حب في الظلام الجزء الثاني
خيوط متشابكة وتهديد مبطن
بقلم سارة العمري
انتهت خيوط الليل، وبدأت خيوط الصباح تنسج رحلة جديدة من الترقب. في غرفة المكتب، كان أحمد وليلى يقضيان ساعات طويلة، يحدقان في الرسائل القديمة. كل سطر كان يبدو وكأنه يحمل طبقات من المعاني، وطبقات من الأسرار. كانت الرسائل تحمل أسماء، وأماكن، وتواريخ، لكن الربط بينها كان أشبه بفك شيفرة معقدة.
"انظري هنا يا ليلى. هذه الرسالة تتحدث عن 'الراتع'، وعن 'البئر المهجور'." قال أحمد، مشيراً إلى ورقة قديمة. "هل تعرفين أين تقع هذه الأماكن؟"
ترددت ليلى، ثم هزت رأسها. "لم أسمع بهذه الأماكن من قبل. والدي لم يكن يتحدث عن أماكن كهذه."
"ولكن في الرسالة التالية، يقول: 'لقد تركتها هناك، في مكان آمن. أتمنى أن تكون في مأمن'. ثم يذكر اسم 'نور' مرة أخرى. إنها واضحة، هناك شيء ثمين، أو شخص ثمين، تم إخفاؤه في هذا المكان."
"وهل تعتقد أن الرجل الغامض يعرف عن هذا المكان؟" سألت ليلى، وشعرت ببرودة تسري في عروقها.
"من الممكن جداً. فظهوره المفاجئ، وهمسه بكلمة 'الوصية'، ووجود هذه الرسائل معه... كل هذا يشير إلى أن له علاقة بماضي والدك، وربما بماضي عائلتنا."
"ولكن لماذا لا يواجهنا مباشرة؟ لماذا يتصرف بهذه الطريقة الملتوية؟"
"ربما لأنه لا يثق بنا، أو ربما لأنه يخاف. أو ربما لأنه يتبع تعليمات شخص آخر. لا يمكننا أن نستبعد أي احتمال."
في هذه الأثناء، كان الشيخ يوسف قد عاد من رحلة استكشافية إلى أرشيف العائلة. كان يحمل بين يديه صندوقاً خشبياً قديماً، يبدو عليه القدم والغموض.
"لقد وجدت شيئاً." قال الشيخ يوسف، بجدية في صوته. "سجلات قديمة جداً. تتعلق بعلاقات عائلية قديمة، وبعض المعاملات التجارية الغريبة."
فتح الصندوق، وبدأت صفحاته تتكشف. كانت مليئة بالحبر الباهت، وبالأسماء التي لم تعد مألوفة.
"هنا، يبدو أن هناك صفقة تجارية كبيرة قد تمت بين والدك، وبعض الشركاء في الخارج. صفقة تتعلق بالأرض، والممتلكات. ولكن هناك ملاحظة غريبة."
"ما هي؟" سأل أحمد، وهو يقترب.
"ملاحظة تقول: 'تم وضع جزء من الحصة في مكان آمن، بانتظار الوصية'. ثم يذكر اسم 'نور'."
"إذن، 'نور' كانت جزءاً من هذه الصفقة؟" تساءلت ليلى. "وهل 'الوصية' تتعلق بهذه الصفقة؟"
"من المحتمل. ويبدو أن هناك بعض الخلافات التي نشأت لاحقاً بين الشركاء. وقد تسببت هذه الخلافات في بعض المشاكل."
"مشاكل؟ أي نوع من المشاكل؟" سأل أحمد.
"السجلات لا تذكر تفاصيل واضحة. ولكن يبدو أن هناك شخصاً ما قد اختفى، ولم يعد يظهر."
اختفى؟ هل هذا الشخص هو 'نور'؟ تساءلت ليلى في سرها، وشعرت بقلبها ينقبض.
"علينا أن نفهم طبيعة هذه الصفقة، ولمن تعود ملكية 'الحصة' التي تم إخفاؤها." قال أحمد. "ولمن كانت موجهة هذه الوصية."
"ربما علينا أن نبحث عن 'الراتع' و 'البئر المهجور'." اقترحت ليلى. "لعلنا نجد هناك شيئاً يوضح لنا الأمر."
"هذا ما سنفعله." قال أحمد بحزم. "سنذهب إلى هناك، وسنبحث عن أي دليل."
وفي وقت لاحق، بينما كانوا يستعدون للذهاب، وصلهم اتصال من المحقق خالد.
"أحمد، لدينا بعض المعلومات الجديدة. الرجل الغامض الذي نبحث عنه، لدينا تقارير تفيد بأنه قد أقام اتصالاً مع أحد كبار المسؤولين في إحدى الشركات العقارية الكبرى. يبدو أن هناك مفاوضات تجري."
"مفاوضات؟ على ماذا؟" سأل أحمد بلهفة.
"لا نعرف التفاصيل. ولكن يبدو أن الأمر يتعلق ببيع وشراء أراضٍ. والأمر يحمل رائحة فساد."
شعر أحمد بأن شبكة المؤامرة بدأت تتكشف. لم يكن الأمر متعلقاً بشخص واحد، بل بنظام فساد أكبر، يحاول استغلال أسرار عائلية لتحقيق مكاسب.
"شكراً لك يا خالد. سنكون حذرين."
"عليكم بالحذر يا أحمد. يبدو أن هذا الرجل ليس وحيداً. ويبدو أن هناك من يدعمه."
بعد المكالمة، نظر أحمد إلى ليلى. "يبدو أن الأمر أصبح أكثر خطورة مما كنا نعتقد. هناك من يريد شيئاً من هذه الأرض، أو من هذه الصفقة. ويريد أن يصل إليه بأي ثمن."
"ولكن لماذا والدك؟ لماذا عائلتنا؟" سألت ليلى.
"ربما والدك كان يعرف شيئاً، أو فعل شيئاً، جعله هدفاً. ربما حاول أن يحمي شيئاً، وأن يخفيه عن الأيادي الفاسدة."
"هل تعتقد أن 'نور' هي من كان والد يحاول حمايتها؟"
"كل الاحتمالات واردة. علينا أن نجدها، أو نجد أثراً لها. فهي قد تكون المفتاح لكل شيء."
قرر أحمد وليلى، برفقة بعض أفراد الحراسة الموثوقين، الذهاب إلى المكان الذي يعتقدون أنه 'الراتع' و 'البئر المهجور'. كانت رحلة محفوفة بالمخاطر، لكنهم كانوا مستعدين لمواجهة أي شيء.
"هل تعتقد أن هذا الرجل الغامض سيحاول منعنا؟" سألت ليلى، وهي تنظر إلى السماء الملبدة بالغيوم.
"من الممكن. ولكنه لن يستطيع أن يمنع الحق من الظهور. وسنكشف كل شيء."
شعر أحمد بيد ليلى وهي تمسك بيده. دفء يدها، كان يمنحه القوة، ويمنحه الأمل. كانا معاً، في هذه الرحلة المظلمة، يبحثان عن النور، وعن الحقيقة.