حب في زمن الحرب الجزء الثالث

أشباح الماضي تطل من ثقوب الخيانة

بقلم فاطمة النجار

عاد طارق إلى مقر القيادة الميدانية، وقلبه مثقلٌ بالهموم. لم تكن المعارك الدائرة في الخارج سوى جزءٍ يسيرٍ من المعركة الحقيقية التي تخاض في الكواليس. كانت شكوكه في السيد فارس قد بدأت تتراكم كغيمةٍ سوداءٍ، وكلما حاول دحضها، عادت لتطفو على السطح بأدلةٍ جديدة. لم يكن الأمر مجرد حدسٍ، بل كان هناك تقاريرٌ ميدانيةٌ، ومكالماتٌ مشفرةٌ تم اعتراضها، وصورٌ التقطت من مسافاتٍ بعيدةٍ. كلها كانت تشير إلى السيد فارس، صديق العائلة، وشريك والده في العديد من المشاريع.

جلس في غرفته الصغيرة، يتأمل الخريطة المرسومة على الحائط. كانت تمثل مساحاتٍ شاسعةً من الأراضي، وحركة القوات، ونقاط الضعف المحتملة. كانت هذه الخرائط أحيانًا هي السبيل الوحيد لمحاولة توقع تحركات العدو، ولكنها كانت أيضًا سلاحًا ذو حدين. إذا وصلت هذه الخرائط إلى الأيدي الخطأ، فستكون كارثة.

فكر في كريم. شقيقه الأصغر، الذي كان يندفع نحو المخاطر بشجاعةٍ مفرطة. لقد كان كريم هو من أحضر تلك المعلومات الهامة، المعلومات التي فتحت أعين طارق على احتمال وجود خائنٍ. لكن، هل كان كريم يعرف شيئًا عن تورط السيد فارس؟ من المستحيل أن يكون لديه أي شكٍ، فهو لا يتوقع الشر من أحدٍ، وخاصةً من رجلٍ لطالما احترمه.

لقد حان الوقت لاتخاذ قراراتٍ صعبة. لم يعد بالإمكان الانتظار. كان عليهم أن يتحركوا، وأن يحموا ما تبقى. شعر بمسؤوليةٍ هائلةٍ على عاتقه، مسؤوليةٌ لم يعهدها من قبل. كان عليه أن يواجه حقيقةً مؤلمةً، وأن يتجاوز مشاعره الشخصية، وأن يضع مصلحة العائلتين، ومصلحة بلده، فوق كل اعتبار.

في تلك الأثناء، كانت ليلى في القصر، تحاول أن تعيش حياتها كالمعتاد، ولكنها كانت تشعر بأن كل شيءٍ حولها قد تغير. كانت تتبادل الحديث مع السيد فارس في لقاءاتهما العابرة، وبدأت تلاحظ تفاصيل صغيرةً لم تلفت انتباهها من قبل. طريقة حديثه، نظراته، حتى نبرة صوته. كانت تحاول أن تجمع خيوطًا، وأن ترى ما إذا كانت ترى ما يراه طارق، أم أنها مجرد ضغوطٍ نفسيةٍ سببتها الحرب.

تذكرت لقاءها الأول بالسيد فارس بعد عودتها من الخارج. لقد كان هو من استقبلها بحرارةٍ، وكان يعبر عن فرحته بعودتها وسلامتها. كانت كلماته تبدو صادقةً، ولكن الآن، بعد أن سمعت كلام طارق، بدأت تشك في كل شيء.

"ليلى، ما بكِ؟ تبدين شاردة الذهن." كانت هذه كلمات والدتها، التي دخلت عليها الغرفة بهدوء. "لا شيء يا أمي، مجرد تفكيرٍ في أحوال البلاد." أجابت ليلى، محاولةً أن تبدو طبيعية. "الحرب قاسيةٌ على الجميع، يا ابنتي. ولكن علينا أن نحتسب الأجر عند الله، وأن نصبر." "نعم يا أمي. ولكنني قلقةٌ جدًا على طارق. يظهر عليه الإرهاق الشديد." "طارق رجلٌ قويٌ، وسيتحمل. هو يسير على خطى والده. وكريم أيضًا. أرى فيهما روح والدكما. ولكن، هل رأيتِ السيد فارس مؤخرًا؟ سمعت أنه قد يكون لديه بعض الأخبار عن الوضع في الشمال."

شعرت ليلى بلسعةٍ من الشك. أخبارٌ عن الشمال؟ السيد فارس لم يكن لديه علاقاتٌ مباشرةٌ بتلك المناطق. هل كانت هذه مجرد مصادفةٍ، أم أن هناك شيئًا خلف هذه الكلمات؟ "لم ألتق به منذ أيامٍ قليلةٍ يا أمي. ولكنني سأحاول أن أسأل عنه." "حسنًا يا ابنتي. فإن كان لديه أخبارٌ، فمن الأفضل أن نعرفها مبكرًا."

بعد مغادرة والدتها، جلست ليلى تفكر. لقد استغل السيد فارس دائمًا ثقة والدها، وثقة عائلتها. كان يلعب دور الصديق الوفي، والمستشار الأمين. ولكن، ما الذي قد يدفعه للخيانة؟ هل كانت مجرد مطامعٍ شخصيةٍ، أم أن هناك قوىً أكبر تحركه؟

في اليوم التالي، وبينما كانت ليلى تتجول في حديقة القصر، رأت السيد فارس يتحدث إلى أحد الخدم المقربين من العائلة، وهو رجلٌ يبدو عليه السؤم والتوتر. اقتربت منهما ليلى، مستغلةً انشغالهما. "مرحبًا سيدي فارس، ومرحبًا يا عبد الله." قالت بابتسامةٍ. التفت السيد فارس إليها، وبدا عليه بعض الارتباك. "أوه، ليلى. لم أركِ. كنت أتحدث مع عبد الله عن بعض الأمور المتعلقة بالمؤونة." "أتمنى أن تكون الأمور على ما يرام." قالت ليلى، وعيناها تتفحصان عبد الله. كان يبدو وكأنه يخبئ شيئًا.

"نعم، الحمد لله. ولكن، الحرب تجعل كل شيءٍ صعبًا." قال السيد فارس، محاولًا تغيير الموضوع. "بالتأكيد. ولكن، هل سمعت أي أخبارٍ عن الشمال؟ أمي ذكرت أن لديك بعض المعلومات." قالت ليلى، مباشرةً، تريد أن ترى رد فعله. تجمد السيد فارس للحظة، ثم ابتسم بتكلف. "الشمال؟ لا أظن أنني أملك معلوماتٍ محددةً عن الشمال. ربما كانت والدتكِ تقصد بشكلٍ عامٍ. الوضع هناك معقدٌ جدًا." "أتفهم. ولكن، هل سمعت أي شيءٍ غير عاديٍ؟ عن تحركاتٍ جديدةٍ؟" سألت ليلى، معتقدةً أن الضغط قد يدفع به إلى كشف شيءٍ.

نظر إليها السيد فارس بنظرةٍ ثاقبةٍ. "ليلى، أنتِ ذكيةٌ جدًا، ولكن يبدو أن القلق يجعلكِ تتخيلين الأمور. لا يوجد شيءٌ غير عاديٍ. علينا فقط أن نثق بقيادتنا، وأن ندعو الله أن يحمينا." شعر ليلى بالخيبة. لقد حاول، ولكن دون جدوى. ثم، لفت انتباهها شيءٌ غريب. كان عبد الله، الخادم، يمسك بقطعةٍ صغيرةٍ من الورق في يده، ويحاول إخفاءها بسرعةٍ.

"ما هذا يا عبد الله؟ هل لديك شيءٌ تود أن تخبرني به؟" سألت ليلى، مدعيةً الفضول. شعر عبد الله بالذعر. "لا، لا شيء يا سيدتي. مجرد ورقةٌ إعلانٌ قديمٌ." "دعني أراه." طلبت ليلى، وبدت كلماتُها جادةً.

تردد عبد الله، ولكن ضغط نظرات ليلى جعل منه مضطرًا لتسليمها الورقة. كانت مجرد قطعةٍ صغيرةٍ، مطويةٍ بعنايةٍ. فضتها ليلى، لتجد بداخلها بضع كلماتٍ مكتوبةٍ بخطٍ مسرعٍ، بلغةٍ مشفرةٍ. لم تفهم ليلى الكلمات، ولكنها أدركت فورًا أن هذه ليست مجرد ورقةٍ عاديةٍ. "ما هذا؟" سألت، وعيناها مثبتتان على السيد فارس، الذي كان يبدو عليه الاحمرار الشديد. "لا أعرف. لقد أعطاني إياها شخصٌ غريبٌ في السوق." حاول عبد الله أن يبرر. "في السوق؟ ومتى؟" سألت ليلى، وهي تدرك أن الكذبة واضحةٌ.

في تلك اللحظة، سمع صوت خطواتٍ سريعةٍ تقترب. كان طارق. اقترب منهما، ونظر إلى الورقة في يد ليلى، ثم إلى تعابير وجه السيد فارس وعبد الله. "ماذا يحدث هنا؟" سأل طارق، وشعر بنوعٍ من الخطر. "كنت أحاول أن أفهم هذه الورقة التي أعطاها عبد الله لي." قالت ليلى، وهي تقدم الورقة لطارق.

فحص طارق الورقة، ثم نظر إلى عبد الله. "من أعطاك هذه الورقة؟" "لا أعرف، لقد... لقد أعطاني إياها شخصٌ مجهولٌ." تلعثم عبد الله. "وهل كانت معك قبل أن أراكِ؟" سأل طارق، مركزًا نظره على السيد فارس. "نعم. لقد كانت معي." أجاب عبد الله، بتوتر.

نظر طارق إلى السيد فارس، الذي كان يحاول أن يبدو هادئًا، ولكن عينيه كانتا تعكسان قلقًا شديدًا. "سيدي فارس، يبدو أن هناك ما يجب أن نتحدث فيه. هذه الورقة لا تبدو بريئةً." "طارق، لا أظن أن الأمر يستدعي كل هذا القلق. إنها مجرد رسالةٌ قد تكون لأحدٍ ما." قال السيد فارس، محاولًا أن يخفف من حدة الموقف.

"ولكن، إذا كانت لأحدٍ ما، فكيف وجدت طريقها إليك، ومن ثم إلى ابنتي؟" سأل طارق، وبدأت نبرة صوته تتغير. "أنا... لم أكن أعرف أنها معك." حاول السيد فارس أن يقول، ولكن كلماته بدت ضعيفةً.

شعر طارق بأن الحقيقة بدأت تتكشف. لقد كانت هذه الورقة جزءًا من خطةٍ أكبر، وأن السيد فارس كان متورطًا بها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%