حب في زمن الحرب الجزء الثالث

ظلال الشك في قلب العهد

بقلم فاطمة النجار

عادوا إلى القلعة، حاملين معهم بشرى الانتصار. استقبلهم أبو سيف والجميع بالتهليل والفرح. كانت أجواء الاحتفال تملأ المكان، لكن ليلى وأحمد، وسط كل هذه البهجة، شعرا بثقلٍ جديدٍ يقع على عاتقيهما. لقد أثبتوا أنفسهم، لكن الحرب كانت لا تزال مستمرة، والتهديدات تتزايد.

في أحد الأيام، بينما كان أحمد وليلى يتحدثان في إحدى الغرف الحجرية في القلعة، دخل عليهما رجلٌ غريب، يرتدي ملابس مهلهلة، ويبدو عليه الإرهاق الشديد. كان قد جاء من منطقةٍ أخرى، يحمل أخبارًا سيئة.

"لقد سقطت مدينة الرافدين." قال الرجل، بصوتٍ مختنق. "لقد استولى العدو عليها بالكامل."

صُدم أحمد وليلى. كانت مدينة الرافدين خط الدفاع الأخير عن منطقةٍ حيوية، وسقوطها يعني أن خطوط العدو ستتجاوز حدودهم.

"كيف؟" سأل أحمد، وقد بدأ القلق يعتري وجهه. "هل لم تكن هناك مقاومة؟"

"كانت هناك مقاومة، لكنها لم تكن كافية." أجاب الرجل. "لقد خانهم أحد قادتهم. لقد باع المدينة للعدو."

عندما سمعت ليلى كلمة "خيانة"، شعرت ببرودةٍ تسري في عروقها. كانت تعرف أن الخيانة مرضٌ يفتك بالمجتمعات، وأنه قد يأتي من أي مكان، ومن أي شخص.

"من هو هذا الخائن؟" سألت ليلى، بصوتٍ يحمل غضبًا مكبوتًا.

"لا أحد يعرف هويته بالضبط. لكن الشكوك تحوم حول رجلٍ يدعى 'جاسر'." قال الرجل. "كان قائدًا في جيشهم، ولم يظهر أي ولاءٍ مسبق."

بدأ أحمد يشعر بضيقٍ في صدره. كان جاسر اسمًا مألوفًا له. كان جاسر من أصدقائه القدامى، وقد وعدوهما، ليلى وأحمد، بأن يقفا بجانبهما في أي وقت. هل يمكن أن يكون جاسر هو الخائن؟

"جاسر؟" قال أحمد، بصوتٍ بدا وكأنه بالكاد يخرج منه. "لا يمكن أن يكون هو. إنه رجلٌ شريف."

نظرت ليلى إلى أحمد، ورأت في عينيه صراعًا داخليًا. كانت تعرف أن أحمد لديه ثقةٌ كبيرةٌ في أصدقائه، لكنها كانت تعرف أيضًا أن الحرب قد تغير الناس، وقد تدفعهم إلى اتخاذ قراراتٍ لا يمكن تصورها.

"الحرب قاسية، أحمد." قالت ليلى، بهدوء. "وقد تغير الكثير من الناس. يجب أن نكون حذرين."

"لكن ليس علينا أن نتهم أبرياء." قال أحمد، وارتفعت نبرته قليلاً.

"وليس علينا أن نثق بمن يشك فيهم الجميع." ردت ليلى. "إذا كان جاسر هو الخائن، فهذا يعني أن حياتنا في خطرٍ أكبر مما نتوقع."

بدأ الصراع الداخلي يتفاقم في قلب أحمد. لقد نشأ مع جاسر، وتقاسما أحلامًا وآمالًا كثيرة. كانت فكرة أن يكون صديقه خائنًا أمرًا لا يمكنه استيعابه. لكن شكوك ليلى، وإخبار الرجل القادم من مدينة الرافدين، بدأت تلقي بظلالها على يقينه.

"ماذا لو كانت هذه مجرد خدعة؟" قال أحمد، يفكر بصوتٍ عالٍ. "ماذا لو كان العدو يريد إثارة الشقاق بيننا؟"

"الشقاق موجود بالفعل، أحمد." قالت ليلى، ووقفت، ومشت نحوه. "الشك يزرع الخوف، والخوف يقتل الثقة. وهذا ما يريده العدو."

"ولكن، ليلى، أنا أعرف جاسر. أعرف معدنه."

"وأنا أعرف أن الحرب تفسد النفوس، أحمد. إنها قادرة على أن تحول الصديق إلى عدو، والملتزم إلى خائن."

تلاقت أعينهما. كان صراعًا بين الولاء القديم، والحذر الجديد. كان صراعًا بين القلب والعقل. كانت ليلى تشعر بأن هناك خطبًا ما، وأن الشك الذي يلوح في الأفق يمكن أن يدمر كل شيء.

"إذا كان جاسر بريئًا، فليثبت ذلك." قالت ليلى، وقد امتلأت نبرتها بالعزم. "لكننا لا نستطيع أن ننتظر حتى يأتي الخطر إلينا."

"وماذا تقترحين؟" سأل أحمد، وهو يشعر بأن الثقة بينهما بدأت تتآكل.

"يجب أن نذهب إلى مدينة الرافدين. يجب أن نرى بأعيننا، ونتحقق من الأمر بأنفسنا."

"لكنها منطقةٌ محتلة، ليلى. إنه انتحار!"

"الموت في سبيل كشف الحقيقة، أفضل من الموت في غفلةٍ، أو بسبب خيانة."

نظر أحمد إلى وجه ليلى. رأى فيه التصميم، والشجاعة، والإصرار. كان يعرف أن ليلى لا تتراجع عن قرارٍ اتخذته، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالأمن. لكنه كان يشعر أيضًا بخيبة أملٍ عميقة. هل بدأت الشكوك تسري حتى بينهما؟

"ليلى، هل تشكين بي؟" سأل أحمد، بصوتٍ حزين.

فوجئت ليلى بالسؤال. "بالطبع لا، أحمد. لماذا تسأل؟"

"لأنكِ تريدين الذهاب إلى هناك، وحدنا، بينما أنا أشعر بالتردد. هل تشكين بأنني سأتخلى عنكِ، أو بأنني قد أكون في صف الخونة؟"

"لا، أحمد. أبداً. إنما هي خطورة الموقف، وصعوبة المهمة. لا أريدك أن تعرض نفسك للخطر."

"ولكنني جزءٌ من هذه المعركة، ليلى. جزءٌ من هذا العهد. ولا يمكنني أن أترككِ تذهبين وحدكِ."

تنهد أحمد، وقد فهم أن الأمر لا يتعلق بالشك، بل بالخوف، الخوف على بعضهما البعض.

"حسناً." قال أحمد، وقد اتخذ قراره. "سنذهب. لكن علينا أن نكون حذرين للغاية. وأن نأخذ كل الاحتياطات اللازمة."

نظرت ليلى إلى أحمد، ورأت فيه العزم الذي اعتادته. كانت سعيدةً بأن ثقتهما لم تتزعزع تمامًا، وأن حبهما لا يزال قادرًا على تجاوز عواصف الشك.

"سنكون بخير، أحمد." قالت ليلى، وأمسكت بيده. "طالما نحن معًا."

لكن في أعماق قلبه، كان أحمد يشعر بقلقٍ يتزايد. لقد كان لديه شعورٌ بأن هذه الرحلة إلى مدينة الرافدين لن تكون مجرد مهمةٍ لكشف خائن، بل ستكون رحلةً لكشف أسرارٍ أعمق، وأسرارٍ قد تغير مسار حياتهما إلى الأبد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%