حب في زمن الحرب الجزء الثالث
ظلال الشوق المستعر
بقلم فاطمة النجار
اشتدّ ليلُ دمشقَ وهْيَ تُلفِظُ أنفاسَها الأخيرة، والمدينةُ النائمةُ تحتَ سماءٍ لم تَعُدْ تُعانقُ النجومَ كما كانت، بل غدتْ صحناً مُلبَّداً بالغُبارِ وبقايا الصرخات. في غُرفةٍ تعتّقَ فيها عبيرُ الياسمينِ المخلوطُ بمرارةِ القلق، جلستْ لينا، تُقَلِّبُ بينَ يديها رسالةً بالكادِ تَرى حروفَها في ضوءِ مصباحٍ خافتٍ بالكادِ يُقاومُ الظلام. كانتْ الكلماتُ، وإنْ كانتْ مُزخرفةً بأجملِ عباراتِ الودِّ والاشتياق، تُلقي بظلالٍ ثقيلةٍ على قلبِها، تُثيرُ فيها اضطراباً لا تعرفُ مصدرَهُ تماماً.
"لينا العزيزة، آملُ أنْ تصلَكِ هذهِ الكلماتُ وأنتِ بألفِ خير. أيّامٌ طِوالٌ مرّتْ منذُ آخرِ لقاءٍ لنا، والشوقُ إليكِ يزدادُ معَ كلِّ دقيقةٍ تمرّ. تذكرينَ حينَ كنّا نتجوّلُ في أزقّةِ المدينةِ القديمة، وكنتِ تضحكينَ على قصصي، وعلى أحلامي التي لا تنتهي؟ أحلامي الآنَ تلتفُّ حولَ وجهِكِ، وصوتُكِ هوَ اللحنُ الوحيدُ الذي يُطمئنُ روحي. أعلمُ أنَّ الظروفَ صعبة، وأنَّ الحربَ قدْ ألقتْ بظلالِها القاتمةِ على كلِّ شيء. لكنَّ قلبي، يا لينا، قلبي لا يعرفُ سوى الحبِّ. لا أستطيعُ أنْ أتنفسَ هواءً غيرَ هواءٍ فيهِ بقايا عبيرِك. هلْ تتذكرينَ عهدَنا؟ وعدُنا بأنْ نبقى معاً، مهما اشتدَّتِ المحن. أرجوكِ، لا تجعليني أنتظرُ طويلاً. فكلُّ يومٍ يمرُّ دونَ رؤيتِكِ هوَ يومٌ أُسلبُ فيهِ جزءٌ منْ روحي. أتطلعُ بشوقٍ إلى ردِّكِ، إلى بصيصِ أملٍ يُنيرُ دربي. حبيبُكِ، فارس."
كانتْ هذهِ الرسالةُ جزءاً منْ لعنةٍ تُلاحقُ لينا. فارس، هذا الشابُّ الذي أشرقَ في سماءِ حياتِها كالشمسِ وقتَ الغروب، والذي أحبّتْهُ بصدقٍ وصفاء، أصبحَ الآنَ مصدرَ قلقِها وهاجسِها. لم تكنْ المشكلةُ في حبِّها له، بل في طبيعةِ هذا الحبِّ، في السياجِ الذي لم يُسمحْ لهُ بالعبورِ إليهِ، وفي الحواجزِ التي زرعتْها الأقدارُ والتقاليدُ بينَهما.
فارس، الابنُ الوحيدُ لتاجرٍ نافذٍ، لم يكنْ يوماً سوى رمزٍ للشابِّ المُدلّلِ الذي اعتادَ أنْ يحصلَ على كلِّ ما يريد. كانَ يحملُ في عينيهِ بريقَ التحدّي، وفي قلبِهِ جمرةً منْ شغفٍ جامحٍ لم يعرفْ قيوداً. كانَ يحبُّ لينا، هذا ما لم تشكّ فيهِ قط، لكنَّ حبَّهُ كانَ يميلُ إلى التملّكِ، إلى فرضِ رأيهِ، إلى رؤيةِ لينا كما يريدُها هو، لا كما هيَ حقاً.
بعدَ أنْ انتشرَ الخبرُ عنْ تعلُّقِ فارس بلينا، وهيَ ابنةُ جيرانِهم، الفتاةُ الهادئةُ، ذاتُ الخلقِ الرفيع، والتي ربّتها عائلتُها على مبادئَ الدينِ والأخلاقِ، بدأتْ الضغوطُ تتزايدُ. والدُ فارس، السيدُ أحمد، الرجلُ الذي بنى ثروتَهُ منْ عرقِ الجبينِ، لكنَّهُ أصبحَ أسيرَ ماديتِهِ ورغبتِهِ في تزويجِ ابنِهِ لفتاةٍ منْ عائلةٍ تُشبهُ عائلتَهُ في المستوى الاجتماعيِّ والماديِّ، لم يكنْ يرى في لينا سوى فتاةٍ بسيطةٍ، لا تُناسبُ ابنهُ الذي وعدهُ بمستقبلٍ باهر.
"ابني فارس،" قالَ السيدُ أحمد لابنِهِ ذاتَ مساء، والصوتُ يرتجفُ بالحزمِ الممزوجِ بالشفقة، "أنا أدركُ مدى تعلُّقِكَ بلينا. لكنْ، ألا ترى معي أنَّ هذهِ العلاقةَ لنْ تقودَ إلى زواجٍ مُبارك؟ عائلةُ لينا طيبةٌ، ونحنُ نحترمُهم، لكنَّنا ننتمي إلى عالمٍ مختلف. أنتَ لديكَ مستقبلكَ، وحياتُكَ، ومسؤولياتُكَ. هلْ تُريدُ أنْ تُرهقَ نفسَكَ بشخصٍ لا يُشاركُكَ طموحاتِكَ؟"
أجابَ فارس، وقدْ احمرَّ وجهُهُ بالغضبِ المكبوت، "يا أبي، الحبُّ لا يعرفُ مستوياتٍ اجتماعيةً ولا مالاً. لينا هيَ كلُّ ما أُريد. إنّها الفتاةُ التي رأيتُ فيها شريكةَ حياتي، ووالدةَ أبنائي. كيفَ لكَ أنْ تُقلِّلَ منْ شأنِها؟"
"أنا لا أُقلِّلُ منْ شأنِها، يا بني،" قالَ السيدُ أحمد، وهوَ يُمسكُ بذراعِ فارس، "أنا أُحافظُ عليكَ. على مستقبلكَ. على اسمِ عائلتِنا. إذا أردتَ أنْ تتزوّجَ، فعليكَ أنْ تختارَ فتاةً تُشبهُكَ، تُناسبُكَ، وتُساعدُكَ في مسيرتِكَ، لا أنْ تكونَ عبئاً عليك."
تلكَ الكلماتُ كانتْ بمثابةِ الشرارةِ التي أشعلتْ نارَ الإدمانِ في قلبِ فارس. إدمانُ للينا، وإدمانٌ لرغبتِهِ في تحقيقِ ما يريدُ مهما كلّفَ الأمر. لم يكُنْ يتخيلُ قطّ أنَّهُ قدْ يُجبرُ على التخلّي عنْ حبِّهِ، وأنَّهُ قدْ تُمنعُ عليهِ سعادتُهُ.
منْ ناحيةٍ أخرى، كانتْ لينا تعيشُ في صراعٍ داخليٍّ مُزدوج. حبُّها لفارس كانَ صادقاً وعميقاً، لكنّها كانتْ أيضاً تؤمنُ بكلماتِ والدتِها التي كانتْ تُردّدُ دوماً: "يا ابنتي، الفتاةُ لا تُبنى إلا على دينِها وخُلُقِها. إنْ أحببتِ، فأحبّي رجلاً يُحبُّ اللهَ ورسولَهُ، رجلاً يُعينُكِ على دينِكِ ودنياكِ. المالُ والجاهُ زائلان، أمّا الدينُ والخلقُ فهما الباقيان."
كانتْ لينا ترى في فارسِ الشابَّ المُحبّ، الشاعرَ، الرومانسيَّ، لكنّها كانتْ أيضاً ترى فيهِ عناداً، وتمرّداً، وعدمَ اكتراثٍ بالمبادئِ التي تربّتْ عليها. كانَ فارسُ لا يُصلي، وكانَ يُحبُّ المجالسَ التي فيها الغناءُ والموسيقى، وكانَ أحياناً يتحدثُ بكلماتٍ لا تليقُ بفتاةٍ مثلَ لينا. لكنّها كانتْ تتغاضى عنْ هذهِ الأمور، تُقنعُ نفسَها بأنّ حبَّها سيُصلحُهُ، وأنّها ستكونُ سبباً في هدايتِهِ.
ولكنْ، معَ كلِّ رسالةٍ جديدةٍ منْ فارس، ومعَ كلِّ نظرةٍ قلقةٍ منْ والديها، كانتْ لينا تشعرُ بأنّها تتورّطُ أكثرَ في متاهةٍ تزدادُ تعقيداً. الضغطُ الاجتماعيُّ كانَ هائلاً. عائلةُ فارس لم تُظهرْ أيَّ بادرةِ اهتمامٍ بخطبتِها، بل بدتْ كأنّها تتجنّبُهم. وفي المقابل، أصبحتْ الشائعاتُ تتناقلُ بينَ نساءِ الحيِّ عنْ علاقةِ فارس ولينا، وعنْ رفضِ عائلةِ فارس لهُ.
ذاتَ يوم، أتتْ فاطمة، صديقةُ لينا المقرّبة، تحملُ في عينيها أخباراً لا تُسرّ. "لينا، سمعتُ شيئاً يُقلقُني،" قالتْ وهيَ تجلسُ بجوارِها، وصوتُها منخفضٌ كأنّها تخشى أنْ تسمعَها الجدران، "يقولونَ إنّ السيدَ أحمدَ يبحثُ عنْ فتاةٍ لِتتزوّجَ منْ فارس. فتاةٌ منْ عائلةٍ كبيرةٍ، وثرية."
ارتعشَ جسدُ لينا. "هذا مستحيلٌ،" تمتمتْ، "فارسُ يُحبّني. إنّهُ وعدني."
"الحبُّ يا لينا،" قالتْ فاطمة بحزن، "قدْ يكونُ ضحيةَ الظروفِ والمصالح. السيدُ أحمدُ رجلٌ يرى الأمورَ بعينِ العقلِ والمال. وقدْ يكونُ رأى أنَّ حبَّ فارس لكِ مجرّدُ نزوةٍ عابرة، أوْ شيءٌ يمكنُ التغلّبُ عليهِ بأيِّ طريقة."
كانتْ تلكَ الكلماتُ بمثابةِ صخرةٍ ألقتْ بها في بحرِ الأمانِ الذي كانتْ لينا تحاولُ أنْ تتشبّثَ به. نظرتْ إلى الرسالةِ التي في يدِها، إلى كلماتِ الشوقِ الجامح، إلى وعدِ الوفاءِ الأبديّ. هلْ كانتْ كلُّ هذهِ كلماتٍ جوفاء؟ هلْ كانَ فارسُ، معَ كلِّ هذا الحبِّ الظاهر، ضعيفاً أمامَ رغباتِ أبيهِ؟
ازدادَ الصراعُ في قلبِ لينا. كيفَ لها أنْ تُقاومَ هذهِ الأقدارَ الملتوية؟ وكيفَ لها أنْ تُصدّقَ الوعودَ حينَ تكونُ الشكوكُ أكبرَ منْ اليقين؟ شعرتْ بأنّها بدأتْ تذوبُ، كشمعةٍ تُحترقُ في لهيبِ الشوقِ والخوفِ معاً. زادَ إدمانُها لفارسَ، ممزوجاً بخوفٍ متزايدٍ منْ فقدانِهِ، ومنْ فقدانِ نفسها في دوامةِ هذهِ الحربِ الخفية.
في تلكَ الليلة، لم تستطعْ لينا النوم. كانتْ تطاردُها صورُ فارس، وعيناهُ التي كانتْ تُشعُّ بالحبِّ، وكلماتُهُ التي كانتْ تُسحرُ قلبَها. لكنْ، كانَ يطاردُها أيضاً وجهُ أبيها القلق، ووجهُ أمّها الحزين، وحديثُ فاطمةِ الذي لم يغبْ عنْ ذاكرتِها.
"يا ربّ،" دعتْ بصوتٍ خافتٍ، والدموعُ تترقرقُ في عينَيها، "اهدِني إلى الطريقِ الصحيح. قوّني على ما هوَ آتٍ. ولا تبتليني بما لا أُطيق."
كانتْ تعلمُ، في قرارةِ نفسِها، أنَّ هذهِ الحربَ ليستْ فقطْ حرباً بينَ عائلتَين، أوْ بينَ حبٍّ وحبٍّ آخر، بل هيَ حربٌ داخلَ قلبِها، حربٌ بينَ ما تريدُ وما يجبُ أنْ تكون، بينَ الشغفِ الجامحِ الذي يُعذّبُ روحَها، وبينَ المبادئِ والقيمِ التي تُريدُ أنْ تحيا بها. لقدْ أصبحتْ لينا أسيرةَ هذا الشوقِ المستعر، أسيرةَ صراعاتِها الداخلية، أسيرةَ زمنٍ لم يعدْ فيهِ الحبُّ مجرّدَ شعور، بل أصبحَ معركةً قاسيةً لا تعرفُ نهايتها.