حب في الظلام الجزء الثاني
سراب الماضي المؤلم
بقلم سارة العمري
كانت مرايا الغرفة تعكس وجه "أحمد" الشاحب، وقد نُحِتَت عليه خطوطُ الإرهاق والضياع. لم يعد ذلك الشاب الوسيم، الذي كان يُسرّ الناظرين، سوى ظلاً باهتًا لنفسه القديمة. كانت كؤوس الخمر، التي تتناثر على الطاولة أمامه، شاهدةً على لياليه الطويلة، على سعيه الدؤوب للهروب من واقعٍ لم يعد يطيق. كل قطرةٍ كانت تسقط، كانت تُغرق جزءًا من روحه، وتُبْعِدُه أكثر عن نور الأمل.
لم تكن تلك مجرد شهوةٍ عابرة، بل كانت إدمانًا عميقًا، يتجذر في أعماق كيانه، يمتصُّ منه الحياة، ويُفرغه من كل شعورٍ بالذنب، أو إحساسٍ بالمسؤولية. كان يرى في تلك الكؤوس سِحرًا زائفًا، يُبعده عن همومه، ويُنسيه الآلام، ولكنه في الحقيقة، كان يُعمق جراحه، ويزيد من عزلته. كان يخشى أن يُبصر الناس حالته، أن يروا في عينيه الضياع، وفي سلوكه ضعفًا. لذا، كان يختبئ خلف ستارٍ من اللامبالاة، مُغلقًا على نفسه أبواب قلبه، رافضًا أي محاولةٍ للتواصل.
"يا أحمد، ألا ترى ما تفعله بنفسك؟" كانت كلمات والدته، "أمينة"، تتردد في أذنيه كلسعةٍ مؤلمة. لقد حاولت بكل السبل أن تُعيد إليه وعيه، أن تُعيده إلى طريق الصواب، لكن "أحمد" كان يرى في محاولاتها محاولةً للتدخل في حياته، لفرض قيودٍ لم يعد يتحملها. كان يظن أنه يمتلك الحرية الكاملة في أن يفعل ما يشاء، حتى لو كان ذلك هلاكه.
"أمي، أرجوكِ. اتركييني وشأني." قالها بصوتٍ متعب، وقد احمرّت عيناه من قلة النوم. "أنا لست طفلاً، وأعرف ما هو الأفضل لي." لكن "أمينة" لم تكن لتستسلم. كانت ترى في ابنها بذرة خيرٍ عظيمة، لم تُفَلح بعد. كانت ترى فيه الابن الذي وعدها بمستقبلٍ مشرق، الابن الذي أرادته أن يكون فخرًا للعائلة. لذا، استمرت في محاولاتها، تدعو له في جوف الليل، وتُكثر من تلاوة القرآن، راجيةً أن يُصلحه الله، وأن يعيده إلى رشدِه.
في هذه الأثناء، كان "علي"، صديق "أحمد" القديم، يشعر بعجزٍ قاتل. لقد حاول مرارًا أن يتواصل مع "أحمد"، أن يُقنعه بالخروج، بالحديث، بالبحث عن حلول. لكن "أحمد" كان يتجنبه، وكأنه يخجل منه، أو كأنه يخشى أن يكشف له سرًا لا يريد لأحدٍ أن يعرفه.
"هل تعتقد أن هناك شيئًا آخر؟" سألت "فاطمة"، خطيبة "علي"، وهي تنظر إليه بقلقٍ ظاهر. "هل هناك ما يُثقل كاهل أحمد أكثر مما يبدو عليه؟" تنهد "علي" بعمق. "لا أدري يا فاطمة. لم يعد يتحدث معي كما في السابق. يبدو أنه يخفي شيئًا. شيءٌ أعمق من مجرد ضيقٍ عابر." كان "علي" يتذكر الأيام الخوالي، حين كانا يتشاركان الأحلام والمخاوف، وحين كانا يجدان في بعضهما البعض القوة والسند. الآن، بدا وكأن هناك سدًا قد بُنِيَ بينهما، سدٌّ لا يمكن اختراقه بسهولة.
كان "أحمد" يحمل في داخله جرحًا غائرًا، جرحًا لا يتعلق بـ"ليلى" وحدها، بل بجذوره الأعمق، بذكرياتٍ أليمةٍ حاول جاهدًا أن يدفنها. كان هناك شعورٌ بالخذلان، بالظلم، جعله يرى العالم من منظورٍ سلبي، ويُبْعده عن كل ما هو جميل. كان يشعر بأنه يستحق ما يلقاه، وأن كل ما يفعله هو محض عقابٍ لنفسه.
وفي إحدى الليالي، وبينما كان "أحمد" يحتسي كأسًا، استعاد فجأةً مشهدًا قديمًا، مشهدًا حاول أن يمحوه من ذاكرته. كان المشهد يعود إلى طفولته، إلى لحظةٍ شعر فيها بالوحدة والضعف، لحظةٌ شعر فيها بأن والديه لم يُقدّراه حق قدره. كانت تلك اللحظات، التي تبدو عابرة، قد تركت بصمةً عميقة في نفسه، وجعلته يبحث دائمًا عن تقديرٍ خارجي، عن حبٍّ يُعوضه عن نقصٍ داخلي.
"لماذا لم تكن هنا؟" همس لنفسه، وعيناه تحدقان في الفراغ. "لماذا تركتني وحدي؟" كان يتحدث إلى شبحٍ ماضٍ، شبحٍ كان يُطارده في كل مكان. لقد كان إدمانه للخمر محاولةً يائسةً لملء الفراغ الذي تركه ذلك الشعور، محاولةً للإلهاء عن ألمٍ قديمٍ لم يندمل.
بدأت "فاطمة" تشعر بقلقٍ متزايد. كانت ترى في "علي" تغيرًا، قلقًا وهمًا لا يفارقه. كانت تخشى أن يكون هذا القلق مرتبطًا بـ"أحمد"، وبمشاكله التي بدأت تُلقي بظلالها على الجميع. كانت تعلم أن "علي" رجلٌ وفيٌّ لأصدقائه، وأنه سيظل يحاول مساعدة "أحمد" مهما كان الأمر. لكنها كانت تخشى أن يُؤثّر هذا الأمر على علاقتهما، على مستقبلِهما.
"علي، هل أنت متأكد أنك تستطيع مساعدته؟" سألت "فاطمة" في إحدى المرات، وقد أمسكت بيده بحنان. "لا تجعل نفسك تغرق في مشاكله. تذكر أن لك حياتك أيضًا." ابتسم "علي" ابتسامةً باهتة. "أنا لا أستطيع تركه يا فاطمة. هو أخي. لقد نشأنا معًا. لا يمكنني أن أرى أخاى يغرق وأقف مكتوف الأيدي."
في تلك الليلة، وبعد أن سقط "أحمد" في نومٍ عميق، لم يكن نومًا هانئًا، بل كان غارقًا في كوابيس، استيقظ فجأةً على صوتٍ خافت. كان صوت والدته، وهي تُصلي وتدعو له. كان في صوتها مزيجٌ من الحزن والأمل، مزيجٌ أيقظ شيئًا ما في داخله.
كان "أحمد" يشعر بأن خيوط عزلتِه بدأت تتشابك أكثر، وأن سِحر الخمر لم يعد يُغفله عن واقعه المرير. كان يدرك أن عليه أن يواجه الماضي، أن يُداوي جراحه، وأن يبحث عن طريقٍ للخلاص، قبل أن يضيع للأبد. لكن هل كان لديه الشجاعة الكافية للقيام بذلك؟ أم أن سُلطان الإدمان كان أقوى من إرادته؟ هذا ما سيكشفه المستقبل.