حب في الظلام الجزء الثاني
لقاءات سرية وهمسات قلقة
بقلم سارة العمري
بعد مرور أسبوع على اجتماع العائلة، كانت الأجواء في بيت الحاج محمود لا تزال مشوبة بالقلق. لم تأتِ أخبار واضحة حول خطبة نور، وكانت رسائل هاشم إلى نور تحمل نبرة حذر متزايدة. بدأت نور تشعر بأن الشكوك تتغلغل في قلبها، وأنها تعيش حالة من الترقب المؤلم.
في أحد الأيام، وبينما كانت ليلى تساعد جدتها في فرز بعض الأقمشة القديمة، جلست بجوارها على الأريكة المزخرفة. "جدتي،" قالت بصوت خافت، "هل تعتقدين أن نور ستكون بخير؟ أشعر بأنها وحيدة في هذه المحنة."
نظرت الحاجة فاطمة إلى حفيدتها بعينين مليئتين بالرحمة. "حبيبتي ليلى، نور تمتلك قلباً طيباً، وروحاً قوية. لكن الظروف، أحياناً، تكون أقسى من أن يتحملها المرء وحده. علينا أن ندعو لها، وأن نكون بجانبها قدر المستطاع."
"لكن كيف؟ يبدو أن هناك سراً كبيراً يخفيه السيد هاشم، أو عائلته."
"نعم، هذا ما أقلقنا كثيراً. الحاج محمود تحدث مع السيد أحمد، وقد وعد بالعمل على حل الأمر. لكن الأمور لا تسير بالسرعة التي نتوقعها. ربما هناك فعلاً صعوبات مالية، أو خلافات عائلية تحتاج إلى وقت لحلها."
"لكن الحب، يا جدتي، هل يجب أن ينتظر كل هذا الوقت؟" سألت ليلى، وفي صوتها نبرة حزن.
"الحب الصادق، يا بنيتي، يصبر. أما الحب السريع، فهو سراب. ونحن نريد لنور زواجاً مستقراً، مبنياً على أسس قوية، لا على وعود واهية."
في تلك الأثناء، كان هاشم قد التقى بعمه، السيد فؤاد، الذي كان يتمتع بنفوذ واسع في العائلة. جلس الاثنان في مكتب فخم، تكسوه لوحات فنية نادرة.
"يا فؤاد،" قال هاشم بأسى، "الأمر لا يمكن أن يستمر هكذا. نور تنتظر، وعائلتها تنتظر. وأنا أشعر بأنني أخونها كل يوم."
"أعلم يا ولدي،" أجاب السيد فؤاد، وصوته هادئ ولكنه حازم. "لكن الظروف الحالية لا تسمح. ما تعلمه عن الخلاف المالي بين عائلتنا وعائلة السيد غسان، ليس إلا القليل من الحقيقة. إنها صفقة كبيرة، تتوقف عليها مصائرنا. ولو أتممنا زواجك من نور الآن، فقد نضطر إلى التخلي عن هذه الصفقة، وهذا يعني خسارة لا يمكن تعويضها."
"لكن يا عمي، نور هي كل شيء بالنسبة لي. ألا يمكن إيجاد حل وسط؟"
"الحل الوسط، يا هاشم، قد لا يكون متاحاً دائماً. والدك، رحمه الله، قد ترك لنا ديوناً كبيرة. وعلينا أن نسددها قبل أن نفكر في الزواج. السيد غسان، هو رجل لا يرحم، وهو يستغل حاجتنا إليه. يريد منا أن نتخلى عن حقوقنا في صفقة قديمة، مقابل أن يمد لنا يد العون في صفقتنا الحالية. وهذا أمر لا يمكن القبول به."
تنهد هاشم بعمق، وشعر بأن العالم كله ينهار من حوله. "إذاً، هل يجب أن أتخلى عن نور؟"
"ليس بالضرورة التخلي عنها، يا ولدي. لكن يجب أن نؤجل الأمر. يجب أن ننتظر حتى نحسم هذه القضية. وبعدها، سيكون لك الحق في أن تسعى وراء قلب نور بكل قوة."
"لكن المدة؟ متى؟"
"لا أعرف يا هاشم. ربما أشهر، ربما أكثر. المهم هو الصبر، والتصميم."
شعر هاشم بخيبة أمل كبيرة. لم يكن يعلم أن المشكلة أكبر بكثير مما كان يتخيل. كيف سيواجه نور؟ كيف سيشرح لها أن حبهما يقف رهينة لصراعات مالية معقدة؟
في اليوم التالي، قررت ليلى زيارة نور في منزلها. كانت تعلم أن نور بحاجة إلى صديقة، إلى أذن تسمع همومها. عندما وصلت، وجدت نور جالسة في شرفتها، تحدق في الأفق بنظرة فارغة.
"نور،" قالت ليلى بلطف، وهي تجلس بجانبها. "كيف حالك؟"
رفعت نور رأسها، وابتسمت ابتسامة باهتة. "الحمد لله يا ليلى. أحاول أن أكون بخير."
"أعلم أن الأمر صعب عليكِ. لكن لا تحملي هموماً أكثر مما تستطيعين."
"لا أعرف يا ليلى. أشعر بأنني عالقة. هاشم يرسل لي رسائل متقطعة، وحياته تبدو غامضة. أشعر بأنه يبتعد عني، ولكنه لا يقول لي السبب."
"ربما هو يحاول حمايتكِ يا نور. ربما هناك ما يزعجه، ولكنه لا يريد أن يقلقك."
"لكنني قلقة يا ليلى. قلقة جداً. أشعر بأن قلبي ينكسر ببطء."
"يجب أن تتذكري أن الله مع الصابرين يا نور. وأن حبكما، إن كان صادقاً، سيجد طريقه. لكن ربما تحتاجان إلى قليل من الوقت."
"الوقت، هو ما يقتلني يا ليلى. أشعر بأن كل يوم يمر، يبعدني عن حلمي."
كانت ليلى تشعر بضيق في صدرها. كانت تريد أن تخبرها بكل ما سمعته من جدها، عن طبيعة المشاكل التي قد تواجه هاشم. لكنها أدركت أن ذلك قد يزيد الأمور تعقيداً، وقد يثير شكوكاً لا داعي لها.
"على الأقل،" قالت ليلى، "أنا هنا بجانبك. ولن أترككِ أبداً."
عانقت نور صديقتها بقوة، وبكت. كانت دموعها تنهمر كأمطار غزيرة، تحمل معها كل خيبات الأمل، وكل آلام الانتظار.
في هذه الأثناء، كان السيد أحمد، والد نور، قد التقى بوالد السيد هاشم، السيد إبراهيم. كان اللقاء في قاعة اجتماعات هادئة، بعيداً عن أعين الفضوليين.
"يا إبراهيم،" قال السيد أحمد بجدية، "نحن نثق فيكم. ونعلم أنكم بيت طيب. لكن ما يقلقنا هو مصير ابنتنا. ما هذه الأمور التي تعيق الخطبة؟"
"أحمد،" أجاب السيد إبراهيم، وعيناه تحملان آثار السهر والتعب. "الأمر معقد. لدينا ديون كبيرة، وهناك صفقة مالية ضخمة مع السيد غسان. هذه الصفقة هي طوق نجاتنا الوحيد. لكن غسان يضع شروطه، وهي صعبة."
"وهل ستؤثر هذه الأمور على زواج هاشم من نور؟"
"بصراحة يا أحمد، قد تحتاج الخطبة إلى تأجيل. لا يمكننا أن نعد بشيء لا نضمنه. ولا نريد أن نجعل من نور ضحية لظروفنا."
شعر السيد أحمد بالإحباط. كان يدرك أن عائلة هاشم تمر بضائقة، لكنه لم يكن يتوقع أن تكون بهذا السوء.
"إذاً، ماذا نفعل؟" سأل.
"علينا أن ننتظر، يا أحمد. أن نصبر. وسنحاول إيجاد حل في أسرع وقت ممكن. أعدك بأننا لن نخذلكم."
ترك السيد أحمد اللقاء وهو يشعر بثقل المسؤولية. كيف سيواجه ابنته؟ وكيف سيقنع عمه، الحاج محمود، بأن الصبر هو الحل الوحيد؟
عادت ليلى إلى منزلها، تشعر بالإرهاق. كانت الأسرار تتكشف ببطء، ولكنها كانت تكشف عن عقبات تبدو صعبة التجاوز. نظرت إلى السماء، تتساءل إن كانت نجوم حب نور وهاشم ستتحمل ثقل هذه المعاناة.