أحلام الحب الجزء الثالث

عواصف الروح

بقلم مريم الحسن

عاد عمار إلى منزله كمن أراد أن يفر من جمرةٍ ليلقي بنفسه في النار. كانت الغرفة التي يسكن فيها في الطابق العلوي من منزل العائلة، تبدو له وكأنها سجنٌ صغيرٌ مظلم. أغلق الباب خلفه، وجلس على طرف السرير، ورأسه بين يديه. كانت صورة نور، بدموعها وملامحها الحزينة، لا تفارق مخيلته. لقد شعر بالخزي والندم. لقد واجه فتنته مباشرةً، ولم يستطع الصمود.

كان يعلم أن نور كانت تبحث عن بصيص أمل، عن اعترافٍ بمشاعرها، لكنه لم يكن الرجل الذي يستطيع أن يقدم لها ذلك. كان رجلاً مرتبطاً بمسؤوليات، بروابط عائلية، وبمبادئ دينية تعلمها منذ صغره. لم يكن يحق له أن يمنحها بصيص أملٍ زائف، لم يكن يحق له أن يشعر بالراحة في رؤيتها تتألم بسببه.

قال لنفسه في قرارة نفسه: "لقد أخطأت. لم يكن ينبغي أن أمنحها فرصةً للحديث معي بهذا الشكل. كان ينبغي أن أبتعد عنها تماماً، أن أكون حازماً منذ البداية." لكن العقل يدرك الخطأ، والقلب أحياناً يرفض الاستماع. كانت جاذبية نور، براءتها الظاهرة، واندفاع مشاعرها، قد هزت كيانه الهادئ. لقد شعر بالضعف أمام هذا الفيضان العاطفي، وكأن سداً منيعاً كان يحميه قد انهار.

في تلك الليلة، لم ينم عمار. كان يتلو آيات القرآن الكريم، لكن كلماته كانت تتناثر في ذهنه كحبات رملٍ لا تلتقي. كان يدعو الله بقلبٍ منكسر، طالباً العفو والمغفرة، طالباً القوة لمقاومة هذا الضعف الذي تسلل إلى روحه. شعر وكأنه في معركةٍ شرسة، لا يملك فيها سلاحاً غير الدعاء، واللجوء إلى الله.

في صباح اليوم التالي، كان عمار يعلم أنه لا يستطيع الاستمرار على هذا المنوال. كان عليه أن يتخذ قراراً حاسماً. لقد رأى نور في المقهى، كان ذلك كافياً. لم يكن لديه الحق في أن يعرضها للفتنة، ولا أن يفتن هو نفسه.

اتصل عمار بوالدته. "أمي، هل تستطيعين أن تأتي إلى مكتبي؟ أريد أن أتحدث معكِ في أمرٍ مهم." جاءت والدته، الحاجة فاطمة، وقلبها مليءٌ بالقلق. لقد لاحظت تغير حال ابنها، واختفاء البريق من عينيه. "ما بك يا بني؟" سألت وهي تجلس بجانبه. "تحدثت معك بالأمس، ولكنني لم أطمئن." تنفس عمار بعمق. "أمي، لقد أصبحت في موقفٍ لا أحسد عليه. هناك فتاةٌ معجبةٌ بي، وأنا... أنا أيضاً أشعر بانجذابٍ نحوها." اتسعت عينا الحاجة فاطمة، ونظرت إليه بصدمة. "عمار! أتقول هذا؟ وكيف حدث هذا؟" "لقد كانت الأمور تتطور ببطء، لكنها بلغت ذروتها أمس. لقد وضعتني في موقفٍ لا أحسد عليه." "ومن هي هذه الفتاة؟" سألت والدته بصوتٍ خافت. "هل تعرفينها؟ هل هي من عائلةٍ طيبة؟" "إنها زميلةٌ لي في العمل، اسمها نور. وهي فتاةٌ طيبة، ولكن..." تردد عمار، "لكنني لا أملك الحق في النظر إليها بهذا الشكل. ولم أكن أملك الحق في التقائها أمس." "ولماذا تقابلتها؟" سألت والدته بحدةٍ طفيفة. "لماذا لم تنهِ الأمر من بدايته؟" "لقد كنت أخشى، أمي. أخشى من خيبة أملك، وأخشى من نفسي." تنهدت الحاجة فاطمة. "الخشية من النفس هي أكبر عدوٍ لك يا بني. والخشية من الله هي أعظم معين." "أعلم يا أمي. ولهذا السبب، قررت أن أطلب منكِ المساعدة." "ماذا تريد مني؟" "أريد منكِ أن تذهبي إلى أهل نور، وتطلبي يدها لي. أريد أن أتزوجها." ذهلت الحاجة فاطمة. "هل أنت جاد يا بني؟ هل هذا قرارٌ نابعٌ من قلبك، أم من فتنةٍ عابرة؟" "إنه قرارٌ نابعٌ من إدراكي لخطيئتي. وأعلم أن الزواج هو الطريق الوحيد لطي هذه الصفحة، ولإقامة علاقةٍ مباركةٍ بيننا، ضمن حدود الله. أخشى إن لم أفعل ذلك، أن تضل بنا الطريق، وتضيع منا البركات." نظرت والدته إلى عمار طويلاً، ثم رأت في عينيه صدقاً، ورغبةً في التوبة والإصلاح. "حسناً يا بني. سأذهب إلى أهلها. لكن عليك أن تعدني، أن تتوب إلى الله، وأن تسعى لإصلاح ما أفسدته. وأن تكون زوجاً صالحاً لها." "أعدكِ يا أمي." كانت خطوةٌ جريئة، لكنها كانت الخطوة الوحيدة التي رآها عمار صائبة. كان يعلم أن الطريق لن يكون سهلاً، وأن الشكوك قد تلاحقه، وأن عليه أن يثبت لنفسه ولأهله ولنور، أنه رجلٌ يلتزم بعهوده.

في بيت نور، كانت الأجواء متوترة. والدها، السيد خالد، كان قلقاً. نور لم تعد كما كانت، صمتها يزداد، وعيناها تحملان حزناً لا يفهم. "ما الأمر يا ابنتي؟" سأل والدها. "لقد لاحظت تغيركِ." "لا شيء يا أبي، مجرد ضغط الدراسة." أجابت نور بفتور. لكن والدها لم يقتنع. لقد عرف ابنته جيداً. في تلك الأثناء، وصل خبرٌ إلى السيد خالد. شخصٌ يريد التقدم لخطبة ابنته. عندما سمع الاسم، اضطرب. إنه عمار. "عمار؟" قال لوالدته. "هل سمعتِ؟ أحدهم يريد خطبة نور." "نعم، لقد تحدث معي أحدهم. إنهم أهل عمار، وهم عائلةٌ كريمةٌ ومعروفة." "ولكن، هل هو عمار نفسه؟" سأل والد نور بقلق. "نعم، يبدو أنه هو. لقد أرسلوا وفداً ليطلبوا يدها." اجتمع السيد خالد مع زوجته، وأمضيا وقتاً طويلاً يتناقشان. كانت نور بالنسبة لهما كنزاً، ولم يريدوا لها إلا السعادة. كان عمار شاباً معروفاً بالخلق والدين، ولكن علاقته بنور كانت غامضة. "ولكن، كيف تعرف عمار على نور؟" سأل السيد خالد. "لم يتحدثا من قبل." "ربما رأها في مكانٍ عام، أو في العمل." قالت الأم. "لكن لا يمكننا الحكم على شابٍ من ظواهر الأمور. يجب أن نستمع إليهم." في اليوم التالي، حضر وفدٌ من عائلة عمار، وكان على رأسهم الحاجة فاطمة. كان لقاءً رسمياً، مليئاً بالاحترام والتقدير. تحدثت الحاجة فاطمة بلسان عمار، وشرحت رغبة ابنها في الزواج من نور، مؤكدةً على احترامه لها ولعائلتها.

كانت نور في قاعةٍ أخرى، تسمع ما يدور. كان قلبها يخفق بقوة. هل هذا هو الحل؟ هل سيكون الزواج هو الخلاص من هذا الألم؟ أم هو بدايةٌ لمتاعب جديدة؟ أثناء اللقاء، سأل السيد خالد الحاجة فاطمة: "كيف تعرف عمار على ابنتي؟" شعرت الحاجة فاطمة ببعض التردد، لكنها قررت أن تكون صريحة. "لقد حدث لقاءٌ بينهما مؤخراً، وأدرك عمار مشاعر ابنتكم، وأدرك هو نفسه أن لديه مشاعر تجاهها. ولذلك، قرر أن يسلك الطريق الشرعي، طريق الزواج، ليصون علاقته بابنتكم، ويصون سمعته وسمعتها." كانت تلك الكلمات كالصاعقة على نور. عمار اعترف بمشاعره؟ أليس هو الذي رفضها؟ أما السيد خالد، فقد أدرك أن هناك قصةٌ وراء هذا الطلب. شعر بأن ابنه عمار، ربما، ليست كل الأمور واضحة.

اجتمع عمار مع والده. "لقد طلبت يدها يا أبي." "أعرف يا بني. وقد تحدثت مع والدها. ولكن، هل أنت متأكدٌ من قرارك؟ هل هذا حبٌ أم مجرد شهوة؟" "أبي، لقد أخطأت. وندمت. والزواج هو الحل الوحيد. أخشى إن لم أفعل، أن تحدث أمورٌ أخرى لا تُحمد عقباها. أريد أن أتزوجها، لأضع الأمور في نصابها الصحيح. أريد أن أحبها في الله، وأبني معها أسرةً مسلمة." نظر الأب إلى ابنه، ورأى فيه رجلاً يتحمل مسؤولياته. "إذاً، فلتكن. ولكن، كن مستعداً. الطريق ليس مفروشاً بالورود." عاد الوفد إلى منزل نور، وأخبرها والدها بالقرار. "لقد وافقنا يا نور. سيتم عقد الخطبة قريباً." جلست نور في غرفتها، لا تدري ما تشعر به. مزيجٌ من الفرح، والقلق، والحيرة. هل ستكون هذه الخطوة هي بداية السعادة، أم بدايةٌ لمعركةٍ جديدة؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%