حب في زمن الحرب الجزء الثالث
وشوشات الشك ورياح التغيير
بقلم فاطمة النجار
كان المسجد العتيق، بأسقفه المقببة وجدرانه الحجرية التي شهدت قروناً من الصلاة والعبادة، ملاذاً لروح أميرة. في كل جمعة، كانت تتوجه إلى هذا المكان، لا لتسمع الخطبة فحسب، بل لتتأمل في آيات الله، ولتجد في السكينة التي تكسو المكان عزاءً لقلبها القلق. في هذه الجمعة، وبعد أن انتهى المصلون من صلاتهم، وبدأت حركة الخروج، وجدت أميرة نفسها وجهاً لوجه مع الشيخ إبراهيم، إمام المسجد، الرجل الوقور الذي عرفته منذ طفولتها.
"يا ابنتي أميرة"، قال الشيخ إبراهيم بابتسامته الدافئة، "أتيتِ لتجددي إيمانك، أم لتبثي شكواكِ؟ أرى في عينيكِ ما لا يبوح به لسان."
استحت أميرة قليلاً، ولكنها شعرت بأمان غريب في حضرة هذا الرجل الحكيم. "يا شيخ إبراهيم، إنها الدنيا، تمتلئ بالابتلاءات. قلبي فيه أشياء تثقل كاهله، ولكني أخجل أن أبوح بها."
"لا تستحِ يا ابنتي من إفشاء همومك لله، ولا من طلب المشورة من عباده الصالحين. الله تعالى يقول: 'وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ'. وبث الهموم قد يخفف من وطأتها. ما الذي يشغل بالكِ؟"
تنفست أميرة بعمق، وقالت بصوت خافت: "إنه أمر يتعلق بالحب، وبالوعد. رجل أحببته، ووعد بالزواج. ولكن الحرب فرقت بيننا، وأصبحت الأيام ثقيلة، والشكوك تتسلل إلى قلبي."
أومأ الشيخ إبراهيم برأسه. "الحرب آفة تدمر الأوطان، وتزرع الشكوك في النفوس. ولكن الحب الحقيقي، يا ابنتي، يزدهر حتى في أحلك الظروف. هل تذكرين قصة سارة زوجة إبراهيم عليه السلام؟ صبرت، ودعت، وآمنت، فرُزقت. الحب الذي لا يعتمد على الوعد الشرعي، والذي لا يقوم على الإيمان العميق، قد يكون وهماً عابراً."
"ولكنني أثق به، يا شيخ. إنه رجل طيب، خلوق. ولكن... هل تدوم الثقة في زمن الشك؟ هل يبقى الوعد قوياً حين تتغير الظروف؟"
"الثقة تبنى على الصدق، والوعد يثبت بالوفاء. إذا كان الرجل صادقاً في وعده، فلن يخذلكِ. ولكن عليكِ أن تتذكري يا أميرة، أن قلب المرأة حساس، وأن قلوب الرجال قد تتغير. استخيري الله في كل خطوة، وادعي أن يرشدكِ إلى ما فيه خيركِ. ولا تدعي الشك يسيطر على تفكيركِ، فإنه عدو السعادة."
كانت كلمات الشيخ إبراهيم كبلسم يداوي جرحاً عميقاً، ولكنها تركت في قلب أميرة أسئلة جديدة. هل كانت مشاعرها مجرد تعلق في زمن الفراق؟ هل كان وعد خالد كافياً ليحمي حبهما من رياح التغيير؟
في تلك الأثناء، كان فهمان يواصل تحركاته الخفية. لقد وصلته أخبار عن تحركات مشبوهة لخالد في بعض المناطق التي تشهد نزاعات، واستغل ذلك ليثير الشبهات حوله. كان يجتمع بأشخاص مشبوهين، ويتداول معهم صوراً لوثائق مشوشة، ويحاول ربط اسم خالد بأعمال غير قانونية.
"هذا الرجل"، قال فهمان لأحد شركائه، وهو يشير إلى خالد، "كان قوياً، ولكنه سقط. والآن يحاول أن يستعيد نفوذه، ولكنه لا يعرف أننا نراقبه. سنسقطه مرة أخرى، ولكن هذه المرة، لن ينهض أبداً."
كانت خطط فهمان تتشعب، مستغلين الفوضى التي خلفتها الحرب. كان يرى في كل ضعف فرصة، وفي كل اضطراب سبباً للربح. لم يكن لديه قلب، ولم يكن يعرف معنى الشرف. كان كل ما يهمه هو المال والسلطة، وأي شيء يقف في طريقه، كان لا بد من إزالته.
في بيت جدة أميرة، كانت السيدة فاطمة تراقب أميرة بعين الأم الحنونة. كانت ترى في ابنة أخيها الشعلة التي بدأت تخفت. لقد لاحظت أنها أصبحت تقضي ساعات طويلة في غرفتها، تنظر إلى السماء، وتتحدث مع نفسها.
"يا أميرة"، قالت لها ذات مساء، وهي تجلس بجانبها، "الغد يأتي محملاً بالفرص، ولكنه أيضاً قد يحمل الأعباء. لماذا لا ننظر إلى المستقبل بعين التفاؤل؟ لماذا لا نحاول أن نبني شيئاً جميلاً هنا، بيننا؟"
نظرت أميرة إلى جدتها، وبدت على وجهها علامات الحيرة. "يا جدتي، هل تقصدين...؟"
"أقصد يا ابنتي أن الحياة تستمر. والحب رزق، ولكن الزواج هو البناء. خالد رجل جيد، ولكن هل هو مستعد لبناء حياة معكِ حقاً؟ هل ستكون قادرة على تحمل مسؤوليات الزوجة في ظل هذه الظروف؟"
"أنا مستعدة يا جدتي، ولكن..."
"ولكن ماذا؟ الخوف؟ الشك؟ هذه مشاعر طبيعية، ولكن لا تدعيها تتحكم في مصيركِ. اطلبي منه أن يأتي، اطلبي منه أن يتقدم رسمياً. لا تتركي الأمور معلقة، لأن المعلق قلبه لا يجد السعادة."
كانت جدة أميرة تتكلم من خبرة السنين، ومن فهم عميق لطبيعة الحياة. كانت تريد لابنة أخيها أن تكون سعيدة، وأن تبني حياتها على أسس صلبة، لا على أوهام الحرب.
وفي هذه الأثناء، كانت هناك رياح تغيير أخرى تهب على المنطقة. بدأت أخبار عن هدن مؤقتة تصل، وعن مفاوضات جارية. كان هذا الأمل الهش يبعث البهجة في القلوب، ولكنه كان أيضاً سبباً للقلق. هل ستدوم هذه الهدنة؟ هل ستعود الحياة إلى طبيعتها؟
في إحدى الليالي، وبينما كانت أميرة تتأمل وجه القمر، وصلتها رسالة. لم تكن رسالة من خالد، بل من صديقة قديمة في مدينة مجاورة. كانت الرسالة تحمل خبراً مفاجئاً: "رأيتُ خالد بالأمس، كان يبدو متعباً، وكان يتحدث مع امرأة لا أعرفها. لم أستطع التحدث معه، فقد كان يبدو مشغولاً جداً."
جمد الدم في عروق أميرة. امرأة أخرى؟ من تكون؟ هل كان يغازلها؟ هل كان ينسى وعده؟ تسارعت أنفاسها، وبدأت الشكوك التي كانت تلاحقها تتجسد أمام عينيها. هل كانت كلماته مجرد وعود زائفة؟ هل كان قلبه قد غدر بها؟
لم تنم أميرة تلك الليلة. كانت الغرفة مظلمة، ولكن الخيال كان أشد سواداً. كانت تتصارع مع مشاعر مختلطة: الحب، الثقة، والخوف من الخيانة. كانت تعلم أن الحرب ليست فقط في ساحات القتال، بل هي أيضاً معركة تدور في دواخل القلوب، معركة قد تكون أشد ضراوة وتدميراً.
كان فصل جديد قد بدأ في قصة أميرة، فصل لم تعد فيه النجوم تتلألأ بسحر الماضي، بل أصبحت تحمل وشوشات الشك ورياح التغيير التي قد تقلب حياتها رأساً على عقب.