حب في الظلام الجزء الثاني
سر "حارس الأسرار"
بقلم سارة العمري
في مكتبٍ صغيرٍ مكتظٍّ بالخرائط القديمة والوثائق الغامضة، كان "الأستاذ سعيد"، المعروف بـ"حارس الأسرار" بين قلةٍ ممن يعرفون حقيقته، يحدّق في الرمز الذي تركه أحمد. كان شعره أبيضاً كالثلج، لكن عينيه لا تزالان تلمعان بذكاءٍ نافذ، وقلبه ينبض بحكمة السنين. كان هذا المكتب، في زاويةٍ هادئةٍ من المدينة، بمثابة معقله السري، ومخبئه الذي يلجأ إليه عند الحاجة.
تلقى الأستاذ سعيد اتصالاً من أحمد قبل ساعات، يحكي له عن اختفاء نور، وعن الرسالة التي وجدتها ليلى. الآن، يحاول فك رموز الرمز الذي يحمله.
"هذا الرمز..." تمتم الأستاذ سعيد لنفسه، وهو يمرر أصابعه فوق الرمز المرسوم على الورقة. "نجمةٌ وهلالٌ متشابكان... إنه رمزٌ قديمٌ جداً، مرتبطٌ بجماعةٍ سريةٍ كانت تحرس كنوز المعرفة في العصور الغابرة. كانوا يسمون أنفسهم 'صناع النجوم'. ويُقال إنهم خبأوا مفاتيح لحماية أسرارٍ عظيمة."
"لكن لماذا والدا نور وليلى؟" سأل نفسه. "ولماذا نبات العنقاء؟"
كان يعلم أن عائلة نور وليلى لها تاريخٌ طويلٌ مع الحفاظ على الأسرار، وأن والدهما، الذي كان عالماً مرموقاً، كان لديه اهتمامٌ خاص بالنباتات النادرة، وبالأساطير القديمة.
فجأة، رنّ هاتفه. كان أحمد.
"أهلاً بك يا أحمد،" قال الأستاذ سعيد بصوته العميق. "هل توصلتم إلى شيء؟"
"نعم، يا أستاذ. لقد استطعنا تحديد مكانٍ محتمل. الرمز يشبه إلى حدٍ كبيرٍ وشماً قديماً على قبرٍ في مقبرةٍ تاريخيةٍ خارج المدينة. مقبرة 'عائلات الأجداد'." قال أحمد، بنبرةٍ فيها بعض الأمل.
"مقبرة عائلات الأجداد؟" كرّر الأستاذ سعيد، وهو يتذكر قصصاً قديمةً عن أماكن دفنٍ سريّةٍ تحمل رموزاً دالةً على مخابئ. "هذا قد يكون صحيحاً. والد نور كان رجلاًً ذا بصيرةٍ عميقة، ولم يكن ليخاطر بكل شيءٍ في مكانٍ عشوائي."
"هل تعتقد أن نور قد تكون هناك؟" سأل أحمد.
"ربما. أو ربما ترك والداها هناك مفتاحاً لشيءٍ آخر. في كل الأحوال، يجب أن نذهب. لكن بحذر. 'الظل' ربما يكون يراقبنا أيضاً."
"نحن مستعدون، يا أستاذ. سننطلق في الحال."
أغلق أحمد الهاتف. نظر إلى ليلى، التي كانت تجلس بجانبه، عيناها لا تزالان مليئتين بالقلق. "حارس الأسرار يعرف مكاناً. علينا أن نذهب إليه."
انطلقت سيارة أحمد وليلى، تتجه نحو أطراف المدينة، حيث تقع مقبرة "عائلات الأجداد". كانت المقبرة واسعة، ومليئةً بالقبور القديمة، والشواهد المنحوتة بدقة. كان الجو هناك هادئاً، وموحشاً في نفس الوقت.
وجدوا القبر الذي وصفه أحمد. كان شاهداً كبيراً، مزيناً بوشمٍ باهتٍ للرمز المطلوب.
"إنه هو!" قالت ليلى، وهي تشعر بقشعريرةٍ تسري في جسدها.
بحث أحمد عن أي شيءٍ قد يكون مخبأً. بدأ بتحسس الشاهد، يبحث عن أي تجويفٍ مخفي. لم يجد شيئاً.
"ربما يكون المكان ليس القبر نفسه، بل شيئاً قريباً منه." قال الأستاذ سعيد، الذي وصل هو الآخر بسيارته.
بدأوا بالبحث حول القبر. كان الأستاذ سعيد، بخبرته في الآثار، يلاحظ تفاصيل دقيقة، كأن الأرضية حول الشاهد قد تم تعديلها في وقتٍ ما.
"هنا!" قال فجأة، مشيراً إلى منطقةٍ قريبةٍ من قاعدة الشاهد. "الأرضية هنا تبدو مختلفة. كأن هناك لوحاً مخفياً."
عمل الثلاثة معاً. استخدم أحمد أداةً صغيرةً كان يحملها، وبدأ بالحفر بحذر. بعد دقائق، تمكنوا من إزاحة لوحٍ حجريٍ ثقيل.
تحته، كان هناك صندوقٌ خشبيٌ صغير، محكم الإغلاق.
"هل هو ما نعتقد؟" سألت ليلى، وعيناها تلمعان بالأمل.
فتح الأستاذ سعيد الصندوق بحذر. بداخله، لم يجدوا شيئاً ثميناً، بل مجموعةً من الأوراق المكتوبة بخط يد والد نور وليلى.
"إنها مذكرات والدي!" قالت ليلى، وهي تلتقطها بارتجاف.
بدأت ليلى بقراءة المذكرات. كانت مليئةً بالحكمة، وبشرحٍ مفصلٍ عن نبات العنقاء، وعن قواه العلاجية. كما كشفت المذكرات عن أصول "الظل"، وعن تاريخهم في السعي للسيطرة على النبات، وعن محاولاتهم المستمرة لسرقة أسرار العائلة.
"لقد اكتشفوا سر نبات العنقاء عبر سنين طويلة من البحث." كانت المذكرات تقول. "ولكنهم لم يتمكنوا من الحصول على 'بذرة الحياة'، وهي الجزء الأقوى من النبات، والذي لا يمكن الحصول عليه إلا بطريقةٍ سريةٍ جداً. لقد عهدتُ بهذه البذرة إلى شخصٍ أثق به، شخصٌ كان صديقاً قديماً للدكتور فاروق، ويُدعى 'الساهر'. وإذا قرأتَ هذا يا ابنتي، ولم تجدينا، فابحثي عن 'الساهر'، فإنه سيحميكِ، وسيحمي سر نبات العنقاء."
"الساهر!" صاح الأستاذ سعيد، وقد لمعت عيناه. "أنا أعرفه! إنه رجلٌ غامض، يعيش في قريةٍ نائيةٍ في الجبال. لم نتقابل منذ سنوات، لكنه رجلٌ شريفٌ وحكيم. إنه آخر من تبقى ممن يعرفون كل الأسرار."
"إذن، يجب أن نذهب إليه!" قالت ليلى، وهي تشعر بأن الخيط الذي يربطها بأختها قد أصبح أقوى.
"لكن كيف سنعرف مكان نور؟" سأل أحمد. "الرسالة قالت إنها مختطفة."
"أعتقد أن 'الظل' يحتجزونها في مكانٍ مرتبطٍ بأبحاثهم. ربما في أحد مخابئهم القديمة." قال الأستاذ سعيد. "ومذكرات والدك قد تحتوي على دليلٍ آخر."
قلبوا المذكرات مرةً أخرى. في نهاية إحدى الصفحات، وجدوا ملاحظةً صغيرةً مكتوبةً بخطٍ آخر، بخطٍ يبدو أنه لـ"يوسف"، شقيق نور.
"لقد وجدوا المكان الذي أخبأ فيه والدي البذرة. إنهم ذاهبون إلي. أنا أحاول إيقافهم. إذا لم أنجح، فالحقوا بـ'الساهر'. إنه يعلم كيف ينقذ نور."
"يوسف!" قال أحمد. "إنه على قيد الحياة! وهو يحاول حماية نور!"
"لكن يبدو أنه وقع في قبضة 'الظل' أيضاً." قالت ليلى، بحزن.
"علينا أن نجد 'الساهر' أولاً." قال الأستاذ سعيد. "هو مفتاحنا لإنقاذ نور، ولإيقاف 'الظل'."
خرجوا من المقبرة، وهم يحملون معهم أملاً جديداً، وأمراً جديداً. الطريق كان طويلاً، والمخاطر تتزايد. لكنهم كانوا على وشك كشف الحقيقة الكاملة، والوصول إلى من يمكنه مساعدتهم في معركتهم ضد قوى الظلام.