حب في الظلام الجزء الثاني
الرسائل المكتومة والنذير المبين
بقلم سارة العمري
انقشع ستار الليل، وبدا الصباح يحمل معه وعداً بالوضوح، لكنه حمل أيضاً قلقاً أشد وطأة. في مكتبه، كان أحمد يحدق في صور الرسائل التي أرسلها المحقق خالد. كل كلمة، كل حرف، كان يبدو وكأنه يحمل في طياته أسراراً مدفونة. كانت الرسائل قديمة، مكتوبة بخط أنيق، لكنه كان يتخلله بعض التردد، وبعض الندم.
"ليلى، تعالي انظري."
نادت ليلى، التي كانت تجلس في الغرفة المجاورة، وهي تحتسي كوباً من الشاي. انضمت إليه، ونظرت إلى الصور. كانت تحمل ابتسامة خفيفة، لكنها سرعان ما اختفت حين بدأت تقرأ.
"من أين هذه الرسائل؟" سألت ليلى، وعيناها تتسع.
"يقول خالد إنها وجدت في الحقيبة التي تركها الرجل الغامض. يبدو أنها تخص والدك."
"والدي؟" همست ليلى، وقلبها يخفق بقوة. "ولكنه لم يكن يكتب رسائل بهذه الطريقة."
"هذه الرسائل ليست موجهة إليه، بل مكتوبة منه. لشخص يدعى 'نور'."
"نور؟" كررت ليلى، وقد بدا عليها الحيرة. "لم أسمع بهذا الاسم من قبل. هل هو شخص نعرفه؟"
"لا أعرف. ولكن الأسلوب، والكلمات... تبدو تحمل نبرة اعتذار، ونبرة مسؤولية. انظري هنا." أشار أحمد إلى سطر معين: "أعلم أنني أخطأت بحقك، وأنني حملتكِ ما لا تطيقين. ولكن الوصية، كانت واجبة، ولم يكن لدي خيار آخر."
"الوصية؟" تداخلت ليلى، وعينيها مليئتان بالأسئلة. "هل هذا الرجل الغامض هو 'نور'؟"
"من الممكن. أو ربما هو شخص يعلم عن 'نور'، وعن هذه الوصية."
"ولكن والدي لم يكن يبدو عليه أنه يخفي أسراراً كهذه. كان دائماً رجلاً صريحاً، وواضحاً."
"الحياة يا ليلى غالباً ما تكون أكثر تعقيداً مما تبدو. وربما كان لوالدك أسباب لا نعرفها. ربما كان يحمي شخصاً ما، أو ربما كان يحاول تصحيح خطأ قديم."
في هذه الأثناء، كانت الجدة فاطمة قد استيقظت، وشعرت بأن هناك شيئاً ما غير عادي. جلست ليلى بجوارها، وأخبرتها بما وجدوه.
"رسائل من والدك لشخص اسمه 'نور'؟" قالت الجدة، وهي تضع يدها على صدرها. "هذا أمر غريب حقاً. لم يكن والده يتحدث عن أي علاقة له بامرأة بهذا الاسم."
"يا جدتي، هل تتذكرين أي شيء عن وصية قديمة؟ أو عن تعهد كان على والدي الوفاء به؟" سألت ليلى.
"والله يا ليلى، لا أتذكر شيئاً محدداً. كان يتحدث عن مسؤولياته، وعن أهمية الحفاظ على العائلة. ولكنه لم يفصح عن تفاصيل."
"هل تتذكرين أي شيء عن والدة والدي؟ هل كان هناك أي شيء خاص في حياتها؟"
"والدة والدي، رحمها الله، كانت امرأة صالحة، ورعة. ولكنها كانت تعاني من مرض عضال في آخر أيامها. والده، الله يرحمه، كان قلقاً عليها كثيراً."
"هل يمكن أن تكون 'نور' شخصاً مرتبطاً بوالدته؟"
"من غير المرجح. ولكن كل شيء ممكن."
بدأت الأمور تتكشف شيئاً فشيئاً، ولكن كل كشف كان يولد معه ألف سؤال جديد. كان أحمد يشعر بأنهم يقتربون من الحقيقة، ولكن هذه الحقيقة كانت تخبئ وراءها ألغازاً أكثر.
"علينا أن نبحث في تاريخ العائلة بدقة أكبر." قال أحمد. "ربما هناك علاقات لم تكن ظاهرة، أو ربما هناك أحداث قديمة تم التستر عليها."
"ولكن كيف؟" سألت ليلى. "لقد بحثت في كل ما لدي."
"ربما نحتاج إلى مساعدة من الخارج. هناك أشخاص مختصون في تاريخ العائلات، وربما لديهم سجلات قديمة لا نمتلكها."
في هذه اللحظة، دخل الشيخ يوسف، يبدو عليه الهدوء والتفهم. "ماذا تتحدثون عنه؟ أرى أنكم مشغولون."
شرح له أحمد وليلى ما وجدوه. استمع الشيخ يوسف بعناية، ثم قال: "هذه الأمور تحتاج إلى صبر وحكمة. لقد مرّت عليّ أمور مشابهة في حياتي. أحياناً، الأسرار القديمة تطفو على السطح حين يأتي الوقت المناسب. وربما هذا الرجل، الذي جاء بهدف غامض، يحمل في يده مفتاحاً لفهم كل شيء."
"ولكننا لا نعرف نواياه." قالت ليلى بقلق. "هل هو يريد مساعدتنا، أم إيذائنا؟"
"الله سبحانه وتعالى هو المطلع على النوايا. ولكننا سنقابل كل شيء بالحذر والصبر. وسأرى ما إذا كنت أستطيع الوصول إلى بعض السجلات القديمة التي قد تكون في أرشيف العائلة. هناك أشياء قديمة جداً."
"شكرك يا أبي." قال أحمد، وشعر بامتنان لوالده.
كانت الساعة تتقدم، والليل يتكثف. شعرت ليلى بأن هناك نذيراً مبينًا يلوح في الأفق. لم يكن ظهور الرجل الغامض مجرد حادث عابر. بل كان بداية لكشف ماضٍ معقد، وماضٍ قد يغير حياتهما إلى الأبد.
"أحمد، أشعر بأن هناك شيئاً كبيراً على وشك أن يحدث." قالت ليلى، وعيناها تلمعان بخوف وتصميم.
"وأنا معكِ يا ليلى. مهما حدث، سنواجهه معاً."
نظر أحمد إلى ليلى، ورأى في عينيها القوة التي كانت تمنحه إياها، والقوة التي كانت تستمدها منه. لقد كان حبهما هو السند، وهو الملاذ في هذه العاصفة القادمة.