حب في زمن الحرب الجزء الثالث
همسات الوفاء بين زخات المطر
بقلم فاطمة النجار
تسللت قطرات المطر الباردة إلى أروقة القصر العريق، تحمل معها عبق تراب الأرض المرتوية ورائحة الياسمين المتكئ على جدرانه الحجرية. جلست ليلى في جناحها، تراقب المشهد عبر النافذة الزجاجية المزخرفة، وعيناها تغوصان في بحر من الأفكار المتلاطمة. لم تكن الحرب الدائرة في الخارج سوى انعكاس للحرب الصامتة التي تعصف بقلبها. فمنذ الخطبة الرسمية التي تمت بينها وبين طارق، أصبح الهواء حولهما مشحونًا بترقبٍ لم تفهمه تمامًا. كانت مشاعرها تجاهه تتأرجح بين الود العميق الذي نشأ بينهما كأخوة وجيران، وبين شعورٍ جديدٍ غامضٍ يتسلل إلى روحها، شعورٌ بالارتباط والأمان، بل وبالأمل في مستقبلٍ يجمع شمل عائلتيهما المنهكتين.
لكن الحرب، هذه الضيفة الثقيلة التي فرضت نفسها على الجميع، لم تكن تسمح لأي شيء بالازدهار دون أن تمسّه بظلالها. وصلتها أخبارٌ مقلقةٌ عن تزايد حدة القصف في الأطراف الشرقية للمدينة، وعن اختفاء بعض الأفراد الذين كانوا يسعون للمساعدة في نقل العائلات إلى مناطق أكثر أمانًا. كانت هذه الأخبار تلقي بثقلٍ إضافيٍ على كاهل طارق، الذي كان يقضي معظم وقته في الاجتماعات مع قادة المقاومة، محاولاً تنسيق الجهود وتأمين الموارد. كلما رأته، كانت تلاحظ الهالات السوداء تحت عينيه، والعبوس الذي لا يفارق جبينه. كانت تشعر برغبةٍ عارمةٍ في أن تكون مصدر راحةٍ له، لكنها لم تكن تعرف كيف.
في أحد الأيام، وبينما كانت تساعد الخادمة العجوز أمينة في ترتيب حديقة القصر، سمعت صوت خطواتٍ حذرةٍ تقترب. رفعت رأسها لتجد سارة، خطيبة كريم، تقف أمامها، وقد علت وجهها علامات الحيرة والقلق. سارة، التي كانت دائمًا رمزًا للتفاؤل والبهجة، بدت مؤخرًا شاحبةً ومنهكة.
"ليلى، هل لديكِ وقتٌ لأتحدث معكِ قليلًا؟" سألت سارة بصوتٍ خفيض، وكأنها تخشى أن تسمعها جدران القصر. "بالتأكيد يا سارة، تفضلي بالجلوس." أجابت ليلى، مشيرةً إلى مقعدٍ حجريٍ مزينٍ بالوسائد.
جلست سارة، وتمتمت ببعض الكلمات المتقطعة قبل أن تتمكن من التعبير عن ما في صدرها. "أنا قلقةٌ جدًا يا ليلى. كريم... لم أعد أراه بنفس الوضوح الذي اعتدت عليه. بدأ يتصرف بغرابةٍ في الأيام الأخيرة. يسهر طويلاً، ويتلقى اتصالاتٍ في أوقاتٍ متأخرةٍ من الليل، وعندما أسأله عن سبب غيابه أو عن طبيعة تلك المكالمات، يتهرب ويتهرب. أشعر أنه يخفي عني شيئًا مهمًا."
أحست ليلى بلسعةٍ من القلق. كانت تعرف أن كريم، شقيق طارق، يتورط بشكلٍ متزايدٍ في الأنشطة السرية للمقاومة، وأن الأمور لم تعد تقتصر على تزويدهم بالمعلومات فقط. كانت هناك شائعاتٌ عن تحضيراتٍ لعملياتٍ جريئة، وعن سعيٍ للحصول على أسلحةٍ جديدة. هل كان هذا ما يخفيه كريم عن سارة؟
"سارة، أعلم أن الأمر مقلقٌ، لكن عليكِ أن تثقي بكريم. ربما تكون هذه الأمور متعلقةً بالوضع العام، وبالتأكيد هو لا يريد أن يقلقكِ." حاولت ليلى تهدئتها، رغم أن كلمات سارة قد أثارت مخاوفها الخاصة.
"أنا أثق به، ليلى. ولكني أيضًا أعرف أنه كان يبدو لي أكثر انفتاحًا وصراحةً من ذي قبل. الآن، أشعر وكأنه يعيش عالمًا آخر لا أستطيع دخوله. حتى عندما نتحدث، أشعر وكأن عقله في مكانٍ آخر. أخشى أن يكون قد تورط في شيءٍ قد يضره، أو يضر بنا جميعًا." دموعٌ بدأت تتجمع في عيني سارة.
لم تستطع ليلى أن تنكر أن قلق سارة له ما يبرره. كانت تلاحظ هي الأخرى أن طارق كان يشعر بضغطٍ كبيرٍ فيما يتعلق بمسؤولياته تجاه كريم. كانا شقيقين، وبينما كان طارق يتبنى دائمًا دور الحامي، كان كريم، بطبيعته المتهورة والمندفعة أحيانًا، يخوض مخاطر قد لا يقدرها.
"لا تقلقي كثيرًا يا سارة. حاولي التحدث معه بصراحةٍ وهدوء. ربما يحتاج فقط إلى دعمكِ. وأنا، سأحاول أن أتحدث مع طارق، لأفهم منه ما يحدث. ربما نستطيع أن نتعاون لنجد حلًا." قالت ليلى، وبدت تلك الكلمات وكأنها وعدٌ يصعب الوفاء به في ظل الظروف الراهنة.
بعد رحيل سارة، عادت ليلى إلى غرفتها، وما زالت وساوس الحرب تخيم على المكان. أخرجت دفتر مذكراتها، وبدأت تكتب، محاولةً أن تجد في الكلمات ملاذًا من القلق. كتبت عن سارة، وعن خوفها على كريم، وعن خوفها هي الأخرى على مستقبلها مع طارق. كانت ترى أن الحرب لم تكن مجرد صراعٍ مسلح، بل كانت حربًا تدور رحاها في القلوب، حربٌ تختبر الوفاء، وتقوض الثقة، وتزرع الشكوك.
في المساء، بينما كانت تجلس لتناول العشاء مع أسرتها، كان طارق قد عاد متأخرًا، وجهه متعبٌ، وعيناه تحملان ثقل يومٍ طويل. لم يكن في جوفه سوى القليل من الطعام. رأت ليلى كيف كان يتجنب النظر إليها مباشرةً، وكيف كان حديثه مع والده مختصرًا.
"هل كل شيءٍ بخير يا طارق؟" سألته بهدوءٍ بعد انصراف الجميع. نظر إليها، وبدا وكأنه يستجمع قواه للإجابة. "الأمور معقدةٌ يا ليلى. هناك مستجداتٌ خطيرةٌ على الجبهة. وتحتاج فرقنا إلى أسلحةٍ جديدةٍ، ونحن لا نملك سوى القليل." "وهل سمعت شيئًا عن كريم؟ سارة قلقةٌ جدًا عليه." سألت ليلى، مفضلةً التلميح على التصريح المباشر. تجمد طارق للحظة، ثم تنهد بعمق. "كريم... يبذل قصارى جهده. يقوم بمهامٍ صعبةٍ جدًا. أرجو أن تطلبي من سارة أن تثق به، وأن تدعو له بالتوفيق. وضعه ليس سهلًا." كان في صوته ما يدل على قلقٍ بالغ، وعلى رغبةٍ في طمأنة سارة، لكنه لم يستطع أن يخفي حجم المخاطر التي يتعرض لها شقيقه.
في تلك الليلة، لم تنم ليلى كثيرًا. كان قلبها مثقلًا بهمومٍ أكبر من همومها الخاصة. كانت ترى عائلتها، وعائلتي طارق وكريم، كأنها سفينةٌ تبحر في بحرٍ هائجٍ، وعلى متنها أملٌ هشٌ بالمستقبل. كانت تعلم أن عليها أن تكون قوية، وأن تدعم طارق وسارة، وأن تبحث عن طريقةٍ لتخفيف حدة التوترات، بدلاً من أن تزيدها.
عندما استيقظت في صباح اليوم التالي، وجدت ورقةً صغيرةً مطويةً تحت باب غرفتها. فضتها لتجد كلماتٍ بخطٍ مرتبٍ، عرفته فورًا. كان توقيع طارق.
"ليلى، غدًا، في وقت الظهيرة، سيكون لدي فرصةٌ قصيرةٌ للقائكِ بعيدًا عن الأنظار. هناك أمرٌ مهمٌ جدًا أود أن أتحدث معكِ فيه، ويجب أن يكون سرًا بيننا. أحتاج إلى حكمتكِ، وإلى مساندتكِ. لا تقلقي، ولكن كوني مستعدةً. طارق."
شعرت ليلى بخفقانٍ سريعٍ في قلبها. "أمرٌ مهمٌ جدًا" و "سرًا بيننا". كانت هذه الكلمات تحمل في طياتها وعدًا بحدثٍ جلل، أو ربما بكشفٍ قد يغير مسار الأمور. نظرت إلى الورقة، ثم إلى السماء الرمادية التي بدأت تتخللها أشعة الشمس الخجولة. كانت ترى أن الحرب، بمعناها الأوسع، لا تزال تفرض إيقاعها على حياتهم، وأنهم، كأفراد، يبحثون عن بصيص أملٍ في زحام الخوف والترقب.