حب في الظلام الجزء الثاني
رحلة الشفاء ودروس الحياة
بقلم سارة العمري
مرت أسابيع على انفصال نور وهاشم، وبدأت ندوب الألم تتلاشى تدريجياً من قلب نور، وإن بقيت آثارها. كانت ليلى بجانبها في كل خطوة، تقدم لها الدعم، وتشجعها على استعادة حياتها. بدأت نور تمضي وقتاً أطول في القراءة، وفي مساعدة والدتها في الأعمال المنزلية، وفي قضاء بعض الوقت مع جدتها، الحاجة فاطمة.
"يا جدتي،" قالت نور ذات يوم، بينما كانت تساعدها في تحضير مربى التين، "أشعر بأنني بدأت أتنفس من جديد. الألم يخف، واليأس يتراجع."
ابتسمت الحاجة فاطمة، ورأت في عيني نور بصيص أمل. "هذا رائع يا بنيتي. الحياة أقوى من أي ألم. والقلب، ما دام فيه نبض، ففيه أمل."
"لكنني ما زلت أتذكر هاشم."
"وهذا طبيعي يا نور. الحب، حتى لو انتهى، يترك أثراً. لكن الأهم هو أن تتعلمي من التجربة، وأن تنظري إلى المستقبل بتفاؤل."
"هل تعتقدين أنني سأحب مرة أخرى؟"
"بالتأكيد يا حبيبتي. الحب كالشمس، يعود بعد كل غياب. وربما يكون الحب القادم أجمل وأكثر استقراراً، لأنه سيكون مبنياً على حكمة أكبر، وعلى فهم أعمق للحياة."
في تلك الأثناء، كان هاشم يعيش حياة منعزلة، يحاول جاهداً أن يتجاوز أزمة عائلته. كانت الصفقة مع السيد غسان معقدة، وكان والد السيد هاشم، السيد إبراهيم، يبذل قصارى جهده لحل المشكلة. كانت الأيام تمر ببطء، وكانت الذكريات المؤلمة مع نور تخالجه باستمرار.
"يا عمي،" قال السيد إبراهيم لهاشم ذات يوم، وهو يجلس معه في المكتب. "لقد تمكنا أخيراً من تسوية جزء من الديون. غسان قد وافق على بعض التنازلات، وقد بدأنا خطوة نحو تجاوز هذه المرحلة."
شعر هاشم ببعض الارتياح، لكنه لم يستطع أن يتجاوز حزنه. "وهل هذا يعني أنني أستطيع أن أفكر في نور الآن؟"
"لا يا ولدي. الأمر ليس بهذه البساطة. ما حدث قد ترك أثراً عليها، وعلى عائلتها. أعتقد أنك بحاجة إلى وقت، وهي بحاجة إلى وقت. وعلينا أن نكون صبورين."
"لكنني لا أريد أن أضحي بحبنا بسبب ظروف عائلتي."
"وأنا أعلم ذلك يا بني. لكن الحب، في بعض الأحيان، يتطلب تضحية. وعليك أن تفكر فيما هو أفضل لها أيضاً. هل أنت مستعد لتقديم حياة مستقرة لها، في ظل هذه الظروف؟"
تنهد هاشم. كان يعلم أن والده على حق. لم يكن يريد أن يكرر أخطاء الماضي، وأن يسبب لنور المزيد من الألم.
في منزل الحاج محمود، كان الجميع يحاول أن يخرج نور من حزنها. كان الحاج محمود، برغم انشغاله بأمور العائلة، يحرص على سؤالها عن حالها، وعلى دعائها بالخير.
"يا ابنتي،" قال لها الحاج محمود ذات يوم، "لقد مررتِ بتجربة صعبة. لكنكِ فتاة قوية، وستتجاوزينها. ولا تقلقي على المستقبل. الله سبحانه وتعالى، هو الرزاق، وهو المعين."
"شكراً لك يا جدي. كلماتك تشعرني بالقوة."
"والقوة يا نور، تأتي من الإيمان. من الثقة بأن الله لن يتركك. وإن كان هناك خير لكِ، فسيسرّه لكِ."
بدأت نور تستعيد ثقتها بنفسها. بدأت تدرك أن انفصالها عن هاشم لم يكن نهاية المطاف، بل بداية جديدة. بدأت تفكر في مستقبلها، في طموحاتها، وفي ما تريده حقاً من الحياة.
في إحدى الأمسيات، بينما كانت ليلى ونور جالستين في حديقة المنزل، تتحدثان عن أحلامهما، اقترح الحاج محمود فكرة.
"يا بنيتي نور،" قال الحاج محمود، "لقد فكرت في أمرك. وأعتقد أنكِ بحاجة إلى تغيير. هل فكرتِ في متابعة دراستك؟ ربما في مجال المحاسبة، أو في إدارة الأعمال؟"
اتسعت عينا نور. كانت قد تخلت عن أحلامها الدراسية بسبب الارتباط بهاشم. "ولكن يا جدي، هل هذا ممكن؟"
"لما لا؟ لدينا القدرة على دعمك. والأهم هو رغبتكِ. فكري في الأمر جيداً."
شعر نور بحماس لم تشعر به منذ وقت طويل. كانت فكرة متابعة دراستها مغرية جداً. ربما كان هذا هو الطريق الذي يجب أن تسلكه.
"سأفكر في الأمر يا جدي. شكراً لك."
وبينما كانت نور تفكر في مستقبلها الدراسي، كان السيد إبراهيم، والد هاشم، قد عقد صفقة ناجحة مع السيد غسان. عادت الأمور إلى نصابها، وبدأت عائلة هاشم تستعيد استقرارها المالي.
"هاشم،" قال السيد إبراهيم بحماس، "لقد نجحنا. لقد تجاوزنا الأزمة. الآن، يمكننا أن نفكر في المستقبل. ويمكننا أن نفكر في العودة إلى نور."
نظر هاشم إلى والده، وشعر ببعض التردد. "يا أبي، أنا لا أعرف. لقد مرت فترة. وأعتقد أن نور قد تجاوزت الأمر."
"ولكنك تحبها يا ولدي. وهي تحبك. وعلينا أن نحاول. لا تخف من المحاولة."
كانت ليلى، وهي ترى نور تستعيد حياتها، تشعر بسعادة غامرة. كانت تعلم أن الطريق لم يكن سهلاً، ولكنه كان يستحق. نظرت إلى السماء، ورأت أن النجوم لا تزال لامعة، وأن القمر يبدو أكثر إشراقاً من ذي قبل.