماذا تفعل هذا بي؟ لماذا تتجاهل مشاعري؟" اقترب منها عمار، وأخذ يديها برفق، لكن ليس لإمساكها، بل لضمها. "أرجوكِ يا نور، لا تضعي نفسكِ في هذا الموقف. أنا لا أريد لكِ الشر. وأخشى على نفسي من الفتنة." "فتنة؟" قالت نور بضحكةٍ مريرة. "هل تشعر بالفتنة مني؟ هذا يعني أن هناك شيئاً ما." زاد قلق عمار. كانت نور تتلاعب بمشاعره، وتستغل ضعفه. شعر بالضيق الشديد، وأنه قد وقع في فخٍ نصبته له نفسه قبل غيرها. "ليس الأمر كذلك يا نور،" قال عمار بعصبيةٍ مكتومة. "دعيني وشأني. أرجوكِ." نهض عمار مسرعاً، تاركاً نور وحدها في المقهى، والدموع تنهمر من عينيها. لقد كان يشعر وكأن الأرض تميد به، وكأن كل شيءٍ حوله أصبح رمادياً. لقد كان يدرك تماماً أنه فقد السيطرة على نفسه، وأنه أصبح رهين وهمٍ سحقه.
عادت نور إلى سارة وهي تبكي. "لقد رفضني." ابتسمت سارة ببرود. "لم يكن الأمر متوقعاً. لكن لا تقلقي، هناك دائماً حلولٌ أخرى." "حلولٌ أخرى؟" سألت نور بلهفة. "بالطبع،" قالت سارة، وهي تحتضن نور. "الحياة لا تتوقف عند رجلٍ واحد. ولكن تذكري، أن بعض العلاقات، وإن بدأت بالحب، قد تنتهي بالدمار." نظرت نور إلى سارة، وفي عينيها مزيجٌ من اليأس والأمل. لقد كانت تشعر بالضياع، لكنها لم تكن مستعدةً للاستسلام. أما عمار، فقد غادر المقهى متجهاً إلى مسجده، باحثاً عن مخرجٍ من السجن الذي نسجه لنفسه. لكن هل سيجد مفتاح الحرية، أم سيبقى أسيراً لأوهامه؟