أحلام الحب الجزء الثالث
رياح الشك تعصف بقلوب الهوى
بقلم مريم الحسن
كانت الأيام تمضي في نسق هادئ، ترسم لوحات من السكينة على وجوه الأبطال، إلا أن خيوط الشك بدأت تتسلل خفية، تهدد بتمزيق نسيج الود الذي نسجته الأقدار بين ليالي وليث. تلقت ليالي اتصالاً هاتفيًا لم تتوقعه، صوتٌ غريبٌ حمل إليها أخبارًا لم تكن مستعدة لها. كانت زميلة قديمة من أيام الدراسة الجامعية، فتاةٌ تدعى سارة، بدت نبرتها تحمل مزيجًا من الحذر والأسى. "ليالي، أتمنى ألا أكون مصدر إزعاج لكِ، ولكن هناك أمرٌ يجب أن تعلميه... يتعلق بليث."
شعرت ليالي ببرودة تسري في عروقها. "ما هو الأمر يا سارة؟ هل كل شيء بخير؟"
ترددت سارة قليلاً، ثم قالت بصوتٍ يكاد يكون مسموعًا: "أتذكرين سمر؟ زميلتنا في قسم الهندسة؟"
تبادرت إلى ذهن ليالي صورة سمر، فتاةٌ كانت دائمًا تحاول التقرب من ليث بطرقٍ غير مباشرة، وكان ليث دائمًا يعاملها باحترامٍ مهذبٍ ولكنه حازم. "نعم، أتذكرها. ما علاقتها بالموضوع؟"
"لقد رأيتها بالأمس تتحدث مع ليث في مكانٍ عام، وبدا حديثهما حميميًا للغاية. لقد كانا يضحكان معًا، بل وقام ليث بتقبيل يدها بطريقةٍ عاطفية. لم أستطع إلا أن أخبركِ، فأنا أعرف مدى تقديركِ له."
انقبض قلب ليالي. لم يكن الأمر يتعلق بالغيرة فقط، بل كان شعورًا بالخيانة يطحنها من الداخل. ليث، الرجل الذي وثقت به، الذي منحته قلبها، هل يمكن أن يكون قد خان ثقتها بهذه السرعة؟ وهل كان هذا اللقاء مجرد صدفة أم علاقةٌ قائمةٌ منذ زمن؟ حاولت سارة أن تطمئنها، لكن الكلمات المتهمة سكنت روح ليالي كسمٍ بطيء.
في الوقت نفسه، كان ليث يواجه تحدياته الخاصة. كان لقاؤه بـ سمر مجرد محاولةٍ لتجنب مضايقاتها التي استمرت لسنوات. كانت سمر، رغم كل محاولاتها، لا تزال تلاحقه، معتقدةً أن هناك فرصةً ما. أمسكت بيدها لتطمئنها، وكان ذلك بطريق الخطأ، ثم قبّل يدها كنوعٍ من التوديع، محاولاً إنهاء الأمر بشكلٍ لائق. لم يكن يدري أن هذه اللفتة البسيطة ستُفسر على نحوٍ خاطئ، وأنها ستصل إلى مسامع ليالي لتشعل نار الشك.
عاد ليث إلى منزله وقلبه يعتصر قلقًا على ليالي. كان يشعر بأن شيئًا ما قد تغير فيها منذ الأمس. كانت أكثر صمتًا، وعيناها تحملان بريقًا غريبًا من الحزن. حاول أن يفتح معها حديثًا، لكنها كانت تجيبه بإيجازٍ شديد.
"هل كل شيء على ما يرام يا حبيبتي؟" سأل ليث بحنانٍ وهو يجلس بجانبها على الأريكة.
نظرت إليه ليالي ببرودٍ مصطنع، وقالت: "نعم، كل شيء بخير."
"ولكنني أرى غير ذلك. تبدين قلقةً، هل هناك ما يزعجكِ؟"
ترددت ليالي. هل يجب أن تخبره بما سمعته؟ هل ستكون مستعدةً لمواجهة حقيقةٍ قد تكون مؤلمة؟ قالت بصوتٍ مرتجف: "ليث، هل كنت مع سمر بالأمس؟"
تجمد ليث في مكانه. لم يكن يتوقع هذا السؤال. كيف عرفت؟ هل كانت تراقبه؟ هل لديها من يتابع تحركاته؟ قال بحذر: "نعم، التقيت بها صدفةً. ولكن الحديث لم يدم طويلاً."
"صدفة؟ وهل هذه المصادفات هي ما يجمعكما؟" سألت ليالي، والنبرة في صوتها تحمل ألف سؤالٍ وسؤال.
شعر ليث بالإحباط. لقد حاول أن يكون صادقًا، ولكن كلماته قوبلت بالشك. "ليالي، أنتِ تعرفين أنني لا أخفي عنكِ شيئًا. لقد تحدثت معها لبرهةٍ فقط، وهي تعرف أن قلبي لكِ وحدكِ. لقد أردتُ أن أنهي هذه المضايقات من طرفها مرةً وإلى الأبد."
"وهل إنهاء المضايقات يتم بقبلات الأيادي والأحاديث الحميمة؟" قالت ليالي، وكأنها طعنت ليث بخنجرٍ مسموم.
لم يستطع ليث فهم ما يحدث. لقد وصلته أخبارٌ بأن سمر قد حاولت التقرب منه أكثر، وأن ليالي تعلم بذلك. هل هي مجرد غيرة؟ أم أنها سمعت شيئًا أعمق؟ "من أخبركِ بهذا؟" سأل ليث، وقد بدأت ملامح الصدمة تظهر على وجهه.
"الأمر لا يهم من أخبرني، المهم هو ما رأيته أو ما قيل لي. ليث، أنا أحبكِ، ولكني لا أستطيع أن أعيش في شكٍ دائم."
كانت كلمات ليالي كصاعقةٍ نزلت على ليث. لقد كان مخلصًا لها، محافظًا على حدود الله، ولكن يبدو أن عالم الشك الذي نسجته الشائعات قد بدأ يتغلغل في علاقتهما. شعر ليث بمرارةٍ شديدة. لم يكن يرغب في أن تكون علاقتهما مبنيةً على سوء الفهم.
في هذه الأثناء، كانت والدة ليث، السيدة فاطمة، تراقب أحداث عائلتها بقلقٍ متزايد. كانت ترى التوتر بين ابنها وزوجته المستقبلية، وتشعر بأن هناك شيئًا ما يخفى. كانت تعرف نوايا سمر السيئة تجاه ليث، وكانت تتمنى أن تزول هذه الفتاة من حياتهم. كانت تدرك أن بعض الأقارب قد يحاولون إثارة الفتنة بين الأزواج، وأنها يجب أن تكون حذرة.
في بيت والد ليالي، كانت الأجواء لا تقل توترًا. أخبرت ليالي والدتها عن ما حدث، وبكت بحرقة. "يا أمي، هل ظننتُ في ليث سوءًا؟ هل يمكن أن يكون قلبي قد أخطأ في تقديره؟"
ربتت الأم على كتف ابنتها بحنانٍ. "يا ابنتي، الثقة أساس أي علاقةٍ ناجحة. ولكن لا بد من التحقق من الأمور قبل إصدار الأحكام. ربما يكون هناك تفسيرٌ آخر لما رأيتِ."
"ولكنني سمعتُ كلامًا، يا أمي. كلامٌ جعلني أشعر بأنني لم أعد الوحيدة في قلبه."
"أتفهم شعوركِ، ولكن لا تدعي الشك يسيطر عليكِ. تحدثي مع ليث بصدقٍ وصراحة. وضحي له مخاوفكِ، واسمعي منه. إذا كان يحبكِ حقًا، فسوف يسعى لتوضيح الأمر."
شعرت ليالي ببعض الطمأنينة بعد حديثها مع والدتها، ولكن الشك كان قد بدأ يتجذر بعمق. كانت تفكر في كلمات سارة، في نظرات ليث المتجنبة، في كل التفاصيل الصغيرة التي بدت الآن تحمل معانٍ أخرى. هل كان لقاء ليث بـ سمر مجرد لقاءٍ عادي، أم أنه بدايةٌ لشيءٍ أكبر؟ وهل يمكن لعلاقةٍ بدأت ببناءٍ متينٍ أن تنهار بسبب كلمةٍ شائعة؟ كان الفصل القادم يحمل في طياته إجاباتٍ وربما أسئلةً أكثر.