حب في زمن الحرب الجزء الثالث
ظلال الماضي في أروقة الحقيقة
بقلم فاطمة النجار
كانت الشمس قد بلغت كبد السماء عندما وصلت ليلى إلى المكان المتفق عليه، وهو بستانٌ مهجورٌ على أطراف المدينة، كانت قد قصدته هي وطارق في لقاءاتهما الأولى، حيث كانت الأحاديث البريئة تمتزج بضحكاتٍ خجولةٍ، والشعور بالأمان ينمو بين جنبات أشجار الزيتون العتيقة. اليوم، كان المكان مختلفًا. الصمت الذي كان يعم المكان لم يعد صمتًا مريحًا، بل كان صمتًا مشوبًا بالترقب، والحذر. أوراق الشجر اليابسة تحت قدميها كانت تصدر صوتًا خشنًا يكسر هدوء المكان.
رأت طارق يقف تحت إحدى الأشجار الضخمة، وقد ارتسم على وجهه مزيجٌ من الجدية والقلق. كان يرتدي ملابس عادية، لكن وقفته كانت توحي بالمسؤولية الملقاة على عاتقه. اقتربت منه، وشعرت بتوترٍ داخليٍ يتسلل إليها.
"مساء الخير يا طارق." قالت بصوتٍ يحاول أن يكون ثابتًا. "مساء النور يا ليلى. شكرًا لحضوركِ بهذه السرعة." أجاب، وعيناه تلتمعان بنوعٍ من الرجاء. "قلت لي أن الأمر مهمٌ جدًا. ما هو؟" سألت، وبدأت تشعر بثقلٍ في صدرها.
تنهد طارق، ونظر حوله ليتأكد من خلو المكان، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ: "أنا قلقٌ جدًا يا ليلى، ليس فقط على الوضع العام، بل على كريم. لقد أصبح متورطًا في أمورٍ تتجاوز قدرته، وأخشى أن يقع في فخٍ لا يمكنه الخروج منه." "وهذا ما أخبرتني به سارة. قالت إنها تشعر أنه يخفي شيئًا." "هو يخفي الكثير. لقد بدأ يتحرك في دوائر خطرةٍ جدًا، ويتعامل مع أشخاصٍ لا يمكن الوثوق بهم. الأسبوع الماضي، قام بعمليةٍ خطرةٍ جدًا، حصل فيها على معلوماتٍ قيمةٍ، ولكنه كاد أن يضيع حياته."
ارتعش قلب ليلى. "كاد أن يضيع حياته؟ وكيف ذلك؟" "لقد تم اكتشاف أمره، وكان عليه أن يهرب بصعوبةٍ بالغة. لم يكن معه أحدٌ لمساعدته. وعندما عاد، كان مصابًا ببعض الكدمات، لكنه أخبرني أنه بخير، ولم يذكر شيئًا عن خطورة ما حدث." "لماذا لا تقف في وجهه يا طارق؟ لماذا لا تمنعه؟" "كيف أمنعه وهو يصر على أن هذه هي الطريقة الوحيدة لمواجهة الظلم؟ إنه يرى نفسه بطلًا، ويريد أن يغير العالم بيديه. ولكنني أخشى أن يكون هذا البطل سيتحول إلى ضحيةٍ في النهاية."
توقفت ليلى، تفكر في مدى تعقيد الموقف. كانت تعرف أن كريم، بطبيعته الشجاعة والمندفعة، سيجد صعوبةً في أن يرى الأمور من منظورٍ منطقيٍ في ظل هذه الحرب. "ماذا عن المعلومات التي حصل عليها؟ هل هي مهمةٌ حقًا؟" "نعم، إنها تفاصيل دقيقةٌ عن تحركات العدو، وخططهم الهجومية. ولكن هناك مشكلةٌ أكبر." "ما هي؟" "هناك احتمالٌ كبيرٌ أن يكون هناك خائنٌ بيننا. شخصٌ يسرّب معلوماتٍ عن تحركاتنا، وعن أفرادنا. هذه المعلومات التي حصل عليها كريم، والتي كان من المفترض أن تكون سريةً جدًا، وصلت إلى أيدي العدو بطريقةٍ ما. وهذا ما جعلنا ندرك وجود خائنٍ."
صدمةٌ قويةٌ ضربت ليلى. "خائنٌ؟ كيف هذا ممكن؟ من يمكن أن يكون؟" "لا أعرف. ولكننا بدأنا نشك في أشخاصٍ معينين. هناك شخصٌ واحدٌ كان له وصولٌ مباشرٌ إلى المعلومات الحساسة، وكان يتصرف بطريقةٍ غريبةٍ مؤخرًا. إنه... إنه شخصٌ قريبٌ منا."
شعر قلب ليلى بالبرد. "قريبٌ منا؟ هل تقصد...؟" "نعم، أخشى أن أقول ذلك. أخشى أن يكون الشخص الذي نشك فيه هو... السيد فارس." تجمدت ليلى في مكانها. السيد فارس، صديق والدها المقرب، والذي لطالما كان رمزًا للأخلاق والنزاهة في نظرها. الرجل الذي وثق به والدها ثقةً عمياء، والذي كانت علاقتها به علاقة احترامٍ وتقدير. كيف يمكن أن يكون هو؟
"السيد فارس؟ لا يمكن! أنت مخطئٌ يا طارق. إنه رجلٌ نبيلٌ، وصديقٌ للعائلة. لا يمكن أن يفعل شيئًا كهذا." "أعلم أن الأمر صعبٌ التصديق، ولكنه يشير إلى دلائل قوية. لقد كنا نراقب تحركاته، وبعض المكالمات الهاتفية التي تلقاها، وبعض الاجتماعات السرية التي عقدها. كل هذا يشير إليه." "ولكن، لماذا؟ ما الذي قد يدفعه لفعل ذلك؟" "لا أدري. ربما يكون لديه دوافعه الخاصة، أو ربما يتم استغلاله. ولكننا لا نستطيع أن ننتظر أكثر. إذا كان بالفعل خائنًا، فيجب أن نكشف أمره قبل أن يضرنا أكثر."
بدأت ليلى تشعر بأن العالم من حولها ينهار. كل ما كانت تعتقده صحيحًا، وكل ما كانت تثق به، بدأ يتزعزع. "وماذا تنوي أن تفعل؟" "علينا أن نثبت تورطه. ولهذا السبب، أحتاج إلى مساعدتكِ. أنتِ الوحيدة التي يمكنها أن تقترب منه بطريقةٍ طبيعيةٍ، دون أن تثير شكوكه. أريد منكِ أن تحاولي أن تستدلي منه على أي شيءٍ، بطريقةٍ غير مباشرةٍ. أن تراقبي تصرفاته، وأن تحاولي سماع أي شيءٍ قد يدل على تورطه."
صعقت ليلى. أن تطلب منها أن تتجسس على صديق والدها. شعرت بأنها تقف على حافة هاوية. "ولكن... كيف؟ أنا لا أستطيع أن أفعل ذلك. هذا أمرٌ لا يمكنني تحمله." "أعلم أنه طلبٌ صعبٌ جدًا، ولكني لا أرى أي حلٍ آخر. أنتِ قريبةٌ منه، وهو يثق بكِ. ربما يمكنكِ أن تري شيئًا لم نره. هذه المعلومات التي حصل عليها كريم، يمكن أن تضيع حياة الكثيرين إذا وصلت إلى الأعداء. وإذا كان فارس هو السبب، فلن نغفر لأنفسنا أبدًا إذا لم نفعل شيئًا."
نظرت ليلى إلى طارق، ورأت في عينيه الألم واليأس. كانت تدرك حجم المسؤولية التي تقع على عاتقهم. لقد كانت الحرب تفرض عليهم قراراتٍ صعبةً، وتجبرهم على التعامل مع حقائق مؤلمة.
"حسناً يا طارق. سأفعل ما بوسعي. ولكن بشرطٍ واحد." "ما هو؟" "إذا لم أستطع أن أجد أي دليل، أو إذا شعرت بأن هذا يؤذي أحداً بريئاً، فسأنسحب. وأنت وعدتني ألا تضر أحداً إلا إذا ثبت تورطه بالكامل." "أعدكِ. ولكن يجب أن نكون حذرين. لا تظهري أي شكٍ. تصرفي كأنكِ لم تسمعي شيئًا."
وقفا صامتين لبرهة، يحاول كل منهما استيعاب حجم الخطب. ثم، انطلق صوتٌ بعيدٌ لقذيفةٍ، يذكرهم بأن الحرب لم تنتهِ بعد، وأن أشباح الماضي، وأشباح الخيانة، قد بدأت تتسلل إلى أروقة الحاضر.