حب في الظلام الجزء الثاني
الكلمات المبطنة والمخاوف المتصاعدة
بقلم سارة العمري
انتهى يوم حافل بالترقب والهمس، وبدأت ساعات الليل تلتهم ضوء النهار، حاملة معها موجة جديدة من المخاوف. جلست ليلى في جناحها، تتأمل نور القمر المتسلل من النافذة. لم تكن قادرة على النوم. كل صوت خافت، كل حركة في المنزل، كانت تثير في قلبها قلقاً متزايداً. ذلك الرجل الغامض، بظهوره المفاجئ، وبسبب اختفائه السريع، قد ترك بصمة لا تمحى في وعيها. لم يكن مجرد لص أو عابر سبيل، بل كان يحمل طاقة غريبة، طاقة تحمل في طياتها تهديداً مبطناً.
في غرفة مكتبه الفاخر، كان أحمد لا يزال مستيقظاً. أمامه خريطة مفصلة للمدينة، ودفاتر مليئة بالملاحظات. كان يحاول الربط بين الأحداث، بين الظهور الغامض، وبين أي مشكلات قد تكون واجهتها ليلى في الآونة الأخيرة. كان يعلم أن الأسرار العائلية قد تكون هي المفتاح، ولكن أي أسرار؟ وهل كانت مرتبطة بماضيه هو أيضاً؟
"يا بني، لم تنم بعد؟"
كان صوت والده، الشيخ يوسف، يدخل إلى المكتب بهدوء. ابتسم أحمد، لكن ابتسامته كانت تحمل بقايا قلق.
"نعم يا أبي. أفكر فقط."
"التفكير في الأمور المعقدة قد يكون مرهقاً. هل هناك أي جديد؟"
"لا شيء ملموس يا أبي. كل ما لدي هو مجرد حدس. شعور بأن هناك من يراقبنا، وأن هناك شيئاً ما يحدث خلف الكواليس."
"الحدس قد يكون صادقاً في بعض الأحيان، ولكنه قد يكون أيضاً خداعاً للعقل. علينا أن نعتمد على الأدلة والبراهين. هل بحثت في سجلات العائلة القديمة؟ ربما هناك شيء قديم يحاول أن يظهر مجدداً."
"بدأت بذلك بالفعل. لكن السجلات قديمة جداً، ومليئة بالأحداث التي لا أفهمها بالكامل."
"هذا طبيعي. ولكن لا تستعجل. كل شيء يأتي في وقته. تذكر قصة يوسف عليه السلام، كيف صبر على الشدائد، وكيف أتاه الفرج بعد طول انتظار."
"هل تعتقد يا أبي أن هذا الرجل قد يكون مرتبطاً بشيء قديم؟"
"كل شيء ممكن يا بني. الحياة بحر واسع، مليء بالأمواج غير المتوقعة. ولكن ثق بربك، وتوكل عليه. واعمل بكل ما تستطيع، واترك الباقي لله."
في غرفة الجدة فاطمة، كانت تضع يديها على رأس ليلى، وتقرأ عليها آيات من القرآن. كانت تحاول أن تهدئ من روعها، وأن تغرس فيها الطمأنينة.
"يا ليلى، الأيام العصيبة تختبر الإيمان. ولكنها أيضاً تمنحنا القوة. لا تدعي الخوف يتملكك. أنتِ قوية، وفي داخلكِ إيمان قوي."
"ولكن يا جدتي، هذا الرجل... لم أشعر بأن ظهوره كان عادياً. كان فيه شيء غريب، شيء جعله يبدو خطيراً."
"الخطر قد يأتي بأشكال مختلفة يا ابنتي. ولكن تذكري أن الله مع الصابرين. وبالنسبة لهذا الرجل، هل تذكرين أي عبارات قالها؟ أي كلمات قد تكون ذات معنى؟"
ترددت ليلى، ثم قالت: "تذكرت شيئاً. حين اقترب مني، همس بكلمة واحدة. كانت مثل همسة، بالكاد سمعتها. قال... 'الوصية'."
"الوصية؟" كررت الجدة، وعيناها تتسع قليلاً. "وصية من؟"
"لا أعرف يا جدتي. كانت الكلمة غامضة، وغير مفهومة. لكنها تركت في نفسي شعوراً بالقلق."
"الوصايا تحمل معها غالباً أسراراً، وقد تكون سبباً للكثير من المشاكل. علينا أن نفهم ما تعنيه هذه الكلمة. سأتحدث مع أحمد."
في صباح اليوم التالي، اجتمعت ليلى مع أحمد في حديقة المنزل. الشمس كانت مشرقة، لكنها لم تستطع أن تبدد الظلال التي خيمت على قلوبهما.
"أحمد، لقد تذكرت شيئاً مهماً." قالت ليلى، وشعرت بأنها تخرج سراً ثقيلاً من صدرها.
"وما هو هذا الشيء يا ليلى؟" سأل أحمد، وعيناه تترقب.
"الرجل الغامض... حين اقترب مني، همس بكلمة واحدة. قال: 'الوصية'."
صمت أحمد للحظة، ينظر إلى ليلى بعمق. "الوصية؟ هل تعتقدين أن لها علاقة بوالدك؟"
"لا أعرف. لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة. ولكنه كان أمراً غريباً. لم أفهم معناه."
"الوصية... قد يكون لها علاقة بإرث، أو ربما بتعهد قديم. علينا أن نبحث في أوراق والدك، في أي مستندات قد تكون قد تركها."
"لقد فعلت ذلك بالفعل. بحثت في كل مكان. لم أجد شيئاً يبدو غريباً."
"ربما لم يكن شيئاً واضحاً. ربما كانت مجرد عبارة مشفرة. علينا أن نفكر في كل الاحتمالات."
في هذه الأثناء، كان أحمد قد بدأ يشعر بأن هذا الرجل الغامض ليس مجرد شخص عادي. لم يكن مجرد مجرم بسيط. بل كان يبدو أن هناك شيئاً أعمق، شيئاً له علاقة بالتاريخ، أو ربما بالعائلة.
"هل تذكرين أي شخص من عائلة والدك ربما كان له خلافات معه؟ أي أقارب بعيدين؟" سأل أحمد.
"لم أتذكر شيئاً محدداً. والدي لم يكن يتحدث كثيراً عن عائلته. كان دائماً يبدو متحفظاً."
"هذا بالضبط ما يجعل الأمور أكثر تعقيداً. علينا أن نفهم ما هي هذه الوصية، ولمن هي موجهة. ربما علينا أن نسأل كبار السن في العائلة. جدتي فاطمة قد تعرف شيئاً."
ذهبا إلى الجدة فاطمة، وشرحا لها ما تذكرته ليلى. جلست الجدة تفكر ملياً.
"الوصية... نعم. أتذكر أن والدك، رحمه الله، كان قد تحدث إليّ ذات مرة عن وصية كان قد أعدها. لكنه لم يفصح عن تفاصيلها. قال إنها سر خاص به."
"هل تذكرين لمن كانت موجهة؟ أو ما هو مضمونها؟" سأل أحمد.
"لا يا بني. كان متكتمًا. ولكني شعرت في صوته بأنها كانت تحمل مسؤولية كبيرة. ربما كانت تتعلق بشيء يتعلق بالمال، أو بملكية، أو ربما بحماية شخص ما."
"حماية شخص ما..." كررت ليلى، وقد بدا في صوتها ارتياح مخلوط بالقلق. "ربما كان هذا الرجل يحاول أن يذكرني بأن هناك شيئاً يجب أن أحذر منه؟"
"من الممكن. ولكننا لا نستطيع أن نجزم. علينا أن نجمع كل القطع المبعثرة. وسرعان ما سيتضح لنا الصورة كاملة."
في المساء، وبينما كان أحمد وليلى يتناقشان في أمور الوصية، وصلتهم مكالمة هاتفية من الشرطة. المحقق خالد كان يتحدث بجدية.
"أحمد، لدينا بلاغ عن رجل غريب يراقب منزلكم منذ أيام. مواصفاته تتطابق مع ما وصفته. وقد تمكنت دوريتنا من رصده في منطقة قريبة."
"هل تم اعتقاله؟" سأل أحمد بلهفة.
"لا. لقد اختفى فور شعوره بوجودنا. لكننا وجدنا في المكان الذي كان يتواجد فيه حقيبة صغيرة. بداخلها بعض الأوراق. يبدو أنها رسائل قديمة."
شعر أحمد بأن قلبه يخفق بشدة. "هل يمكنك أن ترسل لي صوراً لهذه الرسائل؟"
"بالتأكيد. سأفعل ذلك فوراً."
كانت هذه الرسائل، كما شعر أحمد، هي المفتاح الذي سيفتح لهما باب الحقيقة. كانت هي الخيط الذي سيفك به لغز الوصية، ولغز الرجل الغامض. لكنه كان يعلم أن هذه الحقيقة، قد تكون أقسى مما يتوقعان.