حب في زمن الحرب الجزء الثالث
رمال متحركة نحو المجهول
بقلم فاطمة النجار
انطلقت ليلى وأحمد نحو مدينة الرافدين، تحت جنح الظلام، حاملين معهما مزيجًا من الأمل والقلق. كانت الرحلة شاقة، والطريق مليئًا بالمخاطر. مرت بهم أراضٍ مدمرة، شاهدةً على وحشية الحرب، وعلى الخراب الذي خلفته. كلما توغلوا أكثر، زاد شعورهما بالخطر، وزاد شعورهما بأن شيئًا ما ليس على ما يرام.
بعد عدة أيام من السير، وصلوا إلى مشارف المدينة. لم تعد المدينة مدينة، بل كانت مجرد أشباحٍ من المباني المتهدمة، وشوارعٍ خاليةٍ إلا من الرياح التي كانت تحمل معها أصداء المعارك. كان الصمت في المدينة مخيفًا، وكأنها مدينةٌ ميتة، انتزع منها الحياة.
"هذا المكان يبدو وكأنه لم يشهد حربًا، بل وكأن الأرض نفسها قد ابتلعته." همست ليلى، وعيناها تجولان بين الأنقاض.
"الخيانة تترك آثارًا أعمق من الحرب." رد أحمد، وقد شعر بغصةٍ في حلقه.
تسربوا بين المباني المدمرة، بحذرٍ شديد. كان عليهم أن يتجنبوا دوريات العدو، وأن يتجنبوا أي مواجهةٍ غير ضرورية. كانوا يبحثون عن أي دليلٍ، عن أي معلومةٍ تقودهم إلى حقيقة ما حدث، وإلى هوية الخائن.
بعد ساعاتٍ من البحث، وجدوا مبنىً واحدًا ما زال صامدًا نسبيًا. كان يبدو أنه مقرٌ لقادة العدو. قررا أن يتسللا إليه، علّهما يجدان فيه ما يبحثان عنه.
"سأذهب أنا، وأنتَ ستحرس الطريق." قالت ليلى.
"لا، ليلى. لن أترككِ تذهبين وحدكِ. سنذهب معًا." قال أحمد، وعزيمته قوية.
تسلقا السور، وتسللا إلى داخل المبنى. كان المكان مظلمًا، لكنهما استطاعا تمييز الغرف. سمعا أصواتًا قادمة من إحدى الغرف. توقفا، وأصغيا.
كانت أصواتًا عربية، تتحدث بلكنةٍ مألوفة. تسللوا نحو الباب، وفتحاه ببطءٍ شديد. ما رأوه داخل الغرفة جعل قلبيهما يتجمدان.
كان جاسر جالسًا على كرسي، يتحدث مع أحد قادة العدو. كانت عيناه تحملان نظرةً مخيفة، نظرةً لم يعرفها أحمد من قبل. كان جاسر، صديقه القديم، يتآمر مع الأعداء.
"لقد قمتُ بما طلبته مني." قال جاسر، بصوتٍ بارد. "لقد فتحتُ لكم الطريق إلى المدينة."
"أحسنت صنعًا، يا جاسر." رد قائد العدو بابتسامةٍ ماكرة. "لقد أثبتَ ولاءك لنا. والآن، سيأتي دور الجزء الثاني من خطتنا."
"وما هو الجزء الثاني؟" سأل جاسر.
"سندمر هذه القلعة التي تتجمع فيها بقية المقاومة. وبتدميرها، سنقضي على الأمل الأخير لديهم."
شعر أحمد بأن الأرض تدور به. لم يستطع أن يصدق ما يسمعه. صديقه، الذي وعدوه بالولاء، كان هو الخائن. كانت خيانته أعمق وأخطر مما كانوا يتخيلون.
"يا ليلى." همس أحمد، ويده ترتجف.
نظرت ليلى إلى أحمد، ورأت في عينيه الألم. لقد صدقت نبوءتها، لكنها لم تكن تتمنى أن تكون صحيحة.
"علينا أن نخرج من هنا." همست ليلى. "الآن."
انسحبا بصمت، وخرجا من المبنى، وعادوا إلى الطريق. كانت الرياح تعصف حولهما، تحمل معها صدى خيانةٍ مريرة.
"لا أصدق." قال أحمد، ودموعه تتساقط على خديه. "كيف يمكن لجاسر أن يفعل هذا؟"
"الحرب تفسد النفوس، أحمد. لقد رأينا ذلك بأعيننا." قالت ليلى، وعانقته. "لكن يجب أن نكون أقوياء. يجب أن نواجه هذا الأمر."
"لكن كيف؟ لقد خاننا. خان الأمة بأكملها."
"سنواجه خيانته، أحمد. ولن نسمح له بأن يدمر ما بنيناه. سنقاتل من أجل كل شيءٍ جميلٍ دمرته الخيانة."
نظرت ليلى إلى أحمد، ورأت في عينيه عزمًا جديدًا. لقد خسر صديقًا، لكنه لم يخسر معركته. لقد فهم أن الحب، حتى في زمن الخيانة، يجب أن يكون أقوى من الشك، وأقوى من اليأس.
"سنعود إلى القلعة، أحمد." قالت ليلى، ورفعت رأسها. "وسنخبر أبو سيف بكل شيء. وسنستعد لهذه المعركة الجديدة. معركةٌ ضد الخيانة، وضد الظلم."
"معركةٌ من أجل الأمل، ليلى." قال أحمد، وقد استعاد بعضًا من قوته.
"معركةٌ من أجل الأمل." أكدت ليلى.
كانت الشمس قد بدأت تشرق، تلقي بضوءٍ خافتٍ على الأراضي المدمرة. كانت ليلى وأحمد يسيران جنبًا إلى جنب، نحو القلعة، ونحو معركةٍ جديدة. كانت رحلتهما قد بدأت، رحلةٌ لا تعرف نهايتها، رحلةٌ تتشابك فيها خيوط الحب، والخيانة، والأمل، في صحراءٍ واسعةٍ من المجهول.